تكنولوجيا

جيش غير مرئي يتعقّب المخالفين على الإنترنت

شارك هذا الموضوع:

يذهب المشرفون على المحتوى إلى الأماكن المظلمة من شبكة الإنترنت لجعل الاستثمار عبر الشبكة أكثر أماناً للمستخدمين والعلامات التجارية. من غرفة مُضاءة من الشمس في قرية صغيرة في ديفون، هناك امرأة تبلغ من العمر 65 عاماً تراقبك. من خلال القيام بدوريات على الإنترنت، تقوم بتوبيخ المتنمرين عبر الإنترنت، والمتصيدين، ومرسلي البريد الإلكتروني المزعج.

جينيفر باين هي مشرفة الإنترنت لشركة إيموديريشين، وهي شركة تقوم بإدارة وسائل الإعلام الاجتماعية لشركات في قطاعات تراوح من المصارف إلى ألعاب الأطفال عبر الإنترنت، من بينها بنك إتش إس بي سي ولعبة موشي مونسترز. توصف باين بأنها “جدّة المجتمع الإشرافي”، وكانت أول مشاركة لها في الصناعة في عام 1997، عندما كانت تقوم بإدارة غُرف الدردشة والمنتديات في الأيام المظلمة لشبكة الإنترنت عبر الاتصال عن طريق المودم.

اليوم وظيفتها ليست غير عادية. ما ينتشر في كافة أنحاء العالم هو جيش غير مرئي من رجال ونساء يقومون بمراقبة التعليقات عبر الإنترنت. بعضهم، مثل باين، يعمل من المنزل، وغالباً بدوام جزئي، من خلال تبادل العمل مع وظائف أخرى أو العناية بالعائلة. آخرون يعملون في تجسيد العصر الحديث لمراكز الاتصال، في الفلبين أو الهند. حيث يعملون لشركات متخصصة، تأخذ العمل نيابة عن الشركات الأكبر في وادي السليكون.

ويقوم هؤلاء العاملون بتعقيم الإنترنت للمستخدمين وحماية سمعة العلامات التجارية ومواقع وسائل الإعلام الاجتماعية.

هيمانشو نيجام كان كبير الإداريين للأمن في نيوز كورب وماي سبيس، حيث كان يُشرف على عمليات الإشراف، قبل تأسيس شركة سي سي بي بلو الاستشارية للأمن والخصوصية عبر الإنترنت. ويقدّر أن شركات “كون مود” – كما يُشير إلى الإشراف على المحتوى – تقوم بتوظيف ما يزيد على 100 ألف عامل وتتوسع في كافة أنحاء العالم. ويقول إنه نظراً لطبيعة الاختلاف البسيط والعواطف للعمل في بعض الأحيان، فإنه دائماً تقريباً ما يقتضي الأمر أن تكون لدى المشرفين شهادة جامعية.

ويُشير إلى أن المخاطر العاطفية للعمل هي “الاطلاع على صور تصوّر كل أنواع السلوك البشري الرهيب من استغلال الأطفال إلى قطع الرؤوس”. مع ذلك، فإن الجزء الأكبر من العمل هو إزالة المحتوى التشهيري أو التعامل مع المتصيّدين، وهم الأشخاص الذين يبدأون النقاشات، أو ينشرون التهديد أو الرسائل التحريضية عبر الإنترنت. في الوقت الذي تناقَش فيه قوانين جديدة في المملكة المتحدة بإمكانها أن تؤدي إلى حبس المتصيّدين عبر الإنترنت لمدة تصل إلى عامين بسبب السلوك التهديدي، يبقى المشرفون على المحتوى في الجبهة الأمامية، يراقبون سلوك المُتصيّدين ويقومون بالإبلاغ عنهم لأصحاب منتديات الدردشة وشبكات التواصل الاجتماعي.

مثل الجمال، التصيّد هو في عين الناظر. سوزان كيندلر، الأسترالية البالغة من العمر 40 عاماً التي تعيش في لندن وتعمل في إيموديريشين، تحرص على ألا يقوم الأشخاص بإساءة استخدام الشروط. “إذا قمت بالتعليق على أحد الأخبار بقوة ولا يتفق معك شخص ما، ويدعوك بالمُتصيّد ويقوم بالإبلاغ عن تعليقاتك، هذا لا يجعلك مُتصيّدا”. إحدى النساء في لندن التي تستخدمها شركة الإشراف على المحتوى، تيمبيرو، التي تفضل أن تبقى مجهولة الهوية، تُفكّر مليًّا في دوافع التصيّد. تقول: “إن الأشخاص يقومون بالتصيّد لأنواع الأسباب كافة”. فهناك “المُتصيّد الأصلي”، حيث يقوم أحد الأشخاص بنشر شيء ما بهدف وحيد هو إثارة غضب المستخدمين الآخرين. “فهم يشعرون بالضجر فقط وغالباً لا يدركون نوع الاضطراب الذي بإمكانهم خلقه. أفضل دفاع هو تجاهلهم ببساطة”.

تقول إن هناك آخرين يحملون وجهات نظر يجدها أغلبية الأشخاص بغيضة. “إنهم يشعرون بالغضب والتهميش. [يشعرون بالغضب] لأن الآخرين ليسوا عنصريين أو يخافون من الشذوذ الجنسي مثلهم، لذلك يذهبون إلى الإنترنت للتحدّث بصخب في أمان نسبي”. وتعتقد أن هؤلاء يخشون أن أسلوب حياتهم بدأ يختفي. “من المحزن أن الطريقة الوحيدة التي بإمكانهم التعامل بها مع هذا الأمر هي الصراخ على أشخاص آخرين عبر الإنترنت”.

النوع الثالث الذي قامت بتحديده هو أولئك الذين يبذلون كل ما في وسعهم لجعل حياة الآخرين تعيسة. “قد يكون من السهل رفضهم باعتبارهم حُثالة – وبعضهم كذلك بلا شك – لكن بعضهم أيضاً لديه مشكلاته الخاصة به”.

تقول كيندلر إنه في العديد من الحالات يرغب المُتصيّدون أن يتم الاعتراف بهم. “تلك الأنواع من المُتصيّدين بإمكانهم الاستمرار للأبد، بغض النظر عما يقوله الآخرون في محادثة، ولا يهم إذا كانت الحقائق ضدهم، فهم يستمتعون تماماً بالتصيّد”.

ساري كيسكينين تعمل من منزلها في توباجو عندما يكون ابنها البالغ من العمر أربعة أعوام في المدرسة وأثناء الليل عندما ينام. وهي تلاحظ أن العديد من المعلّقين يحاولون التسبّب في حظر أكبر عدد ممكن من المستخدمين الزملاء. “إنهم يحتفلون بالحقيقة مع تعليقات مثل “يا سلام!!! لقد تسبّبت للتو بحظر فلان وفلان وفلان (…) هيا اتبعوني لنذهب ونتصيّد بعض الأشخاص للتسبّب بحظرهم”.

وتفكّر كيسكينين، أن الوظيفة جيدة للبقاء على علِم بالاتجاهات والتعبيرات التي يستخدمها الأطفال والمراهقون. “أحب التفكير بأني واحدة من بين الأشخاص الأكثر اطلاعاً في فئتي العمرية على التعبيرات الإنجليزية الجديدة، والشتائم، والسلوكيات المبتكرة في أمريكا الشمالية وأوروبا وأستراليا”.

إن العثور على صور مروّعة هو من مخاطر المهنة. ويندي كريستي، كبيرة الإداريين للإنتاج في إيموديريشين، تقول إن جزءاً من وظيفتها هو تحديد المشرفين الذين يعانون اضطرابا. العلامات المُنذرة هي أن يصبحوا غاضبين، أو غير قادرين على التواصل أو مرضى جسدياً. “لقد تعاملت مع الكثير من الدموع والغضب. إنهم يشعرون بالغضب حول السبب في وجود مثل هؤلاء الأشخاص في العالم. صور الأطفال هي التي تُلحق الضرر الأكبر بالأشخاص”.

يقول نيجام إن كثيراً من الشركات الآن تقوم بتقديم الدعم النفسي بسبب طبيعة المواد التي يراها المشرفون.

وتقول كيسكينين إن بإمكانها الحفاظ على مسافة مهنية. “إن رؤية أو المحتوى غير السار أو المؤلم أو قراءته هي جزء من الوظيفة، كما هو حضور الحالات الطارئة في الحياة الواقعية بالنسبة للشرطة والأطباء ورجال الإطفاء. في العادة أنا لا أفكر في العمل بعد انتهاء مناوبتي”.

وهم أنفسهم يواجهون الإساءة أيضاً. في تيمبيرو، تقول المشرفة مجهولة الهوية إنه تم اتهامها بكل شيء “عرقيا، ودينيا، وسياسيا وحتى، بشكل لا يُنسى، بأنها فرنسية”. وتذكر أنه قد يكون من الصعب التعامل مع طوفان الكراهية. “هناك بعض الأشخاص الذين يشعرون بغضب كبير في العالم”. وتقول إن الموضوعات التي تُثير غضب الناس مذهلة. هناك الموضوعات التي يمكن التنبؤ بها: الهجرة، والسياسة، وحقوق الحيوانات. لكنها شهدت مشاحنات ضخمة تندلع حول قيادة السيارات – “كل شخص يعتقد أنه سائق عظيم” – والقليل من قصص المشاهير. “كل ما تحتاج إليه هو اثنان أو ثلاثة أشخاص مع آراء قوية وستحصل على مصدر الجدال”. لكن هناك مصدر قلق بالنسبة لها؛ مرسلو البريد الإلكتروني المزعج، ولا سيما أولئك الذين يستهدفون مواقع تقوم بتوفير الدعم لأشخاص ضعفاء. “ما هي العقلية المريضة التي تحتاج إليها لتقوم بإرسال إعلانات عن المطابخ إلى أحد المنتديات التي تقدّم الدعم للأشخاص الذين فقدوا أحد أفراد عائلاتهم أخيرا؟”.

كذلك يقوم المشرفون بمسح المجتمعات عبر الإنترنت للبحث عن حالات انتحار محتملة. كريستي تنصح المشرفين العاملين معها بأنهم ليسوا مستشارين؛ أفضل ما يمكن فعله هو الإبلاغ عن الأشخاص للشركات العملاء التي قد تكون قادرة على تتبعهم من خلال المعلومات الشخصية وعناوين بروتوكول الإنترنت IP.

الأوقات الأكثر ازدحاماً هي أثناء العطل. تقول كيسكينين إن هناك زيادة في العمل في هذه الفترات حيث يكون لدى الأشخاص وقت عطلة ويقومون بزيارة المجتمعات عبر الإنترنت. مرة أخرى، تقوم بالعمل بالتوازي مع خدمات الطوارئ، علماً بأنهم عادة ما يكونون أكثر انشغالاً في مواسم الأعياد. “لذلك عدد المستخدمين الذين ينتهكون المبادئ التوجيهية يميل إلى الارتفاع أيضاً”.

ولا تريد كريستي أن تبالغ في الجانب المظلم للإنترنت. فمعظم العمل يتألف من حذف التعليقات التي تخرق قواعد السلوك في شركة معينة. وأكثر ردود الأفعال انتشاراً هو أن الناس يشعرون بأنهم “يتعرضون للحظر من قبل شخص له أجندة معينة.” في الواقع، تحذف تعليقاتهم لأنها تخالف قانون احتقار المحكمة أو القذف، أو تحتوي على بعض السباب المقذع أو هجوم شرس على معلق آخر.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى