اقتصادالرئيسية

منظمة التجارة العالمية: نحن في مأزق

شارك هذا الموضوع:

لا مجال لـ«ولادة منظمة التجارة من جديد أو تفككها أو انحدارها»، هذا ما أكده، جان ماري باوجام، نائب المدير العام لمنظمة التجارة العالمية.
واعتبر باوجام أن نظام التجارة الدولي أظهر قدرته على التكيف ومرونته، خاصة خلال وباء كوفيد – 19، قائلا، «في حين شهد العالم انتشار التدابير التقييدية في بداية الوباء، اختارت الدول بسرعة طريق التعاون وتيسير التجارة عبر المنظمة».
لكن نائب المدير العام لمنظمة التجارة العالمية أقر بأن المنظمة باتت في مأزق، حيث إن وظائف النظام الثلاث الخاصة بالمنظمة باتت ضعيفة للغاية.
وأضاف في محاضرة أمام اللجنة الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية أمس، إن التحدي الذي يواجه المؤتمر الوزاري الـ12 سيكون «إعادة بناء الثقة، حيث لا يمكن إجراء مفاوضات دونها».
وبدأ باوجام محاضرته بالمقارنة بين الاتحاد الأوروبي والمنظمة، لـ»وجود شكل قاتل إلى حد ما من التشابه بينهما»، حسب تعبيره. غير أنه يقول «منظمة التجارة ليست ولا تريد أن تكون اتحادا، إنها مجرد هيكل حكومي دولي للتعاون، قائم على المعاهدات، غير أنها، مثل الاتحاد الأوروبي، يجب أن تجيب عن سؤال يطرح يوميا: ما الذي تجلبه المنظمة بوجودها، هل سنعيش غدا أفضل بوجود هذا الكيان، هل تأتي أوروبا بشيء، وهناك سؤال يطرح نفسه على أساس يومي لمنظمة التجارة العالمية: هل تقدم المنظمة شيئا للناس»؟
على هذا الأساس، مضى المسؤول التجاري الكبير في محاضرته وقاد المناقشات في مقر المنظمة التي تتحكم في نحو 98 في المائة من الاقتصاد العالمي.
في حديثه عن النجاحات والمقارنة بالتكتل الأوروبي، يعتبر منظمة التجارة «أحد الإنجازات العظيمة للشركة الدولية». وأن نظام المنظمة عمل بشكل جيد، في جوهره، في مواجهة الأزمات الكبرى التي هزت الاقتصاد العالمي. يقول «لقد أثبت النظام التجاري الدولي للتو مرونته وفائدته في مواجهة صدمتين رئيسيتين: الأولى كانت الحرب التجارية، والثانية وباء كوفيد. واعتبر المنظمة مختلفة جدا في طبيعتها عن الاتحاد الأوروبي: الاتحاد ولد سياسيا، والمنظمة بيولوجيا اقتصاديا. أتى أحدهما من البنية الفوقية، والآخر من البنية التحتية. غير أنه كان للاثنين ثلاثة تأثيرات شائعة:
– الأول، أثر مباشر، ضد زيادة تكلفة العولمة: الرسوم الجمركية التي أقيمت للحرب التجارية، والتعريفة الاقتصادية المقيدة وتدابير الاحتواء المتخذة في مواجهة الوباء.
– الثاني، تقليص عدم اليقين بشأن العولمة: تفكيك السؤال المطروح: كيف نتخذ قرارات الاستثمار والتجارة، إذا كنا لا نعرف ماذا ستكون أسواق الغد؟ شعرت الشركات بذلك في الغالب وأدى ذلك إلى الركود.
– الثالث، إثارة أسئلة هيكلية حول العلاقة بالعولمة: هل يمكننا الوثوق بسلاسل القيمة العالمية لضمان إمداد سكاننا؟ هل يجب أن نفكر في نقل جزء من الإنتاج الضروري، خاصة للسلع الصحية؟ طرح عديد من الشركات هذا السؤال على نفسه أولا، لكنه أصبح سياسيا وحكوميا لأنه مسألة سيادة.
حول هذه الأمور الثلاثة، قدمت منظمة التجارة إجابات إيجابية، ليس من خلال التفاوض على معاهدات جديدة، لكن لأنها موجودة وأن ضوابطها كانت مفيدة.
ويضيف «لقد قاومت الحرب التجارية بشكل عام: تم اتخاذ إجراءات أحادية الجانب، وهي خاضعة للتقاضي، لكنها لم تؤد إلى منطق انتقامي غير منضبط: من وجهة النظر هذه، تعلمنا من الثلاثينيات ولم نقم بإعادة إنتاج الأخطاء. لا في 2008 في مواجهة الأزمة المالية، ولا في 2020 في مواجهة الوباء. مع ذلك، تم بناء النظام لمنع إعادة إنتاج هذه الأخطاء التاريخية في السياسة الاقتصادية.
وقاومت المنظمة أيضا الانعزالية، بمساعدة دعوات مجموعة العشرين: من وجهة النظر هذه، فإن تقارير المنظمة رسمية – هي تراقب وتبلغ كل ستة أشهر عن الإجراءات التجارية المتخذة. بينما في بداية الوباء شهدنا لمدة شهر أو شهرين، انتشار التدابير التقييدية للتجارة، ولا سيما مراقبة صادرات السلع الصحية، اختارت الدول بسرعة كبيرة طريق التعاون وتيسير التجارة.
واتخذت إجراءات التحرير أو التيسير الأسبقية على القيود. أصبحت هناك عدالة السلام، هذه هي الإحصاءات: بينما انهارت التجارة العالمية في 2020 بنحو 8 في المائة سنويا، نمت التجارة في السلع الصحية بنحو 16 في المائة.
ويقول، «اليوم، هناك انتعاش كبير في التجارة والنمو العالميين، باعتراف الجميع بمعدلات مختلفة حسب مناطق العالم، لكن الأهم هناك انتعاش واضح آخر: النظام يقوم بتفكيك تدريجي للإجراءات التجارية التي تم وضعها العام الماضي».
وأشار إلى علاقة سببية علمية اليوم بين دور منظمة التجارة والاتجاهات الملحوظة في الاقتصاد الحقيقي. هذا يعني أن النظام عمل بشكل جيد بوجه عام في مواجهة هذه الصدمات. هذا النجاح له قيمة في حد ذاته ويستحق الدعم الذي تقدمه لها الحكومات والشركات، حتى عندما تكون في وضع صعب.
المأزق
مع ذلك، يقر نائب المديرة العامة لمنظمة التجارة بأن المنظمة «في مأزق»، بل يصفه بـ»كبير جدا» يستدعي الإصلاح. ماذا يحمل؟ يقول «حقيقة إن وظائف النظام الثلاث أصبحت الآن ضعيفة للغاية».
الوظيفة الإدارية للاتفاقيات. لا تزال تعمل بشكل أفضل. هناك نشاط كبير في لجان المنظمة يسمح، على أساس يومي، بحل عديد من الصعوبات التجارية وديا من خلال التعاون.
لكن هناك مشكلة كبيرة: أن جزءا كبيرا من الأعضاء لم يعودوا يفون بالتزاماتهم الأساسية، وهي إخطار المنظمة بالإجراءات التي يتخذونها. مع ذلك، فإن الالتزام بالشفافية، هو الركيزة الأولى للنظام.
الاتفاقات الدولية
لم تسفر وظيفة التفاوض بشأن الاتفاقيات عن نتائج عظيمة تذكر منذ إنشاء منظمة التجارة. اتفاقيتان متعددتا الأطراف: الاتفاقية المتعلقة بالتراخيص الإجبارية لتصنيع الأدوية في حالة تفشي الوباء، يصفها المسؤول التجاري بأنها «مهمة للغاية، ولا سيما في ضوء الوضع الحالي»، واتفاقية أخرى حول تيسير التجارة، وهي اتفاقية متعددة الأطراف لتحرير السلع المسهمة في تقنية المعلومات.
أما باقي المفاوضات المتعددة الأطراف فهي «صعبة للغاية»، حسب تعبير، باوجام. كما لم تتقدم المفاوضات الزراعية منذ إنشاء المنظمة. غير أن المفاوضات بشأن دعم مصايد الأسماك، التي بدأت قبل 20 عاما وتم تحديدها كهدف من أهداف التنمية المستدامة، هي الآن في مرحلتها النهائية، غير أنه يقر بأن «نتائجها لا تزال غير مؤكدة».
وواجهت المناقشات حول استجابات منظمة التجارة للوباء تباعدا كبيرا حول معايير الملكية الفكرية. كما أن الضرائب المفروضة على التجارة الإلكترونية – أي فرض رسوم جمركية على المعاملات الرقمية – التي اعتمدتها المنظمة في 1998، «لا تزال حتى اليوم مثيرة للجدل للغاية».
مع ذلك، تم تنشيط وظيفة التفاوض من خلال إطلاق المناقشات متعددة الأطراف في 2017، أي الجمع بين الدول الراغبة فقط في المشاركة في المفاوضات.
ويقول نائب المديرة العامة: «في هذه المناقشات، يوجد اليوم أكبر جهد لتحديث قواعد التجارة العالمية: بشأن تنظيم التجارة الإلكترونية إلى ما أبعد من المسألة الوحيدة المتعلقة بفرض الضرائب على المعاملات، والخدمات والاستثمار، وقريبا، على البيئة».
ويضيف «من خلال هذا المسار متعدد الأطراف، تحاول منظمة التجارة بالفعل أن تضع نفسها في وضع يمكنها من معالجة التحولين الهيكليين للاقتصاد والتجارة العالمية: الرقمنة وإزالة الكربون».
مأزق حل النزاعات
كان إنشاء هيئة استئناف لحل النزاعات أحد الإنجازات العظيمة في جولة أوروجواي، التي أسست منظمة التجارة العالمية، وما زالت المنظمة، حتى إلى وقت قريب، تتباهى بنظامها التحكيمي التجاري المكون من درجتين.
يقر المسؤول التجاري في محاضرته بأن هيئة الاستئناف «عملت بشكل جيد للغاية»، حيث ساعدت على تفسير القانون التنظيمي وحل عديد من النزاعات التجارية. يقول «إن اللجوء إلى جسد الاستئناف، في روح النصوص، يظل استثنائيا إلى حد ما، لكنه أصبح منهجيا تقريبا بسبب كفاءته. تفسيرات الهيئة للقانون أصبحت معايير قانونية أيضا، وأخذت هذه المؤسسة الصغيرة تلعب دورا أكبر في إنتاج القانون حيث تظل وظيفة التفاوض عقيمة».
وعلى الرغم من دعم معظم أعضاء المنظمة هذه المؤسسة، ظهرت حبة رمل صغيرة في هذه الآلة الضخمة، فأوقفت جزءا منها. يشرح، باوجام، الأمر قائلا «شعرت الولايات المتحدة، التي لم تقبل أبدا بمحكمة دولية، بعدم الارتياح بشكل متزايد من وجهة نظر سيادتها، على الرغم من أنها استفادت بشكل كبير من النظام من خلال الفوز بنسبة كبيرة جدا من دعاواها القضائية. بالتالي، قررت في ظل إدارة ترمب إسقاط هيئة الاستئناف هذه، من خلال منع تجديد أعضائها الذين وصلوا إلى نهاية تفويضهم».
إعادة البناء
يرى المسؤول التجاري الدولي أن ما يجب إعادة بنائه هو أولا وقبل كل شيء الحد الأدنى من الثقة التي من دونها لا يمكن إجراء مفاوضات. مع ذلك، فقد تم إضعاف هذه الثقة بشكل خطير منذ فترة طويلة من الآن، كيف؟
وتبدلت ثقة جزء كبير من العالم النامي في نظام ترى أن اتفاقياته غير متوازنة لمصلحة الدول المتقدمة، تتعلق: بالمرونة الممنوحة لها بموجب ما يسمى بالمعاملة الخاصة والتفضيلية، حقوق دعم الزراعة، وحقوق الملكية الفكرية.
يقول، باوجام، «يتضاعف إحباط الدول النامية المرتبط بالتصور عن عدم التوازن من خلال شكل من أشكال الاستياء». ويضيف بوضوح «دعونا لا نخاف من الكلمات، عندما نتعامل مع قضايا المنافع العامة العالمية، مثل صيد الأسماك أو القضايا البيئية الأخرى. من المسؤول الأول عن تدمير المحيطات وتدمير التنوع الإحيائي وتغير المناخ، على من يجب أن تنطبق الضوابط الملزمة في هذه المجالات، هذا هو السؤال الذي يطرحه عديد من البلدان النامية. اليوم هو مفتاح الاختتام الناجح للمفاوضات بشأن إصلاح دعم مصايد الأسماك».
وفي إشارة واضحة إلى الصين، التي ما زالت متمسكة على اعتبارها «دولة نامية»، يقول المسؤول في منظمة التجارة، دون ذكر الصين بالاسم، «تبدلت ثقة جزء كبير من العالم المتقدم وليس الولايات المتحدة فقط، في مواجهة الرغبة الحقيقية للقوى الاقتصادية الناشئة الكبرى في تحمل مسؤوليات في النظام التجاري بما يتناسب مع وزنها الاقتصادي: مع ذلك لا يزال كثيرون يستفيدون ويطالبون للحفاظ على وضعهم كدول نامية والتعبير عن شكوكهم فيما يتعلق بفوائد القواعد المتعددة الأطراف لتنميتها».
ويقول المسؤول التجاري الدولي «هذا هو ما تجب إعادة بنائه كأولوية، لأنه في منظمة التجارة كما في العملة، فإن أثمن الأصول ليس المال بل الثقة».

ماذا ستفعل المنظمة لتحقيق ذلك؟
يجيب، باوجام، في سبع نقاط: التحلي بالواقعية: يتفق جميع الأعضاء على أن المؤتمر الوزاري الـ12 للمنظمة سيكون بمنزلة مؤتمر تاريخي، بداية تحول، وليس ثورة.
كن استباقيا، لأننا يجب أن نبدأ بالفعل في كتابة هذه الرواية الجديدة، تلك التي ستجيب عن سؤالك، من خلال إظهار أن منظمة التجارة تعمل حقا للناس. ما نريده، تحقيق نتائج ملموسة تعيد المعنى لإدارة المنظمة والثقة التي لدى أعضائها بها.
اختتام المفاوضات حول مصايد الأسماك: سيكون هذا نجاحا أساسيا وخطوة كبيرة إلى الأمام للمنظمة من خلال المساهمة في تحقيق هدف التنمية المستدامة.
الاتفاق على مساهمة التجارة في حل جائحة كوفيد وإنهاء الأزمة، الأمر الذي يتطلب تطوير حل عملي لتسهيل الحصول على اللقاحات دون المساس بجوهر حقوق الملكية الفكرية. اتخاذ خطوة كبيرة إلى الأمام في المفاوضات الزراعية، خاصة الإعانات الداخلية وقضايا الأمن الغذائي.
إعادة فتح الحوار مع الولايات المتحدة حول مستقبل آلية تسوية المنازعات، بهدف وضع برنامج عمل لإصلاحها وإصلاح المنظمة بشكل عام. التقدم المحرز في المشاريع متعددة الأطراف، بإطلاق المؤتمر الوزاري الـ12 عديدا من المبادرات الأساسية فيما يتعلق بالتجارة والتنمية المستدامة، بشأن الحوار ضد التلوث البلاستيكي.
أخيرا، يقول باوجام «كن متفائلا: اللعبة لم تنته بعد، تتلقى الرئيسة التنفيذية عديدا من رسائل الدعم والالتزام من قادة العالم. يتبقى لدينا شهر ونصف لتحويلها إلى حلول ملموسة وتوافقية.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى