الذكاء الاصطناعيالرئيسية

الإحصاء يتحول أداة للاستبصار

شارك هذا الموضوع:

“الارتباط لا يعني السببية”. وراء هذه العبارة المبتذلة تكمن حقيقة مهمة. في كانون الثاني (يناير) من هذا العام، مثلا، كان لدى المملكة المتحدة واحد من أكثر عمليات الإغلاق صرامة وأحد أعلى معدلات الوفيات بسبب كوفيد. نيوزيلندا ليس لديها وفيات وفرضت قيودا قليلة. مع ذلك، بغض النظر عما قد يقوله سارد نظريات المؤامرة المفضل لديك عبر منصة “يوتيوب”، فإن عمليات الإغلاق لا تسبب موجات من كوفيد، بل موجات كوفيد تسبب عمليات الإغلاق.
لكن في حين أن عبارة “الارتباط لا يعني السببية” تعد تحذيرا مهما ـ عندما يأتي صانعو السياسة لطرح الأسئلة ـ إلا أنها لا تمثل إجابة.
مثلا، لماذا يميل الأشخاص الحائزون تعليما أعلى إلى الحصول على دخل أعلى؟ هل يرجع ذلك أن التعليم يؤدي إلى زيادة الدخل، أم لأن الأشخاص الأذكياء والحيويين يزدهرون في كل من المدرسة ومكان العمل؟
لماذا تميل الأماكن الأكثر ثراء إلى وجود كثير من العمال المولودين في الخارج؟ هل لأن المهاجرين يزيدون الدخل أم لأن الناس يتجهون إلى حيث يوجد المال؟
الأماكن التي يوجد بها كثير من طيور اللقلاق بها كثير من الأطفال. هل هذا لأن طيور اللقلاق تقوم بتوصيل الأطفال أم لأن الدول الكبيرة لديها متسع لكليهما؟
في عام 1965، أخبر داريل هوف، خبير الاتصال الإحصائي الشهير، جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأمريكي أن العلاقة بين التدخين والسرطان كانت زائفة تماما مثل العلاقة بين اللقلاق والأطفال. إنه مثال قاتم على مدى سهولة تحول الشك السليم إلى السخرية.
كل هذا يفسر سبب سعادتي بإعلان الإثنين عن جائزة نوبل التذكارية في الاقتصاد. قاد الفائزون بالجوائز، ديفيد كارد، وجوشوا أنجريست، وجويدو إمبينز، الحملة فيما أصبح يعرف باسم “ثورة المصداقية” في الاقتصاد.
في مواجهة البيانات الفوضوية في العالم الواقعي، من المغري للاقتصاديين أن يتجاهلوا ويبتعدوا عن الأسئلة الحاسمة مثل هل التعليم يرفع الدخل؟ وهل يعزز المهاجرون الإنتاجية؟ أظهر كل من كارد وأنجريست وإمبينز أننا يمكن أن نكون أكثر طموحا.
في عام 1992، رفعت نيوجيرسي الحد الأدنى للأجور من 4.25 دولار إلى 5.05 دولار للساعة. هل يمكن أن يجعل ذلك أجور بعض عمال الوجبات السريعة مرتفعة للحد الذي يجعل المرء يفكر مرتين قبل توظيفهم؟ رصد كارد وألان كروجر تجربة طبيعية: يقع شرقي بنسلفانيا بجوار نيوجيرسي، مع اقتصاد مماثل، لكن بنسلفانيا لم تغير الحد الأدنى للأجور. قارن كارد وكروجر التوظيف في نيوجيرسي وشرقي بنسلفانيا، ولم يجدا أي مؤشر على فقدان وظائف الوجبات السريعة عندما ارتفع الحد الأدنى للأجور في نيوجيرسي.
كان اكتشافا مؤثرا بشكل كبير، لكن ربما لم يكن الجزء الأكثر أهمية منه هو النتيجة، بل الدليل على أن الاقتصاديين يمكنهم العثور على بيانات للإجابة على أسئلة السياسة الجادة.
عالج أنجريست وكروجر مسألة دخل التعليم من خلال ملاحظة شذوذ في نظام التعليم في الولايات المتحدة. لنأخذ طفلين، أحدهما ولد في أواخر كانون الأول (ديسمبر) والآخر ولد بعد أسبوعين في أوائل كانون الثاني (يناير). يبدأ طفل كانون الأول (ديسمبر) المدرسة قبل عام كامل. مع ذلك، يمكن أن يترك كلا الطفلين المدرسة بشكل قانوني في عيد ميلادهما الـ16 بفاصل أسبوعين. يبدو الاختلاف تافها، لكن في 1991 أظهر أنجريست وكروجر أن أطفال كانون الثاني (يناير) يقضون وقتا أقل بشكل ملموس في المدرسة ويكسبون أقل أيضا.
وبعض الأطفال فقط يتركون المدرسة عندما يبلغون 16 عاما ـ معظمهم لا يتركونها. هذا نموذجي للتجارب الطبيعية: بدلا من التخصيص العشوائي للأدوية العلاجية والوهمية، تحدد التجارب الطبيعية شيئا أكثر غموضا بشكل عشوائي، مثل فرصة ترك المدرسة في وقت أقرب.
إنها مشكلة إحصائية، لكن إمبينز وأنجريست، طورا مجموعة أدوات لمساعدة الباحثين على تمييز العلاقات السببية الواضحة من التجارب الطبيعية الغامضة. أصبح الاقتصاد مجالا مليئا بالنتائج التجريبية الذكية، معظمها يقف على أسس وقواعد أنجريست وإمبينز.
جائزة نوبل التذكارية لهذا العام حلوة ومرة. إنها تذكير بانتحار ألان كروجر في 2019. شارك كروجر في تأليف عديد من الأوراق التي استشهدت بها لجنة نوبل.
إنها أيضا توضيح صارخ للفجوة بين الخطاب السياسي وأفضل عمل للكشف عن البيانات. مثلا، إحدى الأوراق البحثية الأكثر تأثيرا لكارد تتطرق إلى أهم موضوع في السياسة البريطانية اليوم: هل يمكنك رفع الأجور عن طريق تقييد الهجرة؟ يقول رئيس الوزراء بوريس جونسون إنه يستطيع، وسيفعل ذلك.
توضح البيانات قصة مختلفة. درس كارد رحلة مارييل بالقوارب، وهي نزوح جماعي لـ125 ألف شخص من كوبا إلى الولايات المتحدة في 1980. وصل معظم هؤلاء الأشخاص وبقوا في ميامي، وكان معظمهم معدومي المهارات نسبيا.
على الرغم من زيادة القوى العاملة غير الماهرة في ميامي نحو 20 في المائة على مدار بضعة أشهر، لم يجد كارد أي علامة على أن الأجور لغير المهرة في ميامي كانت منخفضة. بدلا من استخدام تدفق العمال لخفض الأجور، وجدت شركات ميامي طرقا لتوظيف هؤلاء العمال الجدد.
إنها مجرد دراسة واحدة، لكن عمل كارد دفع الاقتصاديين إلى إعادة التفكير في نماذج مبسطة للهجرة. يشير ميزان الأدلة الآن إلى أن المهاجرين من المرجح أنهم يزيدون الإنتاجية بدلا من قمعها.
العالم مليء بالبيانات المثيرة للاهتمام، لكنه ليس مليئا بالتجارب الخاضعة للرقابة الصارمة. من السهل جدا انتقاء الإحصائيات الغادرة للقول إن عمليات الإغلاق تتسبب بفيروس كوفيد. لكن ليس من الأفضل بكثير رفض الأدلة تماما، وطمأنة الناس بأن السجائر ربما تكون آمنة لأن الارتباط لا يعني السببية.
نستطيع فعل ما هو أفضل. كما قال كروجر ذات مرة، “فكرة تحويل الاقتصاد إلى علم تجريبي حقيقي، حيث يمكن رفض النظريات الأساسية، هي فكرة ثورية كبيرة”.
بهذه الطريقة من الممكن حقا تحويل الإحصائيات إلى استبصار. وعلينا أن نحاول.

فايننشال تايمز – تيم هارفورد

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى