منوعات

لماذا يصاب الناس بالذهول من الأرقام الكبيرة؟

هاشتاق عربي

شارك هذا الموضوع:

لدي اعتراف: أكره الأرقام الكبيرة. أو بالأحرى، أكره عندما يتم استخدام الأرقام الكبيرة للتأثير أو الخداع بدلا من فهم العالم. خطاب الميزانية السنوي لوزير المالية البريطاني، مثلا، ينطوي دائما على عرض محير من الأسعار الضخمة. مثلا، تضمن الخطاب هذا العام 63 مليون جنيه استرليني إضافية سيتم إنفاقها على مراكز الترفيه، وخمسة مليارات جنيه استرليني على مدار عامين للدفاع، و200 مليون جنيه استرليني على الحفر في الشوارع، وعشرة ملايين جنيه استرليني على مدار عامين لمنع الانتحار.

لست أول من يقلق بشأن هذا الأمر. في مقال بعنوان “الاعتياد على الأرقام” في الثمانينيات، سأل الباحث دوجلاس هوفستاتر في جملة أتمنى لو فكرت فيها: “هل نستمر في تضخيم أرقامنا الضخمة بالفعل؟” لقد اتخذ نهجا صارما، قائلا: “لا يوجد عذر لعدم القدرة على فهم أو حتى استيعاب الأرقام التي تهدف إلى تلخيص بعض الجوانب البارزة لحقائق هائلة (…) في بضعة رموز”.

ربما كان قاسيا بعض الشيء. قالت عالمتا الأعصاب، ليندسي هاسك واليزابيث توماريان: “لم يتم بناء الدماغ البشري لفهم مثل هذه الأرقام الضخمة”. في إحدى الدراسات البحثية، وضع كثير من المشاركين رقم مليون في منتصف المسافة تقريبا بين رقمي ألف ومليار على خط الأعداد. حتى الأشخاص الملمون أكثر بالموضوع يمكن أن يعانوا لتصور مدى اتساع الفرق بين رقمي مليون ومليار.

اعتاد كيث فراي، رئيس قسم الإحصائيات التحريرية في فاينانشيال تايمز، أن يطبع بضع جمل ويضعها على مكتبه وقد ظلت تلك الجمل عالقة معي دوما: مليون ثانية تبلغ نحو 12 يوما، ومليار ثانية تبلغ نحو 32 عاما، وتريليون ثانية تبلغ نحو 32 ألف عام.

إذن، من المستفيد عندما يكون الخطاب العام حافلا بأرقام كبيرة يكافح كثيرون لفهمها؟ غالبا ما يذكرها السياسيون في المقابلات، أو الإعلانات على أمل أن تبدو ذات أهمية للصحافيين أو الجمهور، حتى لو كانت مبالغ تافهة في السياق. الشركات ومجموعات الضغط، في بعض الأحيان، تفعل الشيء نفسه. يقول بيان صحافي في بريدي الوارد: “تبلغ الإسهامات الاقتصادية للعمل المرن 37 مليار جنيه استرليني”. ويقول آخر: “يضيف المهنيون الأجانب 210 مليارات جنيه استرليني إلى اقتصاد المملكة المتحدة”.

لا يوجد سبب للخضوع دون حول ولا قوة لهذا الخزعبلات. تتمثل إحدى الاستراتيجيات في جعل الأرقام الكبيرة أصغر حيث تصبح ذات معنى للجمهور وتسهل مقارنتها. وجدت دراسة نشرت العام الماضي أن غير الخبراء كانوا أكثر قدرة على التمييز بين أسعار البرامج الحكومية المختلفة عندما تم تقسيم الأرقام على حجم السكان حيث يتم إعطاء مبلغ لكل فرد. خلص الباحثون إلى أن هذا “التغيير البسيط نسبيا في كيفية تقديم المعلومات يخفف من سوء الفهم، وبالتالي يحسن إمكانية تطبيق الديمقراطية التشاركية”.

لو قسم جيريمي هانت، وزير المالية البريطاني، وعود الإنفاق في خطاب الميزانية على السكان (نحو 67 مليون في المملكة المتحدة)، لكان قد أعلن أنها 94 بنسا إضافيا لكل شخص على مراكز الترفيه، و74.63 جنيه استرليني للدفاع، و2.99 جنيه استرليني للحفر في الشوارع و15 بنسا لمنع الانتحار.

إذا وجد بعض الأشخاص أن هذه الأرقام ذات معنى بشكل أكبر أو على الأقل أسهل للمقارنة مع بعضها بعضا، يمكن لمكتب مسؤولية الميزانية نشر جدول بإعلانات السياسة المعاد تقييمها في يوم الميزانية. يجب إصدار بعض الأحكام. أحيانا قد يكون منطقيا التقسيم على عدد الأسر، أو المستفيدين من سياسة معينة. لكن هذا ليس سببا لعدم بذل الجهد.

القاعدة الأخرى هي إضافة مزيد من الأرقام. نادرا ما يعني رقم واحد كبير أي شيء وحده. ما هي الزيادة في الإنفاق الدفاعي كنسبة من الأموال التي ننفقها بالفعل؟ وما هي إسهامات العمل المرن كنسبة مئوية من إجمالي الاقتصاد؟ كما أخبرني السير أندرو ديلنو، الرئيس السابق لهيئة الإحصاء البريطانية “أحيانا يكون رقم خمسة رقما كبيرا، وأحيانا رقم 300 مليون رقما ضئيلا”، يعتمد الأمر كله على السياق.

أعلنت شركة أكسنتشر أخيرا أنها ستلغي 19 ألف وظيفة. اعتقدت أن هذا يبدو كثيرا، عندما سمعته. ثم قرأت أن الشركة لديها 738 ألف موظف، وأنها وظفت أكثر من 230 ألفا منذ منتصف عام 2020. لا يزال 19 ألف شخص سيفقدون وظائفهم. لكن الأرقام الأخرى تساعد على فهم القصة.

ليس هناك مفر من الأرقام الكبيرة في عالم اليوم، لكن لا يتعين على الجمهور أن يظل معتادا عليها. قم بضغطها، وسحقها، وقارنها، وسرعان ما ستشعر بأنك فهمت الأمر. قد يكون هذا هو ما يخشاه السياسيون.

صحيفة الاقتصادية السعودية

صحيفة عربية سعودية متخصصة باخبار الاقتصاد العالمي و الخليجي و السعودي و كل ما يخص أسواق الأسهم و الطاقة و العقارات

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى