الرئيسيةتكنولوجيا

الجيش الأمريكي يطور طياري ذكاء اصطناعي للمعارك الجوية

هاشتاق عربي

في صباح يوم صاف من أيام مايو/أيار الماضي، أقلعت طائرة من طراز “إل-39 ألباتروس” (L-39 Albatros)، وتحمل شعار سلاح الجو الأميركي من مطار شلالات نياغرا الدولي لتحلق فوق بحيرة أونتاريو، كانت قمرة قيادة الطائرة مليئة بأجهزة الاستشعار ومعالجات الحاسوب التي سجلت أداء الطائرة على مدى ساعتين من تحليقها.

طارت الطائرة عكس عقارب الساعة حول البحيرة في الوقت الذي رصد فيه المهندسون التابعون لمركز أبحاث الجيش الأميركي على الأرض كل حركة تقوم بها الطائرة في محاولة منهم للقيام بشيء غير مسبوق مثل “تصميم طائرة يمكنها الطيران والقتال بدون طيار بشري”.

كان هذا التمرين خطوة مبكرة في برنامج “تطوير القتال الجوي” (Air Combat Evolution) والمعروف باسم “أيس” (ACE)، وهو واحد من أكثر من 600 مشروع لوزارة الدفاع الأميركية التي تدمج الذكاء الاصطناعي في القتال الحربي والمعارك الجوية.

مليارات الدولارات تستثمر في الذكاء الاصطناعي العسكري
قدر حجم الاستثمار العالمي في الذكاء الاصطناعي لأغراض عسكرية بنحو 6.3 مليارات دولار أميركي في عام 2020، ومن المتوقع أن يصل إلى 11.6 مليار دولار بحلول عام 2025، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 13.1% خلال هذه الفترة.

ويُعزى نمو سوق الذكاء الاصطناعي في القطاع العسكري إلى زيادة الاستثمار في تطوير أنظمة متكاملة للذكاء الاصطناعي، واعتماد متزايد على التطبيقات المستندة إلى الحوسبة السحابية وأجهزة الكمبيوتر عالية الأداء، وذلك وفق ما ذكرته منصة “ماركتس أند ماركتس” (MarketsAndMarkets) في تقرير لها مؤخرا.

وفي هذا العام (2022)، تخطط وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لإنفاق ما يقرب من مليار دولار على التكنولوجيا المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، حيث تقوم البحرية الأميركية ببناء سفن بدون قائد يمكنها البقاء في البحر لشهور، ويقوم الجيش بتطوير أسطول من المركبات القتالية الروبوتية، كما تم تصميم الذكاء الاصطناعي لتحسين وسائل الإمداد اللوجستية، وجمع المعلومات الاستخبارية، إضافة لتطوير التكنولوجيا القابلة للارتداء، وأجهزة الاستشعار، والروبوتات المساعدة التي يسميها الجيش “إنترنت الأشياء في ساحة المعركة” (Internet of Battlefield Things)، وذلك وفق ما ذكره الكاتب الأميركي المختص في الشؤون العسكرية “سو هالبيرن” في تقرير له نشرته منصة “ذا نيوركر” (The NewYorker) مؤخرا.

وفي هذا السياق، نقل هالبيرن عن بول شيفيرل نائب رئيس أبحاث الطيران في مؤسسة “كلاس بان” (Calspan) المشاركة في مشروع “أيس” قوله “تعمل الخوارزميات بشكل جيد بالفعل في إدارة عملية تحليق الطائرات، وكان أول نظام للطيار الآلي قد بدأ في الخدمة عام 1914، كما أن عددا من التقنيات العسكرية الحالية، مثل أجهزة الكشف عن الألغام تحت الماء، والقنابل الموجهة بالليزر تتمتع “بالحكم الذاتي” بمجرد إطلاقها من قبل البشر، ولكن هذا لا يقارن بالتعقيد الذي تحتويه معركة جوية حقيقية، وهو ما نسعى لتحقيقه في الفترة القادمة.. إنتاج ذكاء اصطناعي قادر على القتال في معركة جوية بكامل تعقيداتها”.

علاقة شراكة بين الذكاء الاصطناعي والبشر
ويؤكد الكاتب أنه يمكن للطائرة الحربية المقاتلة المجهزة بالذكاء الاصطناعي أن تنفذ دورات ومناورات قتالية أكثر إحكاما، وتتحمل مخاطر أكبر، وتحصل على لقطات تصوير أفضل من الطيارين البشر، ولكن الهدف من برنامج “أيس” هو تحويل دور الطيار، وليس إلغاءه بالكامل، ووفق مخطط البرنامج ستكون هناك علاقة شراكة بين الذكاء الاصطناعي والطيار البشري الذي سيقوم بمراقبة ما يقوم به الذكاء الاصطناعي، ويتدخل عند الضرورة.

ووفق مكتب التكنولوجيا الإستراتيجية التابع للبنتاغون، ستسمح الطائرة المقاتلة ذات الميزات المستقلة للطيارين بأن يصبحوا “مديري معركة”، ويوجهوا فرقا من الطائرات بدون طيار “مثل مدرب كرة القدم الذي يختار أعضاء الفريق ثم يضعهم في الميدان للعب وتحقيق النصر”.

عدد أقل من البشر وأكثر من الآلات
وقالت ستايسي بيتيغون، مديرة برنامج الدفاع في مركز الأمن الأميركي الجديد، إن برنامج “أيس” هو جزء من جهد أوسع لـ”تفكيك قواتنا” (decompose our forces) إلى وحدات أصغر وأقل تكلفة، وبعبارة أخرى، استخدام عدد أقل من البشر وعدد أكبر من الآلات القابلة للاستهلاك. وفي حالة القتال الجوي، قالت بيتيغون “يمكن دمج هذه الطائرات المستقلة الأصغر بكثير بطرق غير متوقعة لإغراق الخصوم بتعقيدها ومن ثم هزيمتهم.. وإذا تم إسقاط أي منها، فهي ليست بالخسارة الكبيرة”، وذلك كما ذكر هالبيرن في تقريره.

وعودة إلى تجربة طائرة “إل-39” التي قامت بـ20 طلعة جوية فوق بحيرة أونتاريو، حيث أعطت كل طلعة المهندسين وعلماء الكمبيوتر المعلومات التي يحتاجونها لبناء نموذج لديناميكيات طيرانها في ظل ظروف مختلفة.

ومثلها مثل السيارات ذاتية القيادة، تستخدم الطائرات ذاتية القيادة أجهزة استشعار لتحديد الاختلافات بين العالم الخارجي والمعلومات المشفرة المخزنة في خرائطها، ويجب على الخوارزميات القتالية أن تأخذ في الحسبان البيئة المحيطة وتأثيراتها المتوقعة على الطائرة، حيث إن الطائرة تطير بشكل مختلف اعتمادا على الارتفاعات المختلفة التي ستحلق بها، وكذلك زوايا التحليق الجوي، ونفس الشيء ينطبق على الطيران في الأيام الحارة مقابل الأيام الباردة، أو إذا كانت تحمل خزان وقود إضافيا أو صواريخ مجهزة للإطلاق، كل هذا يجب أن تأخذه الخوارزمية بالحسبان، كما ذكر الكاتب.

وأوضح فيل تشو -وهو مهندس كهربائي يعمل مستشارا علميا لبرنامج “أيس”- “في معظم الأوقات، تطير الطائرة بشكل مستقيم ومستو، ولكن عندما يتعلق الأمر بالمعارك الجوية فإن الأمر مختلف، ويعتمد طيران الطائرة وأداؤها على زوايا التحليق والسرعة والارتفاع، ولأن الرحلة ثلاثية الأبعاد، فإن السرعة أكثر أهمية، إذا كانت الطائرة تحلق ببطء وقمت بتحريك عصا القيادة في اتجاه واحد، فستحصل على قدر معين من الاستجابة، أما إذا كانت تطير بسرعة كبيرة وقمت بتحريك العصا بنفس الطريقة، فستحصل على رد فعل مختلف تماما”.

مشاكل بحاجة للحل
في عام 2024 إذا سار برنامج “أيس” وفقا للخطة المعدة، فستشارك 4 طائرات “إل-39” مزودة بالذكاء الاصطناعي في معركة مباشرة في السماء فوق بحيرة أونتاريو. ولتحقيق هذا الهدف، تم تجنيد عشرات من مراكز البحث الأكاديمي والشركات الخاصة، وكل منها يعمل في واحد من المجالين التاليين وحل المشاكل فيهما: الأول، هو كيفية جعل الطائرة تطير وتقاتل بمفردها، والثاني هو كيفية إقناع الطيارين البشريين بالثقة في الذكاء الاصطناعي.

وفي هذا السياق قال روبرت وورك، نائب وزير الدفاع خلال إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، والذي دفع البنتاغون لمتابعة تقنيات الجيل التالي، “إذا لم يكن لدى الطيار الثقة، فسيراقب الإنسان دائما الذكاء الاصطناعي، ويقول يجب أن أتولى المسؤولية”. وهذا بالضبط نوع المشاكل التي يجري التعامل معها الآن، لكن المستقبل يبدو مليئا بالوعود للتعاون بين البشر والآلات وفي كافة الميادين والمجالات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى