اتصالاتالرئيسية

تطبيق “فايند ماي” يثير مخاوف بشأن الخصوصية

هاشتاق عربي

شارك هذا الموضوع:

نعرف أنك إذا فقدت جهازك “الأيفون” أو حتى “الآيباد” يكون التطبيق الرقمي “فايند ماي” Find My جاهزاً لمد يد المساعدة إليك. هكذا، تتبع جهازك المفقود تماماً على غرار ميزة “فايند ماي أيفون” Find My iPhone القديمة، حتى إن في مقدوره أن يجد جهازك إذا كان غير متصل بالشبكة، ولكن مزايا “فايند ماي” لا تنتهي هنا، ذلك أنه يجمع أيضاً خدمات تطبيق العثور على الأصدقاء “فايند ماي فرندز” Find My Friends لمساعدتك في تحديد موقع أفراد العائلة والأصدقاء الذين يرغبون بدورهم في مشاركة أماكنهم معك. كذلك لك خيار مشاركة موقعك الخاص كي يتمكن معارفك من العثور عليك.

كل ما عليك فعله تشغيل تطبيق “فايند ماي” على جهازك. انقر على مشاركة موقعي، ثم فوق اسم الشخص الذي تريد مشاركة موقعك معه وأدخل رقم هاتفه أو عنوان بريده الإلكتروني. في هذه المرحلة، انقر فوق إرسال، واختر ما إذا كنت تريد مشاركة موقعك مع هذا الشخص لمدة ساعة واحدة، أو حتى نهاية اليوم، أو إلى أجل غير مسمى. بعد ذلك، سيطلب من الشخص الموجود في الطرف الآخر مشاركة موقعه معك. سيكون لديه خيار الاتصال بك، والعثور عليك عبر الخريطة، والحصول على إشعارات حول موقعك المحدد.

في الواقع، “فايند ماي” واحد من ضمن باقة تطبيقات رقمية أسهمت في تفشي ظاهرة مشاركة المواقع الجغرافية إلكترونياً في السنوات الأخيرة، حتى أصبحت عنصراً أساسياً في تشكيل بعض الصداقات، ولكن فيما يبدو ظاهرياً أن هدفها الاطمئنان على سلامة الآخرين، نجد أنها لا تخلو من جوانب أخرى تؤثر سلباً في العلاقات المعقدة بين الأصدقاء. وفي تقرير نشرته “نيويورك تايمز” أخيراً بمناسبة مرور عشر سنوات على إطلاق تطبيق “فايند ماي فرندز” تتطرق إلى تجارب عدد من المستخدمين مع التطبيق الرقمي موضحة مزاياه وعيوبه أيضاً. شاي بيير واحدة من هؤلاء. في يوليو (تموز) الماضي، فتحت الشابة “فايند ماي” حيث لاحظت أن صديقاً لها يمكث في مبنى سكني غير مألوف بالنسبة إليها في مدينة فورت لودرديل بولاية فلوريدا.

شأن كثيرين، نقرت بيير ذات الـ23 سنة بإصبعيها على الصورة لعل تفاصيل المبنى تتضح أمامها أكثر، ثم أرسلت إلى صديقها عنوانه هذا مرفقاً بسؤال لا يخلو من مزاح “أين أنت؟”. كان صديقها صريحاً معها. لقد بدأ بمواعدة امرأة ما، وكان يزورها في شقتها. لو أن “فايند ماي” لم يتبين هذه الحقيقة ما كانت بيير لتعلم بأمر هذه العلاقة إلا بعد مرور أشهر. ولاحقاً، أعطى صديقها المبنى السكني تسمية أخرى على التطبيق هي “ليس شأنك”.

يبدو وقع “فايند ماي” ملحوظاً بشكل خاص بين صفوف “الجيل زد”، الجيل الذي يلي “جيل الألفية” ويضم عموماً مواليد منتصف التسعينيات حتى منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، و”جيل الألفية”، أبناء الجيلين الذين نشأوا وفي متناولهم ترف معرفة مكان أقرانهم في الأوقات كافة. لقد غير التطبيق أوجه تواصل الأصدقاء بين بعضهم بعضاً، وطمس حدود الخصوصية. اجتماعياً، يتفحص الأصدقاء الآن، أحياناً عن غير قصد إنما عن هوس شديد، مواقع بعضهم بعضاً الجغرافية، متناسين تماماً أن في مقدورهم سؤال الشخص عينه عن مكان وجوده، وماذا يفعل أو كيف تسير أيامه، ولكن لمَ يطرحون هذه الأسئلة في وقت توجد الإجابات كافة على “فايند ماي”! تشرح “نيويورك تايمز” أنه على الرغم من عدم تسويق “فايند ماي” بوصفه تجربة اجتماعية، أصبحت مشاركة المواقع أشبه بمقياس في هذا المضمار، تماماً كما أن تضمين هذا الشخص أو ذاك في قائمة الأصدقاء المقربين على “إنستغرام” أو في قصة خاصة على “سنابشات” يشي بوجود صداقة وثيقة.

ولكن ليست مشاركة الموقع الجغرافي جديدة. في 2011، أصدرت شركة “أبل” تطبيق “فايند ماي فريندز” Find My Friends. في 2013، ذكر سبعة في المئة من البالغين في الولايات المتحدة أنهم سجلوا الوصول إلى مواقع على وسائل التواصل الاجتماعي أو شاركوا أماكن وجودهم مع الأصدقاء، وفق “مركز بيو للبحوث” في الولايات المتحدة. وفي العام الحالي قال 69 في المئة من “الجيل زد” و77 في المئة من “جيل الألفية” إنهم نشطوا ميزات مشاركة الموقع لعدد من المرات أقله، مقارنة بـ62 في المئة من البالغين في الولايات المتحدة بشكل عام، وفق “استطلاع هاريس”. ولكن ما يبعث على الذهول ويبدو أكبر كثيراً من القدرة على قياسه كمياً، إلى أي مدى يشارك الأشخاص اليافعون معلومات حول أماكن وجودهم. يقول البعض إنهم يتتبعون عشرات الأصدقاء أو أكثر على التطبيق، وأن هؤلاء الأصدقاء يتتبعونهم بدورهم.

أضف إلى ذلك أن هذه الميزات ليست محصورة في “فايند ماي”، ذلك أن تطبيقات المواعدة وتوصيل الطعام وحجز السيارات تتطلب أيضاً الوصول إلى بيانات الموقع الجغرافي. “فيسبوك مسنجر” وميزة مشاركة الموقع “سناب شات” من “سناب ماب” وتطبيقات أخرى من قبيل “لايف 360” المخصص للعائلة، وكلها موجودة على الهواتف المحمولة التي تعمل بنظامي التشغيل “أيفون” أو “أندرويد”، تقدم ميزات مشاركة الموقع الفعلي في حينه. والحال أن مشاركة الموقع باتت مدمجة الآن في بعض الهواتف الذكية. بدءاً من 2015 صرت عندما تبتاع هاتفاً من “أيفون” تجد أن تطبيق “فايند ماي فريندز” أحد التطبيقات المتاحة بشكل مسبق في الجهاز. وفي 2019، أصبحت خدمات “فايند ماي فريندز” و”فايند ماي أيفون” و”فايند ماي ماك” مدمجة كلها في تطبيق “فايند ماي” القائم بذاته. كذلك تنطوي خدمة “خرائط غوغل”، المثبتة مسبقاً في هواتف “أندرويد”، على الخاصية عينها لمشاركة الموقع الجغرافي. وعلى غرار الحال مع خدمة “تشيك إن” الموجودة على “فيسبوك”، بمعنى تسجيل وصولك إلى مكان ما ومشاركته مع أصدقائك، أو توثيق موقعك الجغرافي على “إنستغرام” أو “تويتر”، ينضم المستخدمون إلى مشاركة الموقع على “فايند ماي”، ولكن على عكس تلك الميزات، تشارك خاصية “فايند ماي” الموقع في الوقت الفعلي، مع وجود خيارات للمشاركة لمدة ساعة واحدة، أو حتى نهاية اليوم، أو من دون ذكر زمن معين.

تحدثت “نيويورك تايمز” إلى مايكل ساكر، كبير المحاضرين في علم الاجتماع الرقمي في جامعة “سيتي” في لندن، فقال إنك مع “فايند ماي”، “لا تقرر ما إذا كنت تريد مشاركة موقعك من عدمه عند وصولك إلى مكان معين لأنك تشارك موقعك باستمرار”. وأضاف أنه نتيجة لذلك، “ثمة علاقة حميمية تتشابك مع هذا الفعل، إذ نتحقق من كوننا أصدقاء فعلاً”. أما إيفا غالبرين، مديرة الأمن السيبراني في “مؤسسة التخوم الإلكترونية”، علماً بأنها مجموعة تدعم القضايا القانونية المتعلقة بالحقوق الرقمية، فرأت أن مشاركة مواقع وجودنا جغرافياً ربما تترافق مع مخاوف تتعلق بالخصوصية، لا سيما إذا لم يكن المستخدمون على دراية بهوية من يشاركون مواقعهم معهم أو لا يوافقون على ذلك، وإلى متى. في رأيها، حتى إذا وافق المستخدمون في البداية، فإن التوقعات المرجوة بين الأصدقاء تجعل الانسحاب من مشاركة الموقع أكثر صعوبة. “يعكف الناس على هذا النوع من تبادل البيانات غير المحدد المدة، لأنه من الطبيعي بين أفراد عائلاتهم المباشرة أو مجموعات أصدقائهم مشاركة هذا النوع من المعلومات، في حين أن أحداً لم يجعل من هذا الفعل أمراً غير طبيعي”، أضافت غالبرين. عند الطلب إليها إبداء تعليق في هذا الشأن، أشارت متحدثة باسم “أبل” إلى صفحة خاصة بـ”فايند ماي” تشتمل على إرشادات حول كيفية البدء بمشاركة المواقع والتوقف عنها.

بالنسبة إلى جايد كالفين ناو البالغة من العمر 24 سنة، تستعين بـ”فايند ماي” من أجل البقاء على اتصال بالأصدقاء. في الكلية، استخدمت التطبيق للاطمئنان على سلامتهم والتواصل معهم. تفقدت هي وأصدقاؤها هذه الخدمة كي يتأكدوا من وصول الجميع إلى المنزل بأمان بعد تمضية ليلة في الخارج، أو كي يلتقوا جميعاً في مكان ما. قالت ناو إن “الجميع كان يعرف مكان وجود الآخرين في المجموعة في مختلف الأوقات. لم يضطر أي شخص إلى أن يطرح السؤال: أين أنت؟ جل ما عليك فعله التحقق من التطبيق”.

بعد تخرجها في الجامعة، فتحت خريطة كالفين- ناو على “فايند ماي” مجموعة من رموز جهات الاتصالات المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد. تتشارك الشابة موقعها حالياً مع 18 مستخدماً. في شقتها الكائنة في بينغامتون بنيويورك تتحقق عادة من التطبيق خمس مرات يومياً، كما قالت، وتلعب “لعبة ممتعة صغيرة” إذ تروح تضع تخمينات في شأن أماكن وجود الجميع، وترى ما إذا كانت أصابت أو أخطأت. “التطبيق شأن وسائل التواصل الاجتماعي يسجل دخولك ويتحقق منه. ألجأ إلى تحديثه كما الحال بالنسبة إلى تويتر”، قالت كالفين- ناو.

ليس بعيداً من ذلك، تستخدم أوليف أوكورو، البالغة من العمر 19 سنة “فايند ماي” لتعزيز صداقاتها. تشارك موقعها مع عشرات الأصدقاء الذين توليهم ثقة كبيرة. “أي مسج” خدمة الرسائل النصية من “أبل”، تخطر المستخدمين عندما يبدأ شخص ما مشاركة المواقع معهم ويتوقف عنها، والعكس صحيح. قالت أوكورو إن الإشعار في شأن البدء بمشاركة الموقع بمثابة “امتياز”. أما الإخطار في شأن التوقف عنها “فيبدو وكأنه طعنة”، “إنه في الواقع مثل: أنت تكرهني جداً”. هذا الصيف، عندما اختلفت أوكورو مع اثنين من أصدقائها كان أول ما قامت به ليس حظر أرقام هواتفهما أو إلغاء متابعتهما على وسائل التواصل الاجتماعي، بل التوقف عن مشاركة موقعها معهما. لم تكن تريدهما أن يعرفا ما إذا كانت في منزلها في دالاس أو في المدرسة في كوليدج ستيشن، تكساس – أو أين هي على الإطلاق.

“عندما تنتهي الصداقة، أسارع إلى إلغاء مشاركة موقعي”، قالت أوكورو. في الحقيقة “الخوف من أن تفوتها المشاركة في نشاط ما، الذي تعززه عادة وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن أن يمتد إلى (فايند ماي)، لأن مشاركة الموقع تكشف كيف ومع من يمضي الناس وقتهم”، أوضحت أماندا لينهارت التي تدرس أوجه تأثير التكنولوجيا في العائلات في مؤسسة “البيانات والمجتمع” غير الربحية المعنية بالبحث التكنولوجي، مضيفة أن هذا الوعي المتزايد “يكون مقلقاً وصعباً من الناحية العاطفية”.

وذكرت لينهارت أنه “إذا كان في مقدورك معرفة مكان أصدقائك وماذا يفعلون، تعرف متى يجتمعون وأنت لست برفقتهم. يوفر التطبيق النافذة عينها التي تفتحها وسائل التواصل الاجتماعي على أنشطة من نحبهم، والتي ربما تكشف أنهم يقومون بنشاطات في غيابك”. عندما غادرت أديرا غريشام (21 سنة) وأصدقاؤها شيكاغو للالتحاق بالجامعة، تشاركوا مواقعهم مع بعضهم بعضاً. تتشارك الآنسة غريشام موقعها مع نحو 20 شخصاً. تتحقق من تطبيقها مرتين يومياً في أقل تقدير، ولا تخجل من سؤال أصدقائها عما يفعلونه في مكان ما- ولماذا قصدوا هذا المكان أو ذاك من دونها.

ولكن “ردهم أشبه عادة بـ(من فضلك توقف)، إنه تصرف غير طبيعي بعض الشيء”، قالت غريشام. “الآن، يعلمون أنني لست أتصرف بشكل مريب. إنه حقاً شيء يتعلق بالسلامة”. وأضافت أنهم أحياناً “يقولون بشيء من المزاح إنني مترصدة”.

لكن غريشام وضعت بعض الحدود. ذات مرة، بينما كان أصدقاؤها يتجادلون حاولت إحدى صديقاتها إقناعها بمشاركة موقع صديقة أخرى كي يتمكنوا من العراك، ولكنها امتنعت. “إنه تصرف مخبول شعرت أن إطلاعي الآخرين على موقعها الذي تتشاركه معي سيشكل انتهاكاً لخصوصيتها”، كما جاء في كلماتها.

لدى كارين إروين (22 سنة) المتحدرة من مدينة أل باسو الأميركية علاقة وطيدة بـ”فايند ماي”. في 2019، رأت صديقاً سابقاً في منزل شخص ما كانت مهتمة به. قادت سيارتها إلى هناك وكتبت ملاحظة تقول، “خمن من رآك”، ثم ذيلت الرسالة القصيرة باسمها وتركتها عند باب منزله. بعد فترة وجيزة، حصل خلاف بين إروين، وصديقها السابق، وأصدقائهما المشتركين. وقالت، “لم أكن لأعرف بالأمر لو أنني لا أستخدم التطبيق. الآن، أجد أنه نعمة، لكن في ذلك الوقت، كان ظني به مختلفاً بالتأكيد”.

بعيداً من تلك الحادثة، قالت إروين، إنها لاحظت مخاوف سلوكية أخرى تسبب بها “فايند ماي” مع تخفيف قيود جائحة “كورونا”. عندما بدأ الأصدقاء الخمسة الذين تشارك موقعها معهم في الظهور في أماكن أخرى غير منازلهم، أخذ القلق يعتريها- ليس فقط لأنها ليست برفقتهم إنما أيضاً في شأن سلامتهم. لذا، نصحتها معالجتها النفسية أخيراً بأن تحذف “فايند ماي”.

في اعتقاد المعالجة النفسية، تعاني إروين “شيئاً من الهوس”، على ما قالت الشابة مضيفة أنها شعرت بالأمان عندما عرفت مكان صديقاتها، وأن أصدقاءها يعرفون مكانها، “لا أعتقد أنني سأتمكن من حذف التطبيق”.

المصدر: إندبندنت

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى