اتصالاتالرئيسية

كيف يمكن حماية الناس من سرقة معلوماتهم الجينية؟

هاشتاق عربي

شارك هذا الموضوع:

قبل أيام معدودة من بدء حرب أوكرانيا رفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إجراء اختبار فيروس كورونا، وجلس على مسافة بعيدة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حينها تكهن كثيرون أن السبب وراء رفض ماكرون هو المخاوف الأمنية من أن يلتقط الروس الحمض النووي الخاص به ويستخدمونه لأغراض معينة، وبالمثل رفض المستشار الألماني أولاف شولتز إجراء الاختبار في روسيا، لكن الحقيقة أن البشر يتركون خلفهم في كل مكان الحمض النووي الخاص بهم من خيوط الشعر والأظافر والجلد الميت واللعاب وغيرها، بينما يمكن أن يكشف التحليل الجيني ليس فقط المعلومات الصحية الحالية والمستقبلية، بل هوية الأشخاص وأسلافهم وصفاتهم الجسدية ومستوى ذكائهم والسمات المحتملة لأطفالهم، ومع استمرار تطور هذه التقنيات الجينية، تزايدت المخاوف من استخدام المواد الجينية التي يتم سرقتها خلسة، لأغراض إجرامية، أو من أجل التكاثر والتوالد الجيني في المختبر، فهل تتوافر القوانين اللازمة لحماية الناس من هذه السرقات؟

“أجراس مادونا”

في كثير من الأحيان، تتصدر قصص سرقة المعلومات الجينية أو الاحتياطات الشديدة المتخذة لتجنب ذلك عناوين الأخبار عندما تتعلق بكبار السياسيين، مثلما حدث مع كل من ماكرون وشولتز، وعلى الرغم من أن هذه المخاوف قد تبدو جديدة نسبياً فإن نجمة البوب الشهيرة مادونا كانت تدق أجراس الإنذار حول إمكانية جمع واختبار الحمض النووي بشكل سري على مدى أكثر من عقد، حيث استأجرت فرق تنظيف خاصة لتعقيم غرفتها الخاصة بتبديل الملابس بعد حفلاتها الموسيقية، وكانت تطلب مقاعد مرحاض جديدة خاصة بها في كل محطة من جولاتها.

في البداية تعرضت مادونا للسخرية وردد الإعلام أنها أصيبت بالهوس وجنون الشك من سرقة الحمض النووي الخاص بها، ولكن مع تقدم تقنيات علم الجينات الوراثية بشكل أسرع وبتكلفة أرخص إلى عالم المستهلك فإن هذه المخاوف لا تبدو معقولة فحسب بل لها ما يبررها، بخاصة أن المشاهير والسياسيين والشخصيات العامة الأخرى تُعد أهدافاً واضحة للاختبارات الجينية الخفية، مع احتمال تأثر مواقفهم العامة وشهرتهم نتيجة الكشف الجيني.

معلوماتك الوراثية في كل مكان

ويعود ذلك إلى أن الناس يتركون معلوماتهم الوراثية خلفهم على الأنسجة المهملة من جلود وأظافر وخيوط شعر، وعلى حافة أكواب القهوة أو المياه المستعملة، والسجائر المدخنة في كل مكان يذهبون إليه، من دون مشكلة غالباً، لكن المشكلات تنشأ عندما يكون هناك شخص أو أشخاص فضوليون لديهم نيات سيئة أو مجموعات جريمة منظمة مهتمة باستعادة مخلفات الحياة اليومية التي تتضمن معلومات جينية بشكل سري، وتتمتع بالقدرة على جمع هذه الأدلة سواء كان الضحايا من المشاهير أو الأشخاص العاديين الذين لديهم أسرار يريدون الاحتفاظ بها.

في هذه الحالة إذا أراد أي من هؤلاء جمع وتحليل الحمض النووي لشخص آخر من دون موافقته فسوف يتمكنون من ذلك، بعدما أصبح ارتكاب سرقة الحمض النووي أمراً سهلاً يتم عبر إرسال نسيج جلدي أو شعر أو لعاب إلى شركة من الشركات المنتشرة على شبكة الإنترنت والتي تختبر الحمض النووي بشكل سري وبأسعار تصل إلى نحو 200 أو 300 دولار، ثم انتظار وصول نتائج التحليل الجيني عبر البريد الإلكتروني.

لا جريمة من دون قانون

وما قد يشجع أصحاب النيات السيئة أو مجموعات الجريمة المنظمة على هذا الفعل أن معظم دول العالم وغالبية الولايات الأميركية لا تعتبر سرقة الحمض النووي جريمة من الناحية القانونية، وفي أحيان كثيرة فإن جمع وتحليل الحمض النووي لشخص آخر ما زال في معظم الأحيان عملية غير مقيدة بموجب القانون، الأمر الذي يساعد المجرمين على الإفلات من العقاب استناداً إلى أنه لا جريمة من دون قانون.

ويكمن الخطر هنا في أن التحليل الجيني لا يكشف فقط عن المعلومات الشخصية مثل الظروف الصحية الحالية أو أخطار الإصابة بأمراض وراثية معينة كالقلب والسرطان، ولكن يكشف أيضاً عن الجوانب الأساسية لهوية الأشخاص، مثل أسلافهم والسمات المحتملة لأطفالهم في المستقبل، ولهذا يحذر خبراء المعلومات الجينية من أنه ليس ثمة شيء أكثر خصوصية من الشفرة الوراثية، وبخاصة مع استمرار تطور التقنيات الجينية، وتزايد المخاوف بشأن استخدام المواد الجينية التي يتم جمعها خلسة لأغراض التكاثر من خلال التوالد الجيني في المختبر.

وعلى الرغم من رواج التحليل الجيني إما للتعرف على الأصول، أو للاهتداء إلى أقارب، أو معرفة الأصول العائلية، أو لتشخيص مرض، أو لتحديد حمية غذائية، أو نشاط بدني ملائم، بخاصة بعد انخفاض تكاليف قراءة تسلسل الحمض النووي، وهوس البعض بمقارنة الجينوم الخاص بهم بجينوم شخصيات مشهورة مثل نابليون بونابرت أو توت عنخ آمون على سبيل المثال، فإن جمع المعلومات الجينية من دون موافقة الشخص أو العائلة، يشكل أخطاراً متعددة.

أخطار الاختبارات السرية

يمكن أن تشكل الاختبارات الجينية السرية مشكلة للأشخاص العاديين، فعلى سبيل المثال هناك خدمات تُقدم عبر الإنترنت تعرض عزل الحمض النووي عن الأشياء الشخصية (مثل ملاءات السرير والملابس) من أجل الكشف عن الخيانة الزوجية، وتعرض خدمات أخرى مثل تحليل أبوة الطفل من مسحات الطفل البيولوجية، وقد تتضمن الأمثلة الأخرى للاختبارات الجينية السرية إرسال مادة جينية تخص زميلاً في العمل أو أحد المعارف إلى شركة اختبار جيني لجمع معلومات عن هذا الشخص بحيث يمكن استخدامها ضده بطرق متعددة، كما يمكن لأصحاب العمل المحتملين تقديم كوب من الماء لمن أجريت معهم مقابلات التوظيف، وإرسال الحمض النووي الخاص بهم لتحليله، واستخدام معلوماتهم الشخصية حول أخطار الأمراض المتوقعة لاتخاذ قرارات التوظيف.

وفي المعارك السياسية المختلفة يمكن للمرشحين السياسيين سرقة الحمض النووي ثم ابتزاز المعارضين كي يتخلوا عن السباق الانتخابي أو للضغط على الخصوم السياسيين لتنفيذ مطالب محددة، وقد يسرق المتقدمون للزواج الحمض النووي لشركائهم المحتملين لتحديد ما إذا كان الزوج أو الزوجة لديه ملف جيني يعتبره هو أو هي غير مواتٍ أو يشكل خطراً مزعوماً على أطفال المستقبل.

مشكلة أخلاقية وقانونية

وبغض النظر عن الاستخدام المقصود أو الفعلي لاختبار التحليل الجيني السري الذي يتم من دون علم صاحبه، فإنه يمثل مشكلة أخلاقية وقانونية في الحالات المذكورة سابقاً حين ينشأ احتمال الضرر ويخلق عواقب ضارة محتملة للاختبار، لأن الحصول على العينات والحصول على المعلومات الناتجة عن اختبار العينة يهددان الخصوصية، فقد أظهر مقال نُشر في مجلة “ساينس” قبل سنوات قليلة أنه حتى في حالة عدم وجود مُعرفات أخرى مثل اسم الشخص فمن الممكن أن يؤدي تسلسل الجينوم الكامل للفرد وحده إلى تحديد الهوية، عن طريق مطابقة مجموعة بياناته مع البيانات المتاحة للجمهور الموجودة على قواعد البيانات الجينية، ومع تقدم العلم من المرجح أن تستمر كمية ونوع المعلومات الشخصية التي يمكن الحصول عليها من عينة واحدة تم اختبارها في التوسع، وبالتالي تتزايد فرص انتهاكات الخصوصية.

ومع ذلك، فإن هناك القليل من القوانين التي تحمي مصالح الأفراد في ما يتعلق بالمواد والمعلومات الجينية، حسبما تقول ليزا فيرتنسكي، أستاذة القانون بجامعة ميريلاند، ويانيف هيلد، أستاذ القانون في جامعة ولاية جورجيا، وهما يعتقدان أن الاهتمام العام المتزايد بتكنولوجيا علم الوراثة قد زاد من احتمالية انتشار لصوص الجينات وكذلك مجموعات جمع الحمض النووي في كل مكان تقريباً خلال وقت قريب.

أطر قانونية ضعيفة

وفي حين أن المحاكم الأميركية تمكنت من تجنب التعامل مع التعقيدات القانونية الخاصة بجمع الحمض النووي بطريقة خفية، فإنها لن تكون قادرة على ذلك لفترة أطول، حيث ستضطر إلى التعامل بشكل مباشر مع السرقات الجينية للشخصيات العامة أو غيرها عبر الأطر القانونية الحالية المتعلقة بعلم الوراثة والتي تتباين من ولاية لأخرى لكنها تبدو ضعيفة في الغالب، وسيواجه القضاة أسئلة أساسية حول كيفية ارتباط الجينات بالشخصية والهوية والملكية والصحة والمرض والملكية الفكرية والحقوق الإنجابية.

وما يزيد من التعقيد في الولايات المتحدة أن قانون الخصوصية الأميركي الحديث هو عبارة عن شبكة معقدة من اللوائح الحكومية والفيدرالية التي تحكم كيفية الحصول على المعلومات والوصول إليها وتخزينها واستخدامها، كما أن الحق في الخصوصية مقيد بموجب تدابير حماية التعديل الأول من الدستور الخاص بحرية التعبير والصحافة، فضلاً عن حظر التعديل الرابع من الدستور لعمليات التفتيش والمصادرة، ولهذا تواجه الشخصيات العامة قيوداً إضافية على حقوق الخصوصية الخاصة بهم لأنهم أهداف للمصلحة العامة المشروعة، على الرغم من أنهم يتمتعون بحقوق الدعاية التي تتحكم في القيمة التجارية لسماتهم الشخصية الفريدة.

تعقيدات متباينة

بموجب القوانين الحالية والوضع الحالي للتكنولوجيا الجينية لا يحتاج معظم الناس إلى القلق بشأن عمليات الجمع السري للمواد الجينية، كون أن لصوص الشفرات الجينية يستهدفون بالأساس الشخصيات العامة.

ونظراً إلى أن خبراء القانون يستبعدون أن تعترف المحكمة العليا الأميركية بحقوق جديدة، أو حتى تؤكد الحقوق المعترف بها سابقاً، والتي لم يتم ذكرها صراحة في الدستور فمن غير المحتمل على المستوى الفيدرالي أن تتكيف الحماية القانونية للأفراد الذين يتعرضون للسرقات الجينية مع التغير الزمني والتكنولوجي، وهذا يعني أن القضايا المتعلقة بعلم الوراثة والجينات سوف تقع ضمن اختصاص الهيئات التشريعية والمحاكم في كل ولاية أميركية.

لكن أي من الولايات لم تواجه بشكل كافٍ التعقيدات المتعلقة بالادعاءات القانونية الجينية، ففي الولايات التي يوجد لديها قوانين مصممة لحماية الخصوصية الجينية لا تغطي اللوائح سوى نطاق ضيق من الجوانب الوراثية الجينية، وبعض القوانين، على سبيل المثال، قد تحظر الكشف عن المعلومات الجينية لكن لا تحظر جمعها.

حالة مثيرة للدهشة

وتقدم إحدى الحالات في ولاية نيويورك مثالاً لافتاً، ففي حين أن الولاية تحظر الاختبارات الجينية غير المصرح بها حدثت حالة غريبة للاختبار السري، حيث التقط فنان أعقاب السجائر المهملة والعلكة من شوارع نيويورك وأرسلها للتحليل، واستخدم المعلومات الجينية المتعلقة ببنية الوجه، ولون الشعر والعينين، وميزات أخرى لإنشاء صور للأشخاص الذين تخلصوا من هذه السجائر والعلكة وعرضها في معرض في مدينة نيويورك وهو ما اعتبره البعض انتهاكاً خطيراً للخصوصية، إلا أن هذا النشاط لم يكن ممنوعاً في الولاية بسبب التعريف الضيق للقانون والذي بموجبه لم ينخرط الفنان من الناحية الفنية في الاختبارات الجينية التي تكشف عن معلومات صحية، ولم يحظر القانون الاختبارات التي تكشف عن السمات الجسدية التي استخدمها الفنان في الصور التي عرضها في المعرض.

ما يجب أن يشمله القانون

ولهذا ينصح أساتذة القانون بضرورة أن يوفر القانون تعريفاً واضحاً لنوع الاختبار أو التحليل الذي يتناوله، وألا يكون غامضاً أو ضيقاً لتحقيق مستوى مناسب من الحماية، إذ يجب أن تحظر على وجه التحديد التحليلات الجينية السرية التي تدعي أنها تتعلق بالأبوة، وميول المرض من دون أعراض، والأمراض الوراثية المصحوبة بأعراض، والنسب والتحليلات الأخرى التي من المحتمل أن تسفر عن معلومات يمكن أن يعلمها الآن أو في المستقبل، شخص ما من دون معرفة وموافقة الشخص الذي تم اختبار عينته.

ومن المهم أيضاً ألا تقصر الدول أو الولايات حماية الاختبارات السرية على السياقات التي من المحتمل أن يتعرض فيها الأشخاص للأذى بسبب الاستخدام غير المصرح به لعيناتهم أو لمعلوماتهم الجينية، بل يجب تقييد جميع الاستخدامات والتحليلات غير المصرح بها للعينات والإفصاح عن المعلومات من تلك العينات.

المصدر: إندبندنت

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى