اقتصادالرئيسية

المصابون بالتوحد .. قدرات فريدة ينبغي للشركات الاستفادة منها

شارك هذا الموضوع:

حتى تشرين الأول (أكتوبر) 2019، كان كارل نيلسن البالغ من العمر 28 عاما يكافح للبقاء في وظيفته عامل تحضير قهوة في مقهى.
التوحد الذي يعانيه، وهي حالة تدوم مدى الحياة تجعل التواصل الاجتماعي صعبا، كان يعني أنه رغم أنه علم نفسه “موسوعة من التعبيرات والاستجابات الصحيحة لمعظم المواقف الاجتماعية”، إلا أن الاضطرار للتعامل مع الزملاء والزبائن والبيئة الصاخبة “يستهلك طاقتي حقا، لأن إخفاء سمات التوحد لدي والاضطرار للتصرف بطرق غير طبيعية بالنسبة إلي يتطلب مجهودا مستمرا”. قال إن حضوره وإنتاجيته تضررا من ذلك.
يعمل نيلسن الآن في مكتب شركة إرنست آند يونج في نيوكاسيل بعد أن أصبح مديرا حريصا على تعيين موظفين مصابين بالتوحد على علم به كجزء من برنامج التوظيف الذي أطلقته شركة المحاسبة لزيادة ما تدعوه “بالتنوع العصبي” في قوتها العاملة.
تتمثل وظيفته في محو وإدخال كميات هائلة من البيانات المالية من عملاء شركة إرنست آند يونج قبل تحليلها من قبل مدققي حسابات الشركة. يقول إنه يحقق النجاح في الطبيعة المتكررة للعمل ولأنه يستخدم قدرته على اكتشاف التناقضات في البيانات.
يقول، في مقارنة ذلك بكيفية تمييز شخص سليم وجها مألوفا في حشد من الناس، “عندما يكون هناك خطا في ورقة ضخمة من البيانات، فإنه يظهر بوضوح بالنسبة لي. أصبحت الشخص الذي يرجع إليه الجميع في الفريق للتحقق من البيانات قبل إرسالها للمدققين، حيث إنه عندما تكون هناك أخطاء، يبدو كما لو أنه تم تسليط الضوء عليها فقط لكي أجدها”.
تعد شركة إرنست آند يونج واحدة من عدد متزايد من الشركات العالمية التي تشجع الأشخاص المصابين بالتوحد بنشاط على الانضمام إلى القوى العاملة لديها. شاع توظيف العاملين المصابين بالتوحد لأول مرة من خلال مجموعة ساب الألمانية لتكنولوجيا المعلومات والبرمجيات في 2013، وحذت شركة مايكروسوفت المنافسة حذوها بعد فترة وجيزة. من بين أصحاب العمل الرئيسين الآخرين الذين يديرون مثل هذه البرامج مصرف جيه بي مورجان وشركة فورد للسيارات في الولايات المتحدة ومجموعة أوتو تريدر ومجموعة الاتصالات بي تي في بريطانيا.
تعكس هذه البرامج جزئيا رغبة الشركات في زيادة التنوع العصبي ومعالجة انخفاض معدلات توظيف الأشخاص البالغين المصابين بالتوحد. يعمل 16 في المائة فقط من البالغين المصابين بالتوحد في المملكة المتحدة بدوام كامل، وفقا للجمعية الوطنية البريطانية للتوحد. في الولايات المتحدة، نحو نصف الأشخاص البالغين من العمر 25 عاما من المصابين بالتوحد لم يحصلوا على وظيفة مدفوعة الأجر من قبل. مع ذلك، تعتقد بعض الشركات التي تدير برامج توظيف الأشخاص المصابين بالتوحد أن مثل هؤلاء الأشخاص لديهم قدرات مميزة للتركيز على المهام المتكررة، وحل المشكلات، والعمل مع البيانات أو البرمجيات.
تقول تريسي ماجواير، مديرة نيلسن في شركة إرنست آند يونج التي وظفت شخصين آخرين مصابين بالتوحد حتى الآن، إن “مدى دقتهم وإنتاجيتهم لا يصدق. أنهم يركزون حقا ولديهم اهتمام كبير بالتفاصيل، ودقيقون للغاية، ويعملون بجد حقا”.
التوحد حالة طيفية تؤثر في الأشخاص بجميع مستويات القدرة الفكرية. عادة ما يتم تشخيص هذه الحالة بعد تقييم الشخص على أنه واجه صعوبات مستمرة من ناحية التواصل والتفاعل الاجتماعي، وأنماط السلوك، أو الأنشطة أو الاهتمامات المقيدة والمتكررة.
يمكن أن يجعل هذا معالم الحياة العملية مثل مقابلات العمل صعبة ومربكة. دفع هذا الشركات التي تدير برامج توظيف المصابين بالتوحد إلى تكييف عمليات التوظيف الخاصة بهم، وفي بعض الحالات مكاتبها، لتلبية احتياجات الموظفين المصابين بالتوحد.
تقول شركة مايكروسوفت إنها وظفت أكثر من 100 شخص مصاب بالتوحد منذ إطلاق برنامج التوظيف هذا في 2015. يتم منح المرشحين تقييمات مصممة خصيصا لتحليل أي صعوبات في التواصل أو تحديات قد تكون لديهم في معالجة المعلومات أربع مرات في العام.
تستغرق عملية التوظيف خمسة أيام، على عكس تقييم شركة مايكروسوفت المعتاد ليوم واحد، حسب قول نيل بارنيت، المشرف على البرنامج. يمكن إجراء المقابلات بشكل أبطأ، ويتخللها مزيد من الاستراحات أكثر من تلك المسموحة للمرشحين غير المصابين بالتوحد.
يقول بارنيت إن نحو نصف المرشحين المصابين بالتوحد الذين حصلوا على وظيفة بعد التقييم قد تقدموا بطلب إلى شركة مايكروسوفت من قبل “ولم يجتازوا الفرز الأولي عبر الهاتف”.
تقول جوديث ويليامز، رئيسة قسم التنوع والشمول، إنه في شركة ساب، التي وظفت 160 شخصا مصابا بالتوحد منذ 2013، يتم تدريب القائمين على مقابلات العمل الذين يستقبلون المرشحين عبر برنامجهم لتوظيف الأشخاص المصابين بالتوحد على طرح الأسئلة المباشرة والمغلقة. يتعين عليهم أيضا فهم أن المصاب بالتوحد ليس بالضرورة أن يتواصل بصريا مع الأشخاص.
تقول ويليامز، “إذا طرحت سؤالا مبهما مثل كيف حالك؟” فقد يجيب الشخص المصاب بالتوحد أشعر بالسوء”. هذه الإجابة ستثير الشكوك في مقابلات العمل العادية، وتوضح، “لذلك نطلب من القائمين على المقابلات بدلا من ذلك أن يطرحوا أسئلة بطريقة تساعد الشخص المصاب بالتوحد على إظهار مهاراته”.
كان هناك بعض الازدراء تجاه برامج توظيف الأشخاص المصابين بالتوحد لكونها تركز بشكل مفرط على توظيف المبرمجين وخبراء الذكاء الاصطناعي. يقول ريتشمال مايبانك من الجمعية الوطنية للتوحد، “ينبغي ألا يبحث أصحاب العمل عن الأشخاص المصابين بالتوحد لأنهم يعتقدون أن لديهم قدرات خارقة”. اكتشف المجتمع أن الأشخاص المصابين بالتوحد يمكن أن يكونوا محبين للإتقان والكمال ويمتلكون قدرات معينة لمراقبة الجودة، لكنه يحذر أن حالتهم تظهر بعدد لا يحصى من الطرق.
يقول ماينانك، “ينبغي لأصحاب العمل أن يوفقوا المهارات مع الوظيفة، وأن يكسروا الحواجز لمطابقة الأفراد المصابين بالتوحد مع الوظائف المناسبة لهم”.
في أيار (مايو) 2019، كتب شون بريان، ناشط أمريكي في التوحد، على موقع ميديوم أن معرض الوظائف الذي حضره للعاملين المصابين بالتوحد أظهر أن القائمين على التوظيف “يتدافعون لتوظيف رجال – نعم، رجال فقط – من ذوي الخبرة التكنولوجية والترميز”. كما أفاد بأنه تم تجاهل امرأة متوحدة أعربت عن اهتمامها بوظيفة خدمة العملاء.
تعترف ويليامز من شركة ساب بأن مؤسستها بدأت بتوظيف العاملين المصابين بالتوحد في 2013 اعتقادا منها أنه سيكون لديهم مهارات أعلى من المتوسط “للأرقام والأنماط”، وهي مهارات مهمة لوظائف البرمجة والتعلم الآلي.
مع ذلك، فإن موظفي شركة ساب المصابين بالتوحد والبالغ عددهم 160 شخصا يعملون حتى الآن في مجموعة من الوظائف، بداية من الموارد البشرية إلى دعم العملاء. تقول إن واحدة من طرق عمل الموظفين المصابين بالتوحد يمكن أن تتمثل في اكتشاف المشكلات التي غفل عنها الآخرون وتكريس أنفسهم لحلها بتركيز شديد.
تستشهد بحالة أخذ فيها رجل مصاب بالتوحد يبلغ من العمر 21 عاما في قسم الشؤون المالية في شركة ساب على عاتقه إصلاح موقف يمكن أن يشمل دفع فواتير كبيرة من الموردين ما يزيد على 20 قسما وبالتالي يستغرق الأمر أياما لمعالجته يدويا. تقول ويليامز، “جعل العملية آلية بحيث تستغرق الآن 20 دقيقة. أحيانا يركز الأشخاص المصابون بالتوحد حقا على مشكلة واحدة وأعتقد أنه وجد المشكلة واستغل وقت فراغه لحلها”، بالنظر إلى أنه لم يتم تكليفه بالمهمة من قبل مدير تنفيذي.
ستيف، موظفة مصابة بالتوحد تعمل في القسم المالي لشركة أوتو تريدر وطلبت عدم الإفصاح عن كنيتها، تكشف عن نجاح أخير مشابه.
منذ نحو عام، على حد قولها، قررت محاولة فهم ما إذا كان القسم يرد على رسائل البريد الإلكتروني للعملاء بسرعة كافية، وبعد البحث في البيانات، أدركت أن رسائل البريد الإلكتروني كانت تصل إلى ذروتها في بداية ونهاية كل شهر. تقول ستيف إنها عرضت البيانات على مديرها في جدول بيانات، وأعاد تنظيم مهام الموظفين وفقا لذلك.
تقول، “انخفض متوسط وقت الرد على رسائل البريد الإلكتروني من 72 ساعة إلى 24 ساعة. البحث عن هذه الأنماط هو الطريقة التي يعمل بها عقلي. يمكنني الجلوس بسعادة مع جدول بيانات طوال اليوم، واستعرض البيانات بطريقة قد يجدها بعض الأشخاص غير المصابين بالتوحد مملة للغاية”.
يقول نيلسن، معالج البيانات في شركة إرنست آند يونج، إنه لن ينجح جميع الموظفين المصابين بالتوحد في الوظائف نفسها لكنه يعتقد أن الحالة لديهم هي “قدرة بديلة. إنها طريقة مختلفة في النظر إلى الأشياء، أدمغتنا تعمل بطريقة مختلفة قليلا وليست بطريقة خاطئة أو صحيحة، لكنها تعني أن لدينا طرقا مختلفة للنظر إلى الأشياء واهتمامات مختلفة يمكن للشركات الاستفادة منها”.
يضيف قائلا، “عندما نستخدم مهاراتنا الخاصة، سواء أكان ذلك لتحليل البيانات أو معالجتها أو في شيء يستخدم تركيزنا، أو إنتاجيتنا أو استمتاعنا بالعمل المنظم والمكرر، فهذا مفيد جدا بالنسبة لنا ولأصحاب أعمالنا. لم يتم توظيفنا بدافع الشفقة”.
مكان العمل الملائم للتوحد
“أوتو تريدر”، سوق السيارات عبر الإنترنت ومقرها مانشستر ولندن، لا تقوم فقط بتكييف عمليات التوظيف الخاصة بها للموظفين المصابين بالتوحد، بل عمدت أيضا إلى تحسين مكاتبها لتسهيل العمل فيها.
من خلال العمل مع الجمعية الوطنية للتوحد، قامت المجموعة بتكييف المساحات المكتبية المفتوحة وسياسات نظام المكاتب المشتركة لجعل الحياة أسهل للموظفين المصابين بالتوحد الذين قد يكونون حساسين للضوضاء والمحفزات الحسية الأخرى والذين قد يكافحون للتفاعل مع الزملاء أو للتعامل مع التغييرات في روتينهم.
تجعل شركة أوتو تريدر المقابلات أسهل بالنسبة إلى المرشحين الذين يعرفون عن أنفسهم بأنهم مصابون بالتوحد، مثلا من خلال تدريب المديرين على السمات العامة للحالة مثل صعوبات التواصل البصري مع الآخرين أو قراءة الإشارات غير اللفظية، كما يقول كريستوس تسابرونيس، رئيس الأفراد والثقافة في المجموعة.
يضيف أنه نظرا إلى أن بعض المصابين بالتوحد يمكن أن يتشتتوا بسبب كثير من المحفزات البصرية أو السمعية، فتتم إزالة الملهيات البصرية مثل الملاحظات الملصقة من غرف المقابلة ويتم تعديل مستويات الإضاءة. تحاول شركة أوتو تريدر أيضا إزالة القلق المحتمل بشأن المقابلة عن طريق إعطاء المرشحين “معلومات مفصلة في وقت مبكر حول من سيقابلون، وشكل التقييم والموقع”.
في أيار (مايو) 2019، قامت المجموعة بتركيب مكاتب صغيرة في مناطق عملها المفتوحة، التي تسميها “الكبسولات” التي تسمح لأي شخص تزعجه الضوضاء أو الإضاءة بالعمل بشكل فردي في مكان هادئ.
تحتوي صالة تناول الطعام في الشركة على منطقة مغلقة حيث يتم تقليل روائح الطعام بشكل كبير وضوضاء الأشخاص الذين يتفاعلون مع بعضهم بعضا أثناء تناول وجبة الغداء، وحيث تستخدم الكراسي الفردية ذات الظهر المرتفع لزيادة إحساس الجالسين بالخصوصية. تسمح الأجهزة اللوحية الإلكترونية المثبتة على الجدران بجوار أبواب غرفة الاجتماعات للأشخاص بحجز الغرف دون أي تفاعل اجتماعي وتعرض الحجوزات لمنع حدوث أي موقف محرج أو غريب ناجم عما إذا كانت الغرفة متاحة أم غير متاحة.
يقول تسابرونيس إن التعديلات، التي تم الانتهاء منها في أيار (مايو) 2019، “كلفت نحو 20 ألف جنيه استرليني” في المجموع، وهي موضع تقدير من قبل كثير من موظفي شركة أوتو تريدر غير المصابين بالتوحد. يقول، “لقد أوجدت مكانا أفضل للعمل بالنسبة إلى الجميع”.

فايننشال تايمز – نعومي روفنيك

فايننشال تايمز

صحيفة بريطانية دولية تتحدث عن الأعمال، يتم نشرها في لندن منذ تأسيسها في عام 1888 من قبل جيمس شيريدان وأخوه. هناك اتفاق خاص بين فايننشال تايمز وصحيفة الاقتصادية السعودية يتم بموجبها ترجمة لأهم مقالاتها يوميا

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى