الرئيسيةتكنولوجيا

المركبات ذاتية القيادة.. مستقبل مثالي أم وهم تسويقي؟

هاشتاق عربي

شارك هذا الموضوع:

هل كانت الولايات المتحدة تتمتَّع بـ”علاقة حب” دامت لقرن من الزمان مع السيارات، كما وصفها غروتشو ماركس في عبارة مأثورة له في برنامج تلفزيوني عام 1961؟ أم أنَّ العلاقة كانت أشبه بزواج قسري مدمر بشكل متزايد؟

أمضى بيتر نورتون، أستاذ التاريخ في جامعة فيرجينيا، حياته المهنية وهو يجادل في أنَّ هذه العلاقة كانت بمثابة زواج قسري. ويركِّز كتابه الأول “مقاومة حركة المرور” (Fighting Traffic) على حقبة العشرينيات، ويصف كيف شُكِّل اتحاد صناعات السيارات والنفط والمطاط والبناء -“موتوردوم” (motordom)، كما يطلق عليه نورتون- كتحالف استراتيجي لضمان قدرة مالكي السيارات على القيادة بشكل سريع عبر المدن الأمريكية. وغالباً ما يكون خيار السفر بالسيارة هو الخيار الوحيد المتاح أمام الكثيرين، بسبب التمدُّد، والسياسة، والتخطيط الإفرادي لكل ولاية، ووسائل النقل غير الملائمة.

بالنسبة إلى كتاب نورتون الجديد الصادر بعنوان: “أوتونوراما: الوعد الوهمي للقيادة ذات التكنولوجيا الفائقة” (Autonorama: The Illusory Promise of High-Tech Driving)؛ فهو يستكشف كيفية محافظة السيارات على هيمنتها-خصوصاً في المدن- خلال العقود التالية. كما يركِّز على مهارة “موتوردوم” في استغلال التكنولوجيا الحديثة لرسم رؤية للسيارة المثالية المنتظرة في القريب العاجل، وذلك يشمل افتتان الناس الحالي بـ”المركبات ذاتية القيادة”.

على الرغم من التنوع؛ فإنَّ رؤى القيادة ذات التكنولوجيا المتطورة تشترك في ادعاء شائع، يفيد أنَّ الحواسيب الموجودة داخل كل سيارة، ستقودنا بشكل أفضل مما نستطيع، وأسرع مما نعتقد، وذلك في ظل بيانات الاستشعار، والمعدات الحديثة، والتعلُّم الآلي، والشبكات الرقمية. و ماتزال الإمكانية العملية للقيادة الآلية، والواسعة النطاق، أمراً بعيد المنال، حتى في ظل التطورات التكنولوجية الفائقة التي شهدها العالم على مدى السنوات العشرين الماضية.

من المفترض أن تكون “الحلول” المعتمدة على التكنولوجيا المتقدِّمة -التي هي في الأفق دائماً- طوق النجاه المتوقَّع. ومع ذلك؛ فإنَّ النقص لا يكمن في التكنولوجيا، بل في مستوى الطموح بحدِّ ذاته. وفي الوقت نفسه؛ فإنَّ الحلول المفترضة -القائمة على وعود بوضع نهاية حاسمة لمعاناتنا- تحيد بنا عن كفاية النقل، وهو أمر طبيعي، إذ يمكن لكل فرد تلبية احتياجاته العملية.

من المقرر أن تكون “كفاية النقل”، مدينة مصمَّمة لمنح الناس على أقل تقدير خيار ركوب الحافلة، أو ركوب الدراجة دون إهدار الوقت، أو التضحية بمعايير السلامة الفردية. فمن خلال التركيز على التكنولوجيا؛ نجح “موتوردوم” في منع الأمريكيين من السعي إلى إيجاد حلول تُنقل بشكل اعتيادي، وهي في المتناول، بحسب ما يقول نورتون.

تحدَّث ديفيد زيبر من “بلومبرغ سيتي لاب” مؤخراً مع الكاتب نورتون حول جاذبية الاستقلالية، ومعركة التخلص من عادات السيارات الأمريكية.

تمَّ اختصار المحادثة وتحريرها بغرض الإيضاح.

يركِّز كتابك الأول “مقاومة حركة المرور” على دور السيارات في أمريكا في فترة ما قبل الحرب، لكنَّ “أوتونوراما” يتعمَّق في فترة ما بعد الحرب، والنقاش العصري حول المركبات ذاتية القيادة. لماذا هذا التحوُّل في الفترات الزمنية؟

حسناً، كنت أرى المروّجين للسيارات المستقلة، وهم يدعون أشياء تمكِّنهم من إتمام عملية التسويق، وكان جمهورهم يتعامل مع هذه الادعاءات كما لو أنَّها جديدة تماماً. لكن بالنسبة إلي؛ بدت المواد الترويجية للمركبات ذاتية القيادة تماماً مثل عرض “فيوتشوراما”- وهو معرض “جنرال موتورز” الذي يصوِّر حلم السيارات التي أنشئت من أجل المعرض العالمي لعام 1939- فهي لم تكن أكثر منطقية.

قلت في نفسي: “انتظر لحظة -لقد رأيت هذا من قبل. أنت تظهر مستقبلاً مثالياً يُقدَّم من خلال أحدث تكنولوجيا السيارات، وتقدّمه بطريقة تبدو كأنَّها تتسم بالمصداقية”. كتبت هذا الكتاب لأنَّني أشعر أنَّ لدينا فرصة لتجنُّب السقوط بسبب التسويق هذه المرة، وتجنُّب الوقوع في ثقب عميق.

إحدى الحجج الرئيسية التي يستند إليها كتاب “أوتونوراما”، هي أنَّ “موتوردوم” -وهو تحالف المصالح المؤسسية الذي يحثُّ الناس على شراء المزيد من السيارات- يواصل تقديم وعود لا تتحقَّق بشأن التكنولوجيا. لماذا لا يدفع “موتوردوم” ثمن الفشل المستمر في تحقيق رؤيته؟

الادعاء الأساسي الذي يعتمده “موتوردوم”، هو إمكانية الحصول على مدينة تُمكِّنك من القيادة في أيِّ مكان، وفي أيِّ وقت، مع ركن السيارة مجاناً عند الوصول إليها. هذه الرؤية تعدُّ قاسماً مشتركاً بين بيع القيادة ذات التكنولوجيا الفائقة، وبيع الاعتماد على السيارات. وفي هذه الحالة، تثير “أوتونوراما” سؤالاً محدداً، وهو كيف يمكن لـ”موتوردوم” المحافظة على استمرار هذه المصداقية.

إنَّ جزءاً من الإجابة يكمن في أنَّ كل ابتكار جديد مذهل يكون هو الشيء الذي يتيح استعادة مصداقية “موتوردوم” والثقة فيه، إذ تدرك الشركات ضرورة أن تكون قادراً على التفاخر بتكنولوجيا حديثة بشكل لا يفهمه جمهورك حقاً. وسواء كان الأمر يتعلَّق بالرادار، أو الدوائر المتكاملة، أو التعلُّم الآلي، ينبغي العلم أنَّ مثل هذه الأشياء تعدُّ تقنيات مذهلة حقاً، إذ إنَّ لها تأثيراً مميزاً، كما أنَّ مستوى إثارتها للإعجاب يُسقط كل الشكوك الشائعة، لكن هذا الانطباع يصبح وسيلة لجعل الادعاءات غير الصادقة ذات مصداقية، حتى عندما لا يكون هناك ما يبرر ذلك.

ومن ثم تحدث فجوة بعد الإفراط في الوعود، وبالتالي؛ تدخل في حالة من الارتباك وعدم اليقين لعقد من الزمان أو نحو ذلك، ثم تخرج إلى العالم مرة أخرى.

لنتحدَّث أكثر عن شكوكك بشأن المركبات ذاتية القيادة، إذ يبدو أنَّك تقدِّم حجتين مختلفتين في كتابك. هل يفشل “موتوردوم” باستمرار في الوفاء بوعوده بالتكنولوجيا الحديثة، و هل سيفعل ذلك مجدداً مع المركبات المستقلة؟ أم أنَّك قلق من انتشار المركبات المستقلة ومعاناة المدن بسببها؟

في ظل وجود المركبات المستقلة؛ فخشيتي من الأمرين معاً. فهذه المركبات لن تستطيع العمل، لكن الشركات ستخلق مشكلات لأنَّها ستستمر في البحث عنها على أي حال. إذا أجرى الطبيب الجراح عملية جراحية ولم تنجح، فإنَّه سيضرّ بجسدك كثيراً دون علاجك، وبالتالي؛ فإنَّ تدمير مدن ما قبل السيارات، مثل سانت لويس، أو سينسيناتي، لخلق مساحة للسيارات، لا يعني أنَّ الاعتماد على السيارة قد يفي بوعوده، بل إنَّه يعني أنَّ هناك اعتقاداً بأنَّها قد تكون مدمِّرة بشكل كبير.

شركة “وايمو” تحب الادعاء بأنَّ المركبات المستقلة تجدي نفعاً الآن، والسبب في ذلك هو ضرورة مرور مثل هذه المركبات بمنطقة بيئية قاسية تُعرف باسم تشاندلر في ولاية أريزونا الأمريكية، حيث لا يوجد أي ازدحام، بخلاف القيادة اللازمة للعمل بشكل جيد، فكل شارع سكني يتسم باتساع كبير، و كل الطرق غير السكنية فيها مسارات متعددة، وممرات للانعطاف، وكل وجهة محاطة بموقف سيارات شاسع المساحة. إذا كان هذا هو ما يجب إنشاؤه للمركبات المستقلة، فهذا نصر ساحق، لكنَّه لا يستحق هذا العناء.

إذا كان بإمكاننا العودة إلى فترة التسعينيات فقط والاستمتاع إلى حديث شركة “بورديو فارما” (Purdue Pharma)، في حين تتحدَّث عن دواء “أوكسيكونتين” الذي يحل مشكلات الجميع؛ فسنكون في حالة من الغضب المفيد. فقد انخدعنا في احتواء “أوكسيكونتين” على المواد الأفيونية، وبات يتعيّن علينا الآن عدم الانخداع في المركبات المستقلة.

في كتابك، تقارن أيضاً الأبحاث الخاصة بالمركبات المستقلة مع الأبحاث الصحية المموَّلة من شركات التبغ في الخمسينيات. هل تعتقد أنَّ شركات السيارات المستقلة على دراية بأن منتجاتها ستضر بالمجتمع، لكنَّها ما تزال عازمة على المضي قدماً؟

نعم، هذا تماماً ما أعنيه. برغم أنَّ ادعاء أنَّ شركات السيارات المستقلة “تدرك ذلك” قد يكون غير عادل قليلاً، لأنَّها لا تهتم بالأمر حقاً. هي لا تسعى سوى إلى المضي قدماً في بيئة شديدة التنافسية، والشركة التي تهتم بالواقع ستكون هي الخاسرة، لأنَّها ستحدُّ من انتشارها.

“موتوردوم” يتساءل حول “كيفية جعل الاعتماد على السيارة يجدي نفعاً؟”، في حين أنَّ السؤال الحقيقي هو “كيف يمكننا تحرير أنفسنا من الاعتماد على السيارة؟”

كان لا بدَّ لشركة “أوبر” أن تدرك أنَّها كانت تخاطر مخاطرة غير مبررة بحياة الناس كل يوم في مدينة تمبي (قبل أن يتسبَّب نموذجها الأولي للمركبة ذاتية القيادة في مقتل إلين هيرزبرغ في 2018)، لكنَّها كانت ذكية أيضاً. فقد أدركت أنَّ أي شركة لا تخاطر، لن يكون لها مستقبل في مجال صناعة السيارات المستقلة.

الصورة التي ترسمها قاتمة جداً. فأنت تقول، إنَّ “موتوردوم” يخدع الأمريكيين باستمرار، و إنَّنا نمر بهذا الأمر مجدداً الآن. لكن وزير النقل الأمريكي، بيت بوتيجيج، يتحدَّث الآن عن الحاجة إلى إعادة التوازن بين وسائل النقل، وركوب الدراجات، والمشي. و يبدو أنَّ المزيد من سكان المدن، وصنَّاع السياسات، يقولون: “لا أريد المزيد من السيارات في مدينتي -سواء كانت ذاتية القيادة، أو كهربائية، أو غير ذلك- لأنَّها ليست حلاً يحمل أي جدوى”. هل أصبحنا أكثر حكمة؟

علينا أن نكون حذرين، لأنَّنا مررنا بهذا من قبل. على سبيل المثال، كان لدينا وزير نقل اسمه جون فولبي في أوائل السبعينيات، وكان يقول، إنَّنا بحاجة إلى وقف بناء الطرق السريعة، وكان أول مسؤول في وكالة حماية البيئة الأمريكية آنذاك يتحدَّث أيضاً عن الحد من القيادة.

وقد شهدنا طفرة كبيرة في الدراجات في أوائل السبعينيات، تماماً كما هو الحال الآن.

هذا صحيح، ومن الواضح أنَّنا فقدنا الزخم بعد ذلك. لكن علينا أن نبقى في حالة تأهب للتخطيط الاستراتيجي داخل “موتوردوم”، لأنَّهم عازمون على تحويل “التنقل” إلى نموذج عمل يتناسب مع تطلُّعاتهم. و هم يتحدَّثون عن مستقبل التنقل كخدمة، إذ يمكن لأي سيارة مستقلة أن تنقلك إلى أي مكان، وفي أي وقت. وبالطبع؛ هذه المركبات ستتهالك ذات يوم، وستحتاج إلى الاستبدال.

الفصل قبل الأخير في كتابك ينتهي بعبارة “دعونا لا ننخدع”. ما الذي تريد أن يفعله القراء بالمعلومات التي شاركتها معهم؟

آمل أن يميز القراء المشكلة. السجائر تعطي درساً تاريخياً، فعندما صدر تقرير الجراح العام الأمريكي في عام 1964، كانت النقاشات التي أرادت شركات التبغ أن تجريها تتعلَّق بـ”كيف نجعل السجائر آمنة؟”، وهو ما كان يشكِّل خطأ في فهم المشكلة، لكنَّ المشكلة الحقيقية كانت تتمحور في سؤال: “كيف يمكننا تحرير أنفسنا من السجائر؟”.

والآن، نحن نواجه الموقف ذاته مع السيارات، إذ يتساءل “موتوردوم” حول “كيفية جعل الاعتماد على السيارة يجدي نفعاً؟”، في حين أنَّ السؤال الحقيقي هو “كيف يمكننا تحرير أنفسنا من الاعتماد على السيارة؟”. هذا لا يعني تحرير أنفسنا من السيارات كافةً طوال الوقت، بل إنَّ الفكرة تتعلَّق بتحررنا من عالم تعاني فيه، إذا لم يكن لديك سيارة، لأنَّك في هذه الحالة لن تتمكَّن من الوصول إلى العمل.

التكيّف مع فكرة الاعتماد على السيارة يؤكِّد استدامة الاعتماد على السيارة، وهذا القول ينطبق على الاعتماد على السيارات ذات التكنولوجيا الفائقة، بقدر ما ينطبق على السيارات التقليدية.

بلومبرغ الشرق

اقتصاد الشرق مع بلومبِرغ هي أحد الخدمات الإخبارية الناطقة بالعربية والمتخصصة بتوفير الأخبار والقصص الاقتصادية من حول العالم، والتي تتبع الشرق للأخبار التي انطلقت في 11 نوفمبر 2020 لتقديم تغطيات إخبارية من حول العالم باللغة العربية.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى