اقتصادالرئيسية

مشاكل البنوك الأوروبية بدأت بالظهور بعد الأزمات الأخيرة

هاشتاق عربي

في الوقت الذي كانت الأسهم في شركاتهم تنخفض هذا الأسبوع، جلست مجموعة صغيرة من رؤساء البنوك الأوروبية في لندن لتناول عشاء يتكون من أطباق الريزوتو بالزعفران والسلمون والهليون، حيث اتفقوا فيما بينهم على أن ردة فعل السوق على انهيار أحد البنوك المقرضة في كاليفورنيا كانت مبالغا فيه.

أصر الرؤساء التنفيذيون على أن المستثمرين “يقللون من شأن” قوة الميزانيات العمومية للبنوك الأوروبية “من حيث السيولة ورأس المال والأرباح وجودة الأصول”، حسبما قال ديفيد سيرا، مؤسس شركة ألجيبريس إنفستمنتس المتخصصة في الاستثمار ومستضيف العشاء.

أضاف سيرا أن البنوك الأوروبية “في أقوى أوضاعها منذ 30 عاما – وإذا كانت هناك لحظة تستلزم الشعور بالذعر، فهي ليست الآن”.

حتى قبل سيطرة المنظمين الفيدراليين في الولايات المتحدة على سيليكون فالي بنك الأسبوع الماضي، بعد أن أحدث ارتفاع أسعار الفائدة فجوة في ميزانيته العمومية، كان بعض المصرفيين في أوروبا على دراية بسيطة بوجود البنك الذي يركز على شركات التكنولوجيا منذ 40 عاما.

منذ ذلك الحين كانت التداعيات سريعة ومؤلمة حيث تخلص المستثمرون من أسهم البنوك الأوروبية.

قال كيفين ثوزيت، عضو لجنة الاستثمار في شركة كارمينياك الفرنسية لإدارة الأصول: “كان الارتفاع في أسعار الفائدة سريعا للغاية لدرجة بدأت معها التصدعات في الظهور”.

“تختلف إدارة المخاطر في البنوك الأوروبية الكبيرة اختلافا كبيرا عنها في البنوك الأمريكية الإقليمية. فالمخاطر أقل، لأنها مضمونة ومحوطة بدرجة كبيرة. لكن على الرغم من ذلك، إلى أين انتقل هذا الخطر؟ نحن لا نعرف ذلك بعد”.

فيما كان بنك كريدي سويس هو من تسبب في كثير من الألم الذي انتشر في أوروبا، من بنكي بي إن بي باريبا وسوسيتيه جنرال الفرنسيين إلى بي بي في أيه الإسباني وباركليز البريطاني.

كان البنك السويسري – الذي يكافح ضغوطا شديدة بعد سلسلة من الفضائح، وتدفقات الودائع الخارجة، وخطة إعادة هيكلة جذرية – قد تعرض لضربات قاسية بعد أن استبعد أحد كبار المساهمين مزيدا من الاستثمار فيه.

الخسائر في أسهم البنوك الأوروبية قد توقفت فقط عندما وافق بنك كريدي سويس على دعم من البنك المركزي بقيمة 50 مليار فرنك سويسري.

بحلول صباح الجمعة، عادت مؤشرات البنوك لليوم الثاني على التوالي إلى المنطقة الإيجابية – حيث أوقفت بذلك أسوأ هبوط حاد امتد على مدار يومين منذ الحرب الروسية – الأوكرانية.

قال مسؤول تنظيمي أوروبي: “لا يبدو أن هبوط أسهم البنوك الأوروبية الحاد هذا الأسبوع منطقي”، حيث دعت الحكومات من باريس إلى برلين المستثمرين إلى المحافظة على هدوئهم ورفضت الافكار التي تفترض وجود مشكلة شاملة في النظام.

“يبدو أنها مسألة ثقة عامة أكثر من كونها مشكلة معينة يركز عليها المستثمرون”.

لكن المشكلات في كريدي سويس لم تنته بعد، وذلك أن هذه الحادثة أضافت إلى المؤشرات التحذيرية الموجهة للصناعة. وبحلول نهاية الجمعة، كان مؤشر البنوك الأوروبية ستوكس 600 قد خسر 2.6 في المائة أخرى، كما انخفض 15 في المائة خلال الأسبوع.

جاء انهيار سيليكون فالي بنك عقب الانخفاض في قيمة سندات الخزانة طويلة الأجل التي تحتفظ بها، مؤكدا على النتائج غير المتوقعة لارتفاع أسعار الفائدة الذي طال انتظارها. كما يقول المستثمرون: إن أزمة المعاشات التقاعدية في المملكة المتحدة، التي نجمت عن ارتفاع عوائد السندات الحكومية، كانت علامة تحذيرية مبكرة من المخاطر المقبلة.

كما هي الحال في سيليكون فالي بنك، تمتلك البنوك الأوروبية أيضا محافظ سندات كبيرة، التي انخفضت قيمتها الورقية نتيجة لارتفاع أسعار الفائدة. لكن تم تصنيف نسبة أصغر بكثير منها على أنها “متاحة للبيع” في سجلاتها، وهذا يعني أنه يجب تعديل قيمها، على عكس السندات التي يتم الاحتفاظ بها حتى أجل الاستحقاق.

فيما يقدر المحللون في بنك أيه بي إن امرو أن البنوك الأوروبية تمتلك 6 في المائة من الأصول المستثمرة في محافظ تعرف بأنها “متاحة للبيع” بينما يشكل إجمالي استثماراتها 18 في المائة من إجمالي ميزانياتها العمومية. وذلك مقارنة بنسبة 14 في المائة من الاستثمارات “المتاحة للبيع” في سيليكون فالي بنك والاستثمارات كحصة من الأصول بنسبة 57 في المائة.

قال محللو إيه بي إن امرو: “إن من شأن ذلك أن يجعلها أقل عرضة للتغييرات الحادة في التقييم”.

إضافة لذلك، يتم أخذ ما يسمى بالخسائر غير المحققة من تلك التغييرات في التقييم في الحسبان في حسابات متطلبات رأس المال وكيفية تطبيقها في أوروبا، حيث تخضع جميع البنوك، بغض النظر عن حجمها، لاختبارات الإجهاد ومتطلبات الإشراف والسيولة الصارمة. أما في الولايات المتحدة، أدى التراجع عن بعض المتطلبات التنظيمية في عهد الرئيس دونالد ترمب في 2018 إلى إعفاء بنوك مثل سيليكون فالي بنك، أو بعض البنوك بأصول تصل قيمتها إلى 250 مليار دولار من هذا التدقيق.

أدى هيكل ودائع سيليكون فالي بنك، التي تركزت في قطاع التكنولوجيا بينما لم يكن 96 في المائة مؤمنا عليها، إلى تفاقم مشكلاته.

قال محللون في وكالة التصنيف الائتماني ستاندرد آند بورز: “بشكل عام، تعتمد البنوك الأوروبية على مصادر تمويل متنوعة، حيث تمثل الودائع الفردية الثابتة 30 في المائة من جميع الالتزامات”، وأضافوا أن بيع محافظ السندات وتحقيق الخسائر سيكون “الملاذ الأخير”.

قال جيروم ليجراس، رئيس الأبحاث في أكسيوم ألتيرناتيف إنفستمنت، وهي شركة مقرها في باريس متخصصة في الشؤون المالية بأصول مدارة بقيمة 2.2 مليار دولار: “لست قلقا حقا بشأن مخاطر جودة الأصول بالنسبة إلى البنوك الأوروبية. فلديهم بنود غير مستخدمة منذ جائحة كوفيد كما كانت معايير الإقراض صارمة للغاية. سترتفع تكلفة المخاطرة، لكن من مستويات منخفضة للغاية. لا يعد مصدر قلق كبير”.

كان الشعور بالإحباط واضحا بعد التصحيح الحاد خلال الأسبوع الماضي. حيث قال أحد الرؤساء التنفيذيين لبنك أوروبي: إن المستثمرين فشلوا في تقدير مدى التغير في القطاع منذ انهيار بنك ليمان براذرز في 2008.

قال الرئيس التنفيذي: “نملك ما يراوح بين خمسة إلى ثمانية أضعاف من السيولة. لا توجد مشكلة منتشرة على مستوى القطاع كمشكلة عدم ملاءة الرهون العقارية في الولايات المتحدة في 2008”.

لكن مع ذلك، وعلى الرغم من ثقة عديد من المنظمين والمصرفيين، فإن بنك كريدي سويس لا يزال يمثل خطرا مباشرا. قال أحد أعضاء مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي البالغ عددهم 26، إن الأخبار التي تصدرت مساء الأربعاء الماضي عن تأمين السيولة حققت “ارتياحا كبيرا”.

مكن ذلك البنك المركزي الأوروبي من المضي قدما في الخطط المشار إليها مسبقا لرفع سعر الفائدة على الودائع بمقدار نصف نقطة مئوية لتصبح بذلك 3 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ الأزمة المالية في 2008. قال عضو المجلس: “لقد أوقف ذلك الذعر. سيوفر ذلك بعض الوقت بينما يجد السويسريون حلا”.

أما إذا لم يتم العثور على حل، فيقول عديد من كبار المصرفيين في أوروبا وسويسرا: إن فترة الراحة – لبنك كريدي سويس وللقطاع قد تكون قصيرة.

قال مصرفي من باريس: “يبحث المستثمرون عن موطن الضعف. وفي أوروبا، هو بنك كريدي سويس. في هذه المرحلة، يتعلق الأمر بالسمعة وليس بأي شيء موضوعي يتعلق بأرقامهم”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى