الرئيسيةتكنولوجيامقالات

الشمول الرقمي.. كيف يمكنه تحقيق التعافي؟

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي – ريكاردو بوليتي*

أضرت جائحة كورونا بالبلدان النامية أشد الأضرار، ولا تزال جهود التعافي تشدد على معالجة هذه الفجوة المتنامية.  ومع توقع عودة الاقتصادات المتقدمة إلى ما كانت عليه في عام 2023، فإن الاقتصادات النامية قد تتخلف عن الركب لسنوات. وأظهر استخدام التكنولوجيات الرقمية في أثناء الجائحة فجوة مماثلة مع ارتفاع عدد مستخدميها إلى 5 مليارات مستخدم في جميع أنحاء العالم، وفي الوقت نفسه لا يزال 3 ملايين مستخدم غير متصلين بشبكة الإنترنت، حيث يعيش 96% منهم في البلدان النامية. وعلينا أن نتصدى على وجه السرعة لهذه اللامساواة المتزايدة على مستوى العالم. وعندما تتاح للسكان إمكانية الوصول إلى الإنترنت بتكلفة معقولة ويتمتع السكان بالمهارات اللازمة لاستخدامها، فإن اعتماد التكنولوجيات الرقمي سيفتح آفاقا لا نهاية لها لتحقيق تعاف أكثر قدرة على الصمود.

وساعدت التكنولوجيات الرقمية على سد الفجوات التي كان من غير الممكن التغلب عليها بحلول التنمية التقليدية القديمة، والوصول إلى الفئات السكانية الضعيفة والأولى بالرعاية التي غالبا ما يتم استبعادها. وفي أثناء الجائحة، زاد عدد المستفيدين من الخدمات في البلدان التي تم فيها استخدام بطاقات الهوية وقواعد البيانات الرقمية للحصول على المدفوعات الحكومية بنسبة 39% مقارنة بالبلدان الأخرى.  وفي شيلي، ساعد الحساب الأساسي المرتبط برقم الهوية الوطنية مليوني مواطن من الفئات الضعيفة والأولى بالرعاية على تحويل مدفوعات المساعدات الاجتماعية مباشرة إلى حساباتهم المصرفية، في الوقت الذي تم فيه إغلاق العديد من المكاتب لوقف انتشار الفيروس.

كما أدت رقمنة الخدمات الأساسية إلى توسيع نطاق الفرص لشمول الفئات الأكثر ضعفا وحرمانا والأولى بالرعاية، وساعدت على الحفاظ على صحة المجتمعات المحلية في أثناء حالات الإغلاق. وفي كوت ديفوار، قدمت الحكومة عن طريق الهاتف المحمول خدمات الفحص الطبي عن بعد ومعلومات عن الانتشار الجغرافي للعدوى. كما أدى التعليم عن بعد إلى إبقاء الطلاب يتعلمون مع إغلاق المدارس، وقد أثر ذلك على أكثر من 1.6 مليار شخص في مختلف أنحاء العالم. فعلى سبيل المثال، قامت تركيا بتوسيع نطاق منصتها للتعلم الإلكتروني لتصل إلى 18 مليون طالب وأكثر من مليون معلم.

والشمول الرقمي يتيح فرصا لا نهاية لها، لكن الفجوات لا تزال كبيرة للغاية مع تخلف الفقراء والسكان الريفيين والنساء عن الركب. وحتى عندما تتوفر للسكان الضعفاء والأكثر حرمانا والأولى بالرعاية خدمات الإنترنت، فإن نقص الإلمام بالتكنولوجيا الرقمية وعدم القدرة على تحمل تكاليفها لا يزالان يشكلان تحديات لا يمكن التغلب عليها لاستخدام هذه التكنولوجيات. ولا يزال عدد مستخدمي خدمات الإنترنت في المدن ضعف عدد مستخدميها في المناطق الريفية. وفي جنوب آسيا، من الراجح أن استخدام النساء للإنترنت عبر الهاتف المحمول يقل بنسبة 51% مقارنة بالرجال. ولا يزال الفقراء يعانون من أجل الحصول على خدمات الإنترنت في كل مكان. وفي أفريقيا، نجد نسبة أشد الناس فقرا الذين يحصلون على خدمات الإنترنت أقل من 10%.

ويمكن للتكنولوجيات الرقمية أن تدفع عجلة النمو الشامل للجميع، ولكن يجب علينا تسريع وتيرة الاستثمار حتى يتسنى إطلاق الإمكانات الكاملة لهذه التكنولوجيات.  وعلى الحكومات تيسير تكلفة خدمات الإنترنت وتوفيرها للجميع على نحو موثوق. وستعمل السياسات التي تجتذب المستثمرين وتشجع المنافسة على خفض التكاليف، وتوسيع نطاق البنية التحتية اللازمة، وتيسير تكلفة الأجهزة المحمولة واستخدام البيانات. وعلى المشغلين المشاركة في استخدام البنية التحتية للحد من المعوقات أمام دخول السوق وتشجيع استخدام البنية التحتية للاتصالات التي تملكها الحكومة وغير مستغلة بصورة تامة. وفي أفريقيا نجد أن نحو 40% من شبكات الألياف الضوئية التي تمتد على أكثر من 400 ألف كيلومتر مملوكة للحكومات وغير مستغلة بصورة تامة. وفي منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، يشير 60% ممن ليس لديهم خدمات إنترنت إلى ارتفاع تكلفة البيانات بوصفها العقبة الرئيسية أمام استخدام الإنترنت.

وبالإضافة إلى ذلك، يجب أن يتمتع الناس بالمهارات التي يحتاجون إليها لاستخدام التكنولوجيات الرقمية. وعندما تتوفر خدمات الإنترنت ميسورة التكلفة ومهارات استخدام التكنولوجيا، فإن ذلك يعني زيادة فرص العمل والحد من الفقر. وفي نيجيريا وتنزانيا، زادت المشاركة في القوى العاملة بواقع 3 و8 نقاط مئوية، على التوالي، بعد ثلاث سنوات أو أكثر من توفر خدمات الإنترنت، وفي الوقت نفسه تراجعت معدلات الفقر بنسبة 7%. ولا يستخدم سوى عدد قليل للغاية هذه الموارد استخداما فعالا. وعلى الرغم من أن 83% من سكان أفريقيا يعيشون في مناطق بها خدمات إنترنت عبر الهاتف المحمول، فلا يستخدم هذه الخدمات سوى 27%. ومن الضروري توفر المهارات الرقمية وتيسير التكلفة لسد هذه الفجوة في الاستخدام. 

وتتمثل الخطوة الثالثة في بناء الثقة. ويجب أن يعرف الناس أن تفاعلاتهم وعلاقاتهم ومعاملاتهم الرقمية موثوقة وآمنة ومأمونة حتى يطمئنون إلى استخدامها بصورة تامة. وهذه المهمة أكثر صعوبة وحافلة بالتحديات في بلدان العالم النامية، سيما وأن المهارات الرقمية ليست بدرجة التقدم نفسها في بلدان العالم المتقدمة. وأكثر من ثلثي الأسر المعيشية التي تتوفر لها خدمات إنترنت في أمريكا اللاتينية تشعر بالقلق ولديها شواغل، لا سيما فيما يتعلق بالخصوصية وتأمين خدمات الإنترنت. وفي الفلبين، تستخدم بصمات الأصابع ويتم توثيق الرسائل النصية لبث روح الطمأنينة في السكان، وإفادتهم أن بطاقات هويتهم مستخدمة على نحو آمن للربط بمنافع ومزايا خدمات الرعاية والرفاهية الاجتماعية. ويتطلب إحراز تقدم في أجندة بناء الثقة الرقمية إطارا قانونيا قويا ومؤسسات قوية لحماية البيانات، ويشمل ذلك هيئات حوكمة البيانات، وسلطات حماية البيانات، ومؤسسات الأمن السيبراني.

وقد أدت جائحة كورونا إلى تسريع وتيرة التنمية الرقمية، واستطلاع آفاق المستقبل الرقمي الآن.  ولكن إذا لم نتخذ إجراءات عاجلة ومنسقة، فإن اتساع الفجوات بين الحصول على خدمات ميسورة التكلفة والمهارات والثقة يمكن أن يقوض الجهود الرامية إلى تحقيق تعاف شامل للجميع. وقد حان الوقت لكي يضاعف القطاعان العام والخاص الجهود لضمان أن البلدان النامية تتبنى الحلول القوية للتحول الرقمي بصورة تامة.

*مدونة البنك الدولي، نائب رئيس البنك الدولي لشؤون البنية التحتية

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى