منوعات

الأطفال أبرع من الكبار في البحث عن الحقائق

هاشتاق عربي

شارك هذا الموضوع:

لقد أمضيت أعواما في محاولة مساعدة الناس على فهم العالم من حولهم، وتحديدا فهم الأرقام التي تصف ذلك العالم. لكن خلال الأشهر القليلة الماضية، كنت أتصارع مع تحد جديد، هل بوسعي فعل الشيء نفسه للأطفال من عمر التاسعة إلى الـ13؟ آمل أن أتمكن من مساعدة هؤلاء الصغار، ليصبحوا “متحري الحقيقة”، وأن يميزوا ما هو صحيح وما هو خاطئ، في زمن قد يبدو محيرا.

لعلها تبدو مهمة غير واعدة. يعاني معظم البالغين فهم الإحصاءات المعقدة ويشعر كثيرون بعجز عن تقييم صحة أي ادعاء تقريبا في صيغة أرقام. تشك أقلية كبيرة باعثة على القلق في الادعاءات الواضحة. مثلا، حقيقة أن لقاحات فيروس كورونا الرئيسة فعالة ولها آثار جانبية منخفضة، أو أن الأرض جسم شبه كروي يدور حول الشمس. إذا كان البالغون لا يستطيعون استيعابها، فما الأمل الذي يتحلى به من في أعوام الصبا؟

الأطفال، في النهاية، قد يكونوا ساذجين جدا. انظر، مثلا، إلى التصديق السائد برودولف حيوان الرنة ذي الأنف الأحمر. إنه خيال ساحر ابتكره مؤلف إعلانات في الثلاثينيات، مصمم لجعل الأطفال ممن لهم عدد قليل من الأصدقاء يشعرون بالرضا تجاه أنفسهم. إنه سخيف بوضوح. سانتا كلوز سحري بما يكفي ليقدم الهدايا في جميع أنحاء العالم في ليلة واحدة، لذا من المستبعد أن يحتاج إلى أنف غريب مضيء في الضباب، لكن الأطفال الصغار يؤمنون برودولف.

من السهل أن نفقد الأمل ونستنتج أن تلك العقول الصغيرة سريعة التأثر ستصبح عاجزة في عالم مليء بالمعلومات المضللة. أنا أتبنى وجهة نظر مختلفة. ربما لا يتمتع الأطفال بمهارة إبداء عدم تصديقهم بسخرية مثلما يفعل كثير من البالغين، لكن هذه تعد قوة وليست ضعفا.

كثير من الأكاذيب المزعجة المتداولة حاليا قد ترسخت ليس لأن المؤمنين بالمؤامرة يصدقون أي شيء، بل لأنهم يبدأون بعدم تصديق أي شيء. من أجل الاعتقاد بأن فيروس كورونا خدعة أو أن انتخابات 2020 مزورة، يجب على المرء أولا ألا يصدق وسائل الإعلام التقليدية والمجلات العلمية والمؤسسات القديمة. الثلاثة السابقة، مع الأسف، تعطينا أحيانا أسبابا للشك فيها، لكن هذه الأسباب لا ينبغي أن تقود الناس إلى رفض قاطع لأي شيء يقوله “التيار السائد”. قد يبدو هذا الشك الدفاعي ذكيا، لكنه في الحقيقة استسلام معرفي ولد من الشعور بالعجز واليأس.

يفكر الصغار في العالم تفكيرا مختلفا تماما. يطرحون أسئلة -كثيرا من الأسئلة- يسمعون الإجابات التي يتلقونها ويحاولون باستمرار فهم كل شيء. مثل البالغين، يمكنهم أحيانا تحريف منطقهم للفوز بالحجج أو الاندماج في البيئة. لكن في حين يفعل بالغون كثر هذا طوال الوقت، يحاول الأطفال في الواقع فهم العالم، وهو أمر توقف بعض البالغين عن فعله منذ أمد بعيد جدا.

عند إسداء نصيحة إلى الناس حول كيفية فهم العالم، أؤكد على ثلاثة: الهدوء والسياق والفضول. الهدوء، لأن ردود أفعالنا العاطفية على الأرقام التي نراها في الأخبار غالبا أقوى من التفكير العقلاني، يجب أن نلاحظ ردود الفعل هذه ونحاول ألا ندعها تطغى علينا. السياق، لأن الأرقام بلا معنى دونه، نحن بحاجة إلى فهم إذا ما كانت كبيرة أو صغيرة، ترتفع أو تنخفض، والأساليب وراءها. والفضول، لأن أهم خطوة في فهم العالم من حولنا هي الرغبة في الفهم. في أحيان كثيرة نستغل الادعاءات الواقعية للفوز في كسب جدال أو إظهار ولاء لوجهة نظر، وليس للهفتنا إلى معرفة مزيد.

إذن كيف يتقدم الأطفال في سعيهم إلى الهدوء والسياق والفضول؟ غالبا ما يفتقرون إلى السياق، هذا صحيح. لكنه يساعد على الهدوء، فهم لا يكرسون عادة عواطف كبيرة لجدالات تجعل البالغين خائفين أو غاضبين. وهم فضوليون على نحو رائع، يريدون أن يفهموا ما يحدث، ويبحثون عن أفكار جديدة ولا يكفون أبدا عن السؤال بـ “من وكيف”، وقبل أي شيء “لماذا”.

نحن الكبار نقلل من قيمة هذا الفضول. نجد هذه الأسئلة لطيفة ومزعجة ومحفوفة بالمخاطر بالتناوب. ماذا لو اكتشف الأطفال حقائق قد تخيفهم؟

لكن يمكن للأطفال التعامل مع الحقيقة. حتى محرري الكتب الممتازين الذين أعمل معهم احتاجوا أحيانا إلى أن يتم تذكيرهم بذلك. في مرحلة ما، مثلا، في كتابي الجديد “متحري الحقيقة”، ناقشت الدروس التي تعلمناها حول المعلومات والمعلومات المضللة من بحث عن المخاطر الصحية للسجائر. كان المحررون قلقين من أن القراء الصغار الذين لديهم آباء يدخنون سيكونون خائفين أو متضايقين لسماع أن السجائر تسبب السرطان. يسعدني القول إني تمكنت من إقناعهم بأن الحقيقة أهم من صمت مطمئن.

كما أن بيئة المعلومات ليست وحشية تماما كما نخشى نحن الكبار أحيانا. هناك غرف صدى من الكراهية وجحور من عقلية المؤامرة على الإنترنت يصعب الخروج منها. هذا صحيح، لكن توجد أيضا أدلة واضحة ومتاحة لكل موضوع يمكن تخيله، من معضلة القاطرة “التي انحرفت عن مسارها وأمامها مساران، أحدهما فيه عامل والآخر خمسة” في الفلسفة الأخلاقية، إلى الهندسة البارعة لكيفية إيقاف مضخات البنزين تلقائيا عند امتلاء الخزان.

العثور على وجهات نظر ممتعة وواضحة وعميقة حول العالم المعقد من حولنا أصبح أسهل بكثير من أي وقت مضى. العقبة الرئيسة هي الجهل المتعمد، نحن لا نطرح أسئلة لأننا لا نهتم بمعرفة الإجابات. لهذا السبب أجادل منذ وقت طويل بأن الفضول مهم للغاية، والسبب أن القراء الصغار مهيأون أكثر غالبا ليصبحوا متحري الحقيقة من والديهم.

مايكل بلاستلاند، الصحافي المحنك في الإحصاء الذي شارك في إعداد برنامج “مور اور لس” الذي أقدمه حاليا على راديو “بي بي سي 4″، ذكرني أخيرا بالسبب وراء نجاعة التفكير في سعينا إلى الفهم على أنه عمل متحر.

كتب “التحري جزء من المتعة، وأرى أنه قد يفوت الصحافة”.

محاولة فهم العالم متعة بالفعل. والصحافيون ليسوا الراشدين الوحيدين الذين ينسون ذلك أحيانا.

صحيفة الاقتصادية السعودية

صحيفة عربية سعودية متخصصة باخبار الاقتصاد العالمي و الخليجي و السعودي و كل ما يخص أسواق الأسهم و الطاقة و العقارات

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى