الرئيسيةعملات إلكترونية

“بيتكوين” تجتاح الصفوف المدرسية في بريطانيا

هاشتاق عربي

شارك هذا الموضوع:

حان وقت التسجيل في مبنى شامل كبير في إدجوير شمالي لندن. اليوم، مثل كل صباح حتى الآن في هذا الفصل الدراسي، تتحلق الفتيات في الصف السادس ويتحدثن مثنى وثلاث بينما يكون معظم الأولاد في تجمع واحد كبير.
يطلق فتى في مركز المجموعة صيحة ابتهاج: “لقد جمعت ما يزيد عن 100 جنيه استرليني في يوم واحد، أيها الشباب”، ويعلن آخرون عن مكاسبهم في محادثة تتخللها كلمات شيبا إينو ودوجكوين وإيلون ماسك.
تنظر مدرسة الصف، وهي خريجة حديثة في تخصص التاريخ، بشعور متزايد من عدم الارتياح. تسألهم: “ألا يعد تداول العملات المشفرة مثل المقامرة؟”.
أكثر من نصف الأولاد في فصلها مسلمون والمقامرة ليست شيئا يؤيده القرآن. الطالب في المنتصف يلقي عليها نظرة ازدراء. يقول “لا يا معلمتي. إنه استثمار”.
لم يظهر هذا الصبي كثيرا من الاهتمام بالعمل المدرسي على مر السنين لكنه هنا، جوردون جيكو من الصف J13. يقضي كل وقته على تطبيق تك توك وإنستجرام ويوتيوب في استيعاب النصائح من المشاهير المشكوك فيهم، التي ينقلها بعد ذلك إلى متابعيه.
قالت لي معلمتهم في وقت لاحق، كان الله في عون هؤلاء الأولاد إذا كانوا يخاطرون بأموالهم بناء على نصيحة هذا الطالب بالذات.
تظهر مشاهد مشابهة في المدارس في جميع أنحاء المملكة المتحدة مثل هؤلاء الفتيان المراهقين – يبدو أن الفتيات غير متأثرات بالمرة تقريبا بهذا الجنون الأخير – شراء وبيع العملات المشفرة. ليس من الصعب أن نرى لماذا انخرطوا في هذا الجنون. هناك لغة رائعة للتكنولوجيا وتغذية تدريجية لا نهاية لها من الضجيج على الشبكات الاجتماعية. العملات الرقمية مناهضة للحكومة ومتمردة بشكل مثير، لكن أفضل شيء فيها هو وعدها بتوفير أموال سهلة، وفورية. فقد ارتفعت عملة بيتكوين من 600 جنيه استرليني إلى 45 ألف جنيه استرليني في غضون خمسة أعوام – بزيادة قدرها 7400 في المائة – وبالنسبة إلى عقل المراهق غير المدرب، هذه هي كل الأدلة اللازمة لاستمرار الارتفاع.
حقيقة أن من غير القانوني أيضا أن يتداول القاصرون في العملات المشفرة على معظم المنصات قد يزيد من جاذبيتها، لكن في كلتا الحالتين لا فرق في السهولة التي يمارسون بها التداول. بعضهم أقنعوا آباءهم أو غيرهم من البالغين، وكثير منهم ليسوا على دراية كافية بالأمور المالية، بإنشاء حسابات لهم. ويشتري آخرون العملة من أجهزة الصراف الآلي أو يستبدلون عملة بيتكوين ببطاقات هدايا أمازون.
إبراهيم يبلغ من العمر 15 عاما وهو في الطرف المدرك من الطيف. يعيش مع والدته – وهي متشددة ولا تسمح له باستخدام الشبكات الاجتماعية – ويعمل بجد من أجل أن يصبح طبيبا أو طيارا عندما ينتهي من المدرسة. لكن في إحدى الأمسيات في الصيف الماضي، كان يتصفح مقاطع فيديو على يوتيوب، وصادف برايان جنج، الذي ترك الجامعة وكان قد جنى للتو 100 ألف دولار. أثار ذلك اهتمامه، وتحدث مع والدته لفتح حساب.
قال لي: “لقد شرحت لها العملات المشفرة. واستثمرت بعض أموالها فيها أيضا”.
يريني محفظتهما ويشرح لي عنها. لقد استثمرا 50 جنيها استرلينيا في عملة الدوجكوين، و180 جنيها استرلينيا في عملة بيتكوين و50 جنيها في كاردانو، ويبلغ إجمالي حيازتهما حاليا ما قيمته 408 جنيهات.
في كل صباح قبل أن ينهض من السرير يتفقد استثماراته على هاتفه. ويقضي كل مساء 15 دقيقة في مشاهدة مقاطع الفيديو لتثقيف نفسه. أسأل عما إذا كان سيستثمر في الأموال المقترضة.
يقول: “لا. هذا سيكون سبيلا خطرا جدا”.
ما يفعله إبراهيم مثير للإعجاب. ففي غضون أربعة أشهر فقط علم نفسه بنفسه عن التنويع، وتقلبات السوق، وتكاليف المعاملات. إنه يعرف عن العملات المشفرة أكثر مما أعرفه وبطريقة ما أكثر دراية مني فيما يتعلق بالاستثمار. مع ذلك، ما زلت أشعر بالقلق عند سماعه يتحدث – لا يبدو أنه يدرك أنه يخاطر بمبالغ قد لا تستطيع أسرته تحمل خسارتها.
سألته كيف سيشعر إذا انهارت السوق وخسر كل شيء.
قال: “سأشعر بالحزن”، إلا أنه أضاف بعد ذلك: “لكن هذا لن يحدث – إذا انخفضت يوما ما، فترتفع مرة أخرى”.
أنا لست المعلمة الوحيدة التي تنظر إلى الموضوع بعين القلق. يعتقد باني ماتسانغوس، مساعد رئيس معهد شامل شرقي لندن وله خبرة 15 عاما في تدريس الاقتصاد، أن هناك حاجة إلى تغيير عاجل في نهج المدارس لتعليم الأطفال عن المال.
يقول: “لطالما كانت المعرفة المالية مهمة للحراك الاجتماعي، لكن قبل عشرة أعوام كان العالم أكثر بساطة. عندما كان الأطفال يحصلون على أول راتب لهم، كانوا في الأغلب يستطيعون معالجة الأمور بأنفسهم. الآن، يحتاج الشباب إلى مزيد من الدعم لتوجيه الدفة في نظام سريع التغير – خاصة للتعامل مع المفترسين الذين يحاولون الوصول إليهم على الشبكات الاجتماعية. يمكنك أن تكون على هاتفك المحمول، تعطي أموالا ليست ملكك لمحتالي العملات المشفرة. هذا جديد ونحن بحاجة إلى القيام بشيء حياله”.
كما أنه قلق بشأن الكيفية التي يتم بها خداع أطفال المدارس ليصبحوا بغالا للمال – ما يسمح للأموال المسروقة بالمرور عبر حساباتهم المصرفية مقابل رسوم. إنه يعرف عشرة من طلابه الأكثر ضعفا، الذين وقعوا في الأعوام الأخيرة فريسة لإغراء كسب المال دون مقابل ـ الذي لا يقاوم – على الرغم من أنه يعتقد أن الرقم الحقيقي قد يكون أعلى لأنه ليس شيئا يتفاخرون به.
يخبرني ماتسانغوس: “كان لدي تلميذ يأتي إلي ويقول إنه لا يمكنه أن يحضر درسا لأنه يحتاج إلى الذهاب إلى البنك لمعالجة بعض الأمور”. كان هذا الصبي يخاطر بتعريض نفسه إلى إدانة جنائية، وسجل ائتماني سلبي بشكل دائم، وعدم القدرة على فتح حساب مصرفي جديد – بسبب دخوله في موقف لم يحذره منه أحد من قبل. لقد تم توسيع قواعد الحماية أخيرا لتشمل الممارسة المعروفة باسم “خطوط المقاطعة” county lines – حيث يتم استخدام الأطفال لبيع، أو مجرد نقل المخدرات في الضواحي أو المناطق الريفية خارج المناطق التي تعمل فيها العصابات – لكن لا يوجد حديث عن أي تدريب لحماية بغال الأموال أو الخدع المالية.
مهمة تحويل الأطفال إلى بالغين متعلمين ماليا ينبغي أن تكون، من بعض النواحي، مهمة سهلة لأنها تتماشى تماما مع ما هو مقبول: موضوع التمويل يهم معظمهم أكثر بكثير من التمثيل الضوئي أو الحقبة التيودورية – أو معظم الأشياء الأخرى في المناهج الدراسية.
عندما أصبحت مدرسة منذ أربعة أعوام أدهشتني النشوة التي ناقش بها طلابي موضوع المال. لأنني عندما كنت في طور النضج في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، لم يكن هذا الموضوع يذكر على الإطلاق – يرجع ذلك جزئيا إلى أنه كان لدينا ما يكفي من المال لعدم القلق بشأنه، لكن أيضا لأن المال لم يكن يعد في ذلك الوقت موضوعا لائقا لتجاذب أطراف الحديث حوله.
على النقيض من ذلك، طلابي الذين يأتي معظمهم من خلفيات أقل حظا، يتحدثون عن هذا الموضوع باستمرار. أنهم يقدرون أهمية المال ويريدون الحصول على المزيد منه. يمكن لكل شخص معروف يأتي من أجل إلقاء محاضرة في المدرسة أن يتوقع السؤال الأول الذي سيطرح عليه وهو مقدار المال الذي يكسبه. في أيلول (سبتمبر) الماضي بدأت التدريس في مدرسة شاملة للفتيات في تاوار هامليتس، ولم يستغرق الأمر أسبوعا تقريبا لإحدى الفتيات الصريحات في مجموعتي التدريسية حتى تسألني بشكل مباشر: “يا آنسة! هناك صفحة مخصصة عنك في موقع ويكيبيديا! فما هو صافي ثروتك؟”.
هذا الانفتاح على موضوع المال جيد في حد ذاته – ويبدو أنه يجعل الطلاب يميلون أكثر للتركيز على واجباتهم المدرسية. سألت طلابي ذات مرة عن سبب اهتمامهم بأداء واجباتهم المدرسية. أهو من أجل إثارة إعجابي؟ أم لتجنب العقاب؟ أجابوا: لا، نحن نفعل ذلك كي نصبح أغنياء لاحقا في حياتنا.
في إحدى المرات عرضت على صفي قصة إخبارية عن دينيس كواتس، الرئيسة التنفيذية لـ”بت365″ التي حصلت لتوها على 421 مليون جنيه استرليني مقابل عملها لمدة عام. كنت أتوقع ردة فعل صادمة من الطلاب، خاصة أن نصفهم كانوا يتناولون الوجبات المدرسية المجانية، وبالتالي كان الدخل السنوي لأسرهم يساوي تقريبا ما كسبته كوتس في 20 دقيقة. عوضا عن ذلك، لم يعتقدوا أنها تستحق راتبها فقط، بعد أن عملت من أجل كسبه، ولكن المشهد الذي يصف كسبها الوفير أصبح قوة تحفيزية كبيرة للأشخاص الذين يعملون تحت قيادتها ويتقاضون رواتب منخفضة.
في مواجهة الطلاب المتعطشين جدا لتعلم المزيد عن المال، تفشل المدارس عموما في تزويدهم بما يكفي من المعرفة لاستهلال مشوارهم الاستثماري. وفي مدرستي القديمة لم يشعر معظم المدرسين بأن معرفتهم بالشؤون المالية مهمة لتعليم الطلاب عن المال على الإطلاق. ذات مرة اتصل بي أحد الزملاء الذي كان ينظم المجموعات الطلابية وسألني، وهو في حالة ذعر، عما إذا كان بإمكاني تقديم أي شيء عن الشؤون المالية للطلاب الأسبوع المقبل. حينها قمت بتحضير عرض تقديمي سريع مدته عشر دقائق حول تدبير الميزانيات ومصروف الجيب. كان العرض جيدا، لكنه كان كالقطرة في محيط من الجهل الذي يعانيه الطلبة.
الأمية المالية تبدأ قبل عدم معرفة كيفية وضع الميزانية بكثير. ويبدو أن اهتمام الطلاب الكبير بالمال يقابله جهل كبير بالقدر نفسه بشأن قيمة المال. قبل بضعة أسابيع كنت أقوم بتدريس طلاب الاقتصاد في الصف الـ12 حول بضائع فيبلين (نوع من السلع الفاخرة) – التي يرتفع الطلب عليها مع ارتفاع الأسعار – وأخبرتهم أنني ابتعثت ذات مرة من قبل صحيفة “فاينانشيال تايمز” كي أتفحص أغلى غرفة فندقية في لندن.
حينها طلبت من الطلاب أن يكتبوا على ألواح بيضاء صغيرة تكلفة الغرفة بحسب رأيهم – كتب أحدهم 56 جنيه استرلينيا في الليلة، بينما اعتقد آخر أنها تكلف 500 ألف جنيه استرليني. وعندما أخبرتهم أن الإجابة الصحيحة كانت 42 ألف جنيه استرليني، لم أر على وجوههم أثر الصدمة التي كنت أتوقعها – فمع عدم وجود معيار يمكنهم على أساسه تحديد مثل هذا المبلغ، لم تكن لديهم الطريقة الصحيحة للتقدير.
في الآونة الأخيرة طلب بوبي سيغال، وهو كاتب عمود في “فاينانشيال تايمز” ومعلم رياضيات، من طلاب الصف في السنة 11 تخمين متوسط الراتب في المملكة المتحدة. حينها قدر الطلاب الذين كانت تملأ أذهانهم أجور لاعبي كرة القدم والتباهي على الشبكات الاجتماعية، أن المتوسط كان نحو 80 ألف جنيه استرليني – أي ما يقارب ثلاثة أضعاف متوسط الرواتب الصحيحة البالغة 30 ألف جنيه استرليني. في الشهر الماضي، استطلعت آراء مجموعتي الطلابية في الصف 12، حيث تنتمي الفتيات بشكل أساسي إلى عائلات بنغالية تقليدية، ووجدت أن معرفتهن مهزوزة بالقدر نفسه. وعندما سئلن عمن يكسب أكثر، المصرفيون أم الممرضات، نصف طالبات الصف تقريبا كن يعتقدن أن الممرضات هن من يكسب أكثر.
لا يقتصر الأمر على عدم معرفتهن لقيمة المال فقط، فهم أيضا لا يفهمون ما هي الفائدة، فضلا عن الفائدة المركبة – وهو أمر مستهجن لأن كلاهما جزء من منهج جي سي إس إي للرياضيات. طرحت سؤالا سهلا على مجموعتي التعليمية كالتالي: كم ستكون قيمة 100 جنيه استرليني بعد خمسة أعوام في حساب توفير يدفع فائدة 10 في المائة؟ مع تقديم الإجابات المحتملة التالية: أ) أكثر من 150 جنيها استرلينيا، ب) أقل من 150 جنيها استرلينيا، أو ج) 150 جنيها استرلينيا بالضبط، عندها أصابتني الدهشة لأن 60 في المائة من الطالبات اخترن الإجابة الخاطئة.
باستطاعة معظم هؤلاء الفتيات حساب المبالغ في سياق درس الرياضيات، لكن عندما يتعلق الأمر بتطبيق معرفتهن على العالم الحقيقي، فإنهن لا يعرفن من أين يبدأن. يشير هذا إلى ضرورة إعادة تدريس الفائدة المركبة، ليس فقط في منهج الرياضيات ولكن باعتبارها مهارة عملية كي تساعدهم في إدارة أموالهم بشكل أفضل.
ما يعد أكثر صعوبة هو تعليم أطفال المدارس عن المخاطر. هنا يقف اهتمامهم بالمال عقبة في الطريق: مثل الرغبة في الربح بحيث لا يكون للتحذيرات المباشرة من الخسائر أي تأثير فيهم على الإطلاق. في أحد الأيام من العام الماضي، قدمت درسا لطلاب الاقتصاد في مادة جي سي إس إي عن شركة جيم ستوب، وهي شركة متعثرة لبيع الألعاب ارتفع سعر سهمها بشكل كبير فيما يشبه القصة القصيرة المعروفة بين داوود وجالوت. حينها شرحت للصف مبدأ البيع على المكشوف. وأوضحت لهم أن ما كان يجري مع جيم ستوب أصبح يتحول إلى مخطط بونزي عملاق. ثم عرضت عليهم رسما بيانيا لأسعار الأسهم المرتفعة بشكل حاد وطلبت منهم رفع أيديهم إذا كانوا سيستثمرون الآن. وبغض النظر عن كل تحذيراتي السابقة لهم، ارتفعت تقريبا يد كل طالب في الفصل للأعلى.
قد يكون درسي الذي يفتقر إلى الأساس الصحيح عن المخاطر قد فشل في تعليم طلابي أي شيء تماما، لكنه علمني أن هذا الموضوع مهم للغاية بحيث لا يمكن تغطيته دون أي تحضير مسبق. يجب تصميم الدروس بشكل صحيح للتغلب على جميع التحيزات السلوكية التي تجعل الصغار في السن (والكبار أيضا) سيئين للغاية في الشؤون المالية. يحتاج الطلاب إلى أن يطلعوا على دراسات عن حالات حقيقية لأشخاص مثلهم جازفوا بخطورة وخسروا أموالهم. ويحتاجون أيضا إلى التعرف على الأشخاص الذين حققوا مكاسب مالية، ليس بأعجوبة بين عشية وضحاها، ولكن تدريجيا. وقبل كل شيء يجب أن يتعلموا بشكل منهجي عن قيمة المال. عندها فقط سيكونون مستعدين للدرس الأكثر إلحاحا على الإطلاق: وهو إذا كان هناك أمر يبدو جيدا بدرجة يصعب تصديقها، فإنه يبدو فعلا جيدا بدرجة يصعب تصديقها.

فايننشال تايمز

صحيفة بريطانية دولية تتحدث عن الأعمال، يتم نشرها في لندن منذ تأسيسها في عام 1888 من قبل جيمس شيريدان وأخوه. هناك اتفاق خاص بين فايننشال تايمز وصحيفة الاقتصادية السعودية يتم بموجبها ترجمة لأهم مقالاتها يوميا

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى