الذكاء الاصطناعيالرئيسية

إشكالية اللغة والمعنى ما زالت تظهر على ترجمة الذكاء الاصطناعي

هاشتاق عربي

في بدايات ظهورها خرجت خدمات الترجمة الآلية بأداء خجول وغير متقن، إلا أنها تطورت تدريجاً مع تقدم الذكاء الاصطناعي وتطور الحاجة إليها في عالم يتسم بالاتصال العميق والمتعدد، إضافة إلى تزايد أهمية دورها في حياة المتخصصين في المجال ذاته الذين أصبحوا يعتمدون عليها في عملهم خلال حياتهم اليومية.

والحقيقة أن الذكاء الاصطناعي يبلي بلاء حسناً في مجال الترجمة، اليوم، الذي ربما يعد واحداً من المجالات الأكثر استفادة منه، فالمؤكد أن أدوات وتطبيقات الترجمة باستخدام الذكاء الاصطناعي تعد الأفضل والأكثر دقة، نظراً إلى النتائج الجيدة التي يقدمها تطبيق التعلم الآلي على اللغة، والذي يمكن من فهم العبارة وبنية الجملة والسياق المقدم فيه، ثم يقدم أفضل ترجمة تبعاً للمجال الذي تتناول اللغة الحديث عنه.

تعمل الترجمة الآلية من طريق تحويل النص من لغة المصدر وإنتاج ما يعادلها في اللغة الهدف، لكن هل يمكن تحييد دور المترجم والاعتماد عليها بشكل كامل؟

تقنية آلية

تعود فكرة الترجمة الآلية إلى قرون عدة سابقة، فقد أوكل الخليفة المأمون إلى أبي يوسف الكندي مهمة الإشراف على ترجمة الأعمال الفلسفية والعلمية اليونانية إلى العربية في بيت الحكمة، إلا أن أول استخدام للحواسيب في ترجمة اللغات كان في خمسينيات القرن الماضي.

والترجمة الآلية، بحسب تعريف “أم أي تي تكنولوجي ريفيو”، هي تقنية مؤتمتة تسمح بترجمة النصوص من لغة إلى أخرى باستخدام خوارزميات حاسوبية دون أي تدخل بشري، وتستعمل في ترجمة النصوص ذات الأحجام الكبيرة بسرعة عالية يستحيل تحقيقها بالاعتماد على الطرق التقليدية.

ويتحدد عمل الترجمة الآلية عبر ثلاث طرق، الأولى هي المستندة على القواعد (RBMT) بالتحول الحرفي، أو ترجمة كلمة بكلمة، وركيزتها القواعد اللغوية والقواميس ثنائية اللغة، إذ يستعان بها لمعرفة الكلمات، ثم بالقواعد لنقل البنى النحوية من اللغة المصدر إلى الهدف، والطريقة الثانية هي الترجمة الآلية الإحصائية (SMT)، وفي هذا المستوى استخدمت خوارزميات التنبؤ لإنشاء ترجمات ذات صلة بالسياق، وتعتمد على استخدام نماذج إحصائية فتترجم الكلمات من اللغة المصدر بناءً على احتمالات ورودها في اللغة الهدف.

ترجمة عصبونية

أما الطريقة الثالثة فهي الترجمة الآلية العصبونية (NMT)، وتعتمد على استخدام الشبكات الاصطناعية العميقة من طريق تقسيم الشبكة إلى عنصرين، الأول ترميز يقرأ الجمل على الدخل ويقوم بتوليد تمثيل عددي مناسب لها، والثاني فك ترميز يقوم بتوليد النص المترجم على الخرج.

والأخيرة هي الأكثر انتشاراً اليوم وتعطي نتائج أكثر سلاسة من الطرق السابقة، وتتعلم باستمرار أثناء استخدامها لتحسين نتائجها، إذ تتمثل أهميتها في الشبكة العصبية التي تجعل البرنامج قادراً على التعلم الذاتي، ليقدم نتائج نهائية قريبة جداً من اللغة البشرية، فالهدف الأساسي منها هو توفير ترجمة أكثر طبيعية ودقة للنص من الطرق الآلية التقليدية، نظراً إلى تلقيها كماً كبيراً من البيانات مكنها من تحويل الكلام من دون الحاجة إلى قواعد أو قواميس محددة.

وتعمل الترجمة العصبوينة من خلال التنبؤ بمدى احتمالية تسلسل بعض الكلمات بناءً على ملاحظتها الأنماط الواردة أثناء التدريب، ومزاياها أن كفاءتها أعلى من نظريتها التقليدية، إضافة إلى دقتها نسبة لقدرتها على مراعاة السياق والبنية اللغوية والقواعد، ومن أبرز أمثلتها “غوغل ترانسليت”.

مزايا متعددة

وعلى رغم صعود برامج وتطبيقات عدة ما زالت ترجمة “غوغل” من أفضل خدمات الترجمة الآلية حتى اليوم، إذ أطلقت عام 2006 وتبعتها سلسلة تحسينات وصلت بها إلى إضافة أكثر من 100 لغة، حيث تستخدم متحدثين أصليين لتدريب خوارزمية الذكاء الاصطناعي، وتقدم مزايا مجانية ترافق عدداً كبيراً من الأشخاص خلال يومهم على اختلاف تخصصاتهم ومستوياتهم اللغوية، فمن التعرف إلى اللغة وترجمة المستندات والمواقع والمحادثات الثنائية، وصولاً إلى ترجمة النص المتضمن صورة، ومن دون إنترنت، وكذلك تقديم ترجمات تم التحقق منها، مجموعة من الخدمات وضعته في أعلى قائمة تطبيقات الترجمة وتعلم اللغات.

وتأتي أهمية هذا النوع من التطبيقات بشكل عام من توفرها الدائم وسهولة الوصول إليها وسرعتها المذهلة، إضافة إلى توفيرها كثيراً من الوقت والجهد في مواقف دقيقة كالسفر مثلاً، إذ يمكن استخدامها لترجمة الإشارات في الشوارع وقوائم الطعام وبعض الوثائق، وغيرها، والأهم كلفتها الزهيدة مقارنة بنظيرها البشري.

الدقة والموثوقية

ومع ذلك، فإن هذه الأدوات تظل مجرد آلات، وهي لا تزال محدودة، لذا قد تسيء في بعض الأحيان فهم السياق بأكمله، وعندما يتعلق الأمر بالمعايير والقيم الثقافية، فإن بعض الترجمات التي تقوم بها أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تتسبب في أذى أو ضرر بطريقة أو بأخرى، ففي حين تعد أدواتها ذات فائدة كبيرة في المواقف اليومية والتواصل البسيط وترجمة المحادثات المكتوبة أو المكالمات والاستخدامات الشخصية والعملية، إلا أنها في الأمور التي تحتاج إلى شروحات دقيقة أو تحديد مشكلة ما أو طلب مساعدة من نوع معين، بخاصة عندما يكون الشخص تحت خطر أمني أو صحي أو غيره، فالأكيد أنه لا يمكن الاعتماد عليها أو الثقة التامة بنواتجها.

وما زالت الأفضلية للمترجم البشري في المجالات التي يكون التواصل فيها دقيقاً وحساساً ومصيرياً وينطوي على الشرح الدقيق للحال، ومع المستندات المعقدة ذات النصوص الغامضة أو المحادثات المتخصصة، لا سيما الطبية، إذ يمكن أن يتسبب خطأ بسيط في نتائج كارثية، لذا تظل الترجمة البشرية أدق وأكثر تحديداً وفهماً للسياق، ولا تزال الخدمات تجمع بين الترجمات الآلية والدعم البشري لضمان أن تكون الترجمة خاصة بالموقع المستهدف.

في النهاية، لا يمكن الاستهانة بدور هذه التطبيقات كمساعد، سواء للشخص العادي أو المتخصص كالمترجم أو المعلم أو متعلم اللغة، فهي تسرع عملية التعلم، وتحقق نتائج أفضل وأكثر دقة واحترافية.

المصدر: إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى