الذكاء الاصطناعيالرئيسية

الذكاء الاصطناعي امتداد للذكاء البشري

هاشتاق عربي

شارك هذا الموضوع:

حصل البروفيسور المغربي أنس باري من جامعة نيويورك على شرف إلقاء كلمة بصفته متحدثا متميزا ضمن هيئة التدريس في حفل تخرج دفعة 2023 في كلية الآداب والعلوم بجامعة نيويورك.

وفي كلمة أمام أكثر من 5 آلاف من الحضور، أكد البروفيسور باري -ابن مدينة طنجة شمالي المملكة- أهمية الذكاء الاصطناعي باعتباره امتدادا للذكاء البشري، مشجعا الخريجين على المشاركة في هذه الثورة التكنولوجية الرائدة من خلال ابتكار أدوات آمنة وجديرة بالثقة ومسؤولة وعادلة، مع الحفاظ على الأدوار الأساسية للحكم والإبداع البشري.

وفي مقابلة خاصة مع الجزيرة نت، تحدث باري عن الفرص الجديدة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي لتعزيز عمل الأساتذة في الجامعات، مؤكدا أنه “يجب استخدام الذكاء الاصطناعي لزيادة قدراتنا وذكائنا بدلا من استبدالها”.

هل تعتقد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي إلى ظهور تخصصات دراسية جديدة في الجامعات، وكيف يمكن تجهيز الطلاب لهذه التخصصات؟
بداية، يجب الاعتراف بأن الذكاء الاصطناعي أصبح واقعا نعيشه ويشهد تطورا وانتشارا واسعا. ومع تزايد اهتمام خريجي الجامعات لمعرفة المزيد عن هذه التقنية، ستظهر تخصصات جديدة في المؤسسات التعليمية.

وتعد “سلامة الذكاء الاصطناعي” (AI Safety) أحد هذه التخصصات الرئيسة المحتملة التي برزت بالفعل، ومن المتوقع أن تستمر في النمو في المستقبل القريب.

وسيساعد هذا البرنامج في إعداد الطلاب لمواجهة التحديات الأخلاقية والمخاطر المرتبطة بتطوير ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي. كما سيهدف إلى إعداد الجيل القادم من العلماء بمهارات ومعرفة تواكب هذه التقنية لتعلم وتطوير تقنيات صارمة لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي آمنة وجدير بالثقة.

ويشمل هذا التخصص عدة مناهج، بما في ذلك الاعتبارات الأخلاقية في تصميم ونشر الذكاء الاصطناعي وتخفيف الانحياز، وتقييم المخاطر وتخفيفها وملاءمة أهداف الذكاء الاصطناعي مع القيم الإنسانية. بالإضافة إلى ذلك، سيتيح للطلاب فهم السياسات والمبادئ التوجيهية وأطر الحوكمة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.

ويوجد تخصص آخر ناشئ وواعد، وهو اندماج الذكاء الاصطناعي و”التفاعل بين الإنسان والحاسوب” (HCI). ويركز هذا المجال المتعدد التخصصات على تصميم وتطوير أنظمة تتفاعل مع البشر بطرق طبيعية وعفوية مع مراعاة تجربة المستخدم وتصميم واجهة رسومية له.

وبفضل الدمج بين هذا الفرع الجامعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، سيستفيد الطلاب من دورات تلقنهم طرق معالجة اللغة الطبيعية ورؤية الكمبيوتر، والتعرف على الصوت والإيماءات في سياق التفاعل بين الإنسان والحاسوب.

وتجدر الإشارة إلى مجال دراسي آخر وهو هندسة أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تندرج ضمن علوم الكمبيوتر وعلوم البيانات مع وحدات تطبيقية تركز على عدة مجالات، مثل أنظمة الذكاء الاصطناعي في الأدوية والتعليم والتمويل وغيرها، فضلا عن الجوانب التقنية المتمثلة في التحليلات التنبؤية والتعلم الآلي والتعلم العميق ومعالجة اللغة الطبيعية وتصميم الخوارزمية.

من جانبها، تعمل جامعة نيويورك على تقديم دورات جديدة متاحة لطلاب الهندسة أو علوم الكمبيوتر وباقي التخصصات تشمل التحيز في الذكاء الاصطناعي، والحفاظ على الخصوصية والتصميم الآمن والمساءلة في الذكاء الاصطناعي، وإدارة المخاطر وسياسة وحوكمة الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي في مجالات الطب والمالية والأعمال والسياسة.

كيف يمكن أن يؤثر الذكاء الاصطناعي على العدالة والمساواة في التعليم العالي، خاصة في ما يتعلق بالوصول إلى الموارد والفرص التعليمية؟
من المعروف أن كل تقنية تأتي بعيوب ومزايا، وهذه القاعدة تنطيق بالتأكيد على الذكاء الاصطناعي، ولهذا ستكون له تأثيرات إيجابية وسلبية على العدالة والمساواة في التعليم العالي.

وفي ما يخص الجانب الإيجابي، يمكن نشر أدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين الوصول إلى الموارد الأكاديمية والتعليمية بشكل كبير، بما في ذلك البرامج التعليمية عبر الإنترنت، والبرامج التعليمية الموصى بها من قبل الذكاء الاصطناعي، والتعلم المخصص.

أما إذا تم تصميم وإدارة الذكاء الاصطناعي بشكل سيئ، فقد يؤدي ذلك إلى تفاقم عدم المساواة والتمييز عن طريق تدريب الخوارزميات على البيانات المتحيزة، خاصة في مجالي التعليم العالي والطب، وهو ما سيخلق مخاطر متعلقة بخصوصية البيانات.

وقد يؤدي ضخ المعلومات بكميات هائلة عن الطالب أو المريض إلى خلق مخاوف أخلاقية جادة، وهو ما سيجعل مؤسسات وجامعات أبحاث الرعاية الصحية بحاجة إلى إنشاء سياسات وإرشادات لجمع البيانات وتخزينها واستخدامها لفرض الحماية في عمليات تصميم ونشر الذكاء الاصطناعي.

هل تعتقد أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى إعادة تعريف دور الأستاذ الجامعي في المستقبل، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن للأكاديميين الاستعداد لهذا التحول؟
نعم، ليس لدي أدنى شك في قدرة تطورات الذكاء الاصطناعي على إعادة تشكيل دور الأستاذ الجامعي. وأرى أنه من الضروري للأستاذ الجامعي المتخرج حديثا أن تكون لديه دراية ومعرفة شاملة بأدوات وتقنيات الذكاء الاصطناعي التعليمية، لأنها ستساعده في جعل وظيفته أسهل وأكثر كفاءة في التدريس والبحث.

والأهم من ذلك، سيتعين على الأستاذ في عالم الذكاء الاصطناعي الآن إعادة تصميم المناهج التربوية والتركيز على المجالات التي لا يمكن للذكاء الاصطناعي تكرارها، أو ربما لا يكررها بطريقة مثالية، من خلال تصميم المهام والمشاريع التي تركز على التفكير التحليلي والنقدي ومهارات التفكير والتصميم الإبداعي المبتكر.

وبما أن الحكم البشري والإبداع أمران في غاية الأهمية في عملية التعلم، سيتعين على الأساتذة في الجامعات إنشاء بيئة يُستخدم فيها الذكاء الاصطناعي كـ”مدرس عبر الإنترنت” لمساعدة الطلاب في الحصول على المعلومات والتفسيرات بسرعة وبشكل فعال، مع حفاظهم على دورهم في الإرشاد والتوجيه في المراحل الأكاديمية والتنمية الشخصية.

علاوة على ذلك، يجب على الأساتذة عدم الابتعاد عن التطور العلمي الذي نشهده اليوم، بل عليهم البقاء على اطلاع مستمر بأحدث التطورات والتعاون مع خبراء الذكاء الاصطناعي وإنشاء مشاريع متعددة التخصصات لفهم كيفية تأثيره على مجال عملهم.

فعلى سبيل المثال، يمكن للأطباء وأساتذة الطب العمل جنبا إلى جنب خبراء الذكاء الاصطناعي لدعم مجال تخصصهم في كل من التدريس والتعلم. وقد يرغب أساتذة الموسيقى أيضا في اتباع النهج نفسه للبحث في المجالات التي يمكن فيها استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل فعال للنهوض بمجال الموسيقى ومساعدة الموسيقيين على أداء عملهم بشكل أفضل، مع ضمان جمع بيانات التدريب المستخدمة في أدوات فن الذكاء الاصطناعي الحديثة بشكل أخلاقي.

هل هناك خطر من الاعتماد الزائد على الذكاء الاصطناعي في الأبحاث العلمية والتعليم، خاصة من حيث تأثيره على الأخلاقيات الأكاديمية والنزاهة العلمية؟
في الوقت الذي يتميز فيه الذكاء الاصطناعي بإمكانات هائلة للتأثير إيجابيا على البحث والتعلم، قد يؤثر الاعتماد المفرط عليه سلبا على الأخلاق الأكاديمية والنزاهة العلمية.

في رأيي، الخطر الرئيس هو التحيز في أنظمة الذكاء الاصطناعي، فعالمنا اليوم مليء بالتحيزات المجتمعية الكبيرة المدمجة في مجموعة من البيانات، ونرى ذلك جليا في فجوة الأجور بين الجنسين مثلا، أو معلومات الشرطة المعتمدة في الاعتقالات أو منح البنوك للقروض.

ولا ننسى أن تدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي يستند أساسا على مجموعة بيانات مخزنة قد تحتوي بالفعل على تحيز مضمّن فيها وبيانات تعكس عدم المساواة والعنصرية في العالم الحقيقي، مما يؤدي إلى تنبؤات وإصدار قرارات غير عادلة.

في المقابل، هناك جهود جارية يمكنها تخفيف هذه المعضلة وحل أجزاء منها تحت إشراف علماء البيانات المعاصرين. وفي جامعة نيويورك كورانت، بدأت في تدريس هذه المواضيع في محاضراتي عن الذكاء الاصطناعي من خلال التركيز على أهمية التحقيق في بيانات التدريب واستخدام عدة خوارزميات تقييم “العدالة” لاختبار التحيزات وتصحيحها قبل إدراجها في خوارزميات الذكاء الاصطناعي.

وأهدف هنا إلى التأكد من أن البينات المقدمة تمثل بصدق العالم الحقيقي وتخلو من التحيزات ذات “الميزات الحساسة”، مثل الجنس والعرق.

ولهذا السبب، يجب عدم الاكتفاء بتدريس الخوارزميات في الجامعات فقط، بل ينبغي قيام الطلاب والباحثين بتقييم مفصل لأخلاقيات مجموعات البيانات ومراقبة صلاحيتها والتشكيك بالنتائج والتنبؤات في أثناء تطويرهم أدوات الذكاء الاصطناعي. إنها عملية مستمرة ومتكررة.

كيف يمكن أن يغير الذكاء الاصطناعي في أدوات العملية التعليمية؟ وما أقرب هذه الأدوات للاندثار أو الإحلال؟
يملك الذكاء الاصطناعي كل المقومات الضرورية لإحداث ثورة في عالم التعليم. فعلى سبيل المثال، يمكن تصميم أنظمة التوصية القائمة على الذكاء الاصطناعي ونشرها لتوفير تعلم أكثر تخصصا. وستتعلم هذه التقنية من البيانات التعليمية المخزنة مسبقا وتستخدم احتياجات الطلاب وتفضيلاتهم لتصميم مناهج مخصصة.

كما يمكن أن يلعب الذكاء الاصطناعي دورا في توفير أدوات التدريس ومزيد من الدعم للطلاب، إذ يستطيع المدرسون تقديم تجربة تعليمية مخصصة والإجابة على الأسئلة المفاهيمية للطلاب.

من جهة أخرى، قد تساعد أدوات الذكاء الاصطناعي الأساتذة ومساعديهم في عملية التصحيح والدرجات لبعض واجبات الطلاب، وهو ما سيسهم في توفير الوقت للتقدير وتقديم ملاحظات سريعة أو اقتراحات بشأن الموارد والمراجع لمزيد من الاضطلاع.

ومن بين الأدوات الأخرى، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتنبيه الأستاذ بشأن الطلاب الذين قد يكونون في ضائقة أو بحاجة لمساعدة من خلال تحليل رسائل البريد الإلكتروني لقياس أدائهم، مما يتيح توجيه الأستاذ للتركيز على طلاب معينين وتقديم الدعم الفوري لهم، خاصة في الفصول الدراسية المكونة من مئات الطلاب.

وفي الأخير، يجدر التأكيد أن الذكاء الاصطناعي لن يتمكن من استبدال قيمة الأستاذ أو الطبيب أو الفنان لأن الحكم البشري والتفكير النقدي والمنطقي مهارات أساسية لا يمكن استبدالها في مجالات مثل التعليم والطب والهندسة والفنون.

إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في هذه المجالات ويعززها، لكن لا يمكنه تكرار عمق الخبرة والإبداع والتواصل البشري بشكل كامل.

شبكة الجزيرة

قناة تلفزيونية إخبارية حكومية تابعة لشبكة الجزيرة الإعلامية، تأسست في 1 نوفمبر 1996، ويقع مقرها في العاصمة القطرية الدوحة.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى