الرئيسيةريادة

نصيحة خبيرة عالمية: علموا أولادكم أساسيات التمويل في الصغر

شارك هذا الموضوع:

العالم، من الناحية المالية، كان يبدو ذات مرة مكانا بسيطا وبريئا، كان المدخرون يستطيعون وضع أموالهم في حسابات مصرفية وكسب نسبة فائدة معقولة، وبناء عشهم مع مرور الوقت. كان العاملون يكدحون في البلدان المتقدمة مع معرفتهم أن التقاعد سيلبي احتياجاتهم من خلال المعاشات التقاعدية المدعومة من قبل صاحب العمل والدولة.
منذ أن بدأت آنا ماريا لوساردي، الاقتصادية الإيطالية المقيمة في الولايات المتحدة، وهي خبيرة عالمية في المعرفة المالية وأستاذة في جامعة جورج واشنطن، تكريس حياتها المهنية لدراسة المعرفة المالية تلاشت هذه الحقائق المطمئنة. الآن يجب على العامل العصري العادي في بلد غني أن يتحمل المسؤولية الكاملة لضمان حصوله على المصادر الكافية لتغطية تكاليف حياته خلال فترة الشيخوخة.
في الولايات المتحدة 1980 كان نحو 40 في المائة من جميع خطط المعاشات التقاعدية عبارة عن مساهمات محددة، ما يعني أن قيمتها تعتمد على كمية الأموال، التي يدفعها العامل خلال حياته المهنية. وبحلول مطلع الألفية، ازدادت النسبة إلى 90 في المائة. بالنسبة لمعظم العاملين من جيل الألفية تعد فكرة أن صاحب العمل سيمول تقاعدهم لا تعدو كونها إحدى مخلفات القرن الـ20.
في الوقت نفسه، أصبحت القرارات المالية، التي يجب على الناس اتخاذها للادخار من أجل التقاعد أكثر تعقيدا إلى حد كبير، إذ تعني أسعار الفائدة القريبة من الصفر أن المدخرين لن يكونوا قادرين على تخزين أموالهم في حساب مصرفي ممل ويتوقعون أن ينجو من ويلات التضخم بمرور الوقت. في البحث عن فوائد أعلى، بدأ مزيد ومزيد بالتوجه لسوق الأسهم بصفتها وسيلة ادخار معقولة طويلة الأمد، لكنها تنطوي على عديد من الفرص لارتكاب أخطاء كارثية.
تقول لوساردي: “يواجه الشباب وضعا ماليا أشد تعقيدا مما واجهه آباؤهم. عاش جيل والدي في عصر التضخم، الذي سدد ديونهم، وكان لديهم معاشات تقاعدية جيدة، وكانت استثماراتهم في الأسواق المالية بسيطة جدا. ويواجه الشباب تحديات كبيرة. يجب أن يكون المعاش التقاعدي خاصا بشكل جزئي على الأقل. وتعني التركيبة السكانية الحالية حول العالم أن الحكومات لن تكون قادرة على صرف المعاشات التقاعدية، التي كانت تمنح للأجيال السابقة”.
بالنسبة للوساردي يعني كل هذا أن الحاجة إلى تعميم التعليم حول كيفية ادخار الأموال وإدارتها أصبحت أهم من أي وقت مضى، لكن عندما بدأت هي وزملاؤها قبل 20 عاما محاولة قياس مدى معرفة الأمريكيين بأمورهم المالية الخاصة، أدركوا أنه لم يكن موضوعا يؤخذ بجدية خاصة من قبل الاقتصاد السائد.
تقول: “عندما بدأنا بمناقشة المعرفة المالية في الدوائر الأكاديمية، كان الناس يفكرون: لماذا تعملون على موضوع غير ذي صلة كهذا؟ يعتقد الاقتصاديون أن المعرفة المالية مهمة، لكنهم يفترضون أنه حين يواجه شخص ما قرارا ماليا مهما حقا، فإنه يجد سبيلا لاتخاذ القرار الصحيح والعقلاني بأي طريقة كانت. لكننا رأينا أن هذا غير صحيح، لأن الناس يتخذون قرارات خاطئة”.
سعت لوساردي إلى إيجاد طرق لقياس المعرفة المالية الأساسية عند الأمريكيين، لكنها سرعان ما اكتشفت أن البيانات المتوافرة قليلة جدا. على الرغم من ذلك، اكتشفت هي وزملاؤها أن دراسة الصحة والتقاعد في الولايات المتحدة لعام 2004، وهي دراسة استقصائية تغطي الأشخاص فوق عمر 50 عاما، تضم أسئلة تقيس أساسيات الحساب والمعرفة المالية. باستخدام الإجابات عن هذه الأسئلة حاولوا استنتاج المستوى الأساسي للتعليم المالي في هذا الجزء المهم من السكان في الولايات المتحدة. لم تكن النتائج مشجعة.
تمكن نحو النصف فقط من مواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذين شاركوا في الاستطلاع (أولئك الذين كانت أعمارهم تراوح بين 51 و56 عاما في وقت إجراء الدراسة الاستقصائية)، ممن لديهم أكبر نسب من المدخرات، والأصول المالية، والخبرة المالية الواسعة، كانوا قادرين على الإجابة عن سؤال يتعلق بقسمة مليوني دولار على خمسة. كان المستجيبون أفضل في الإجابة عن السؤال: “إذا كانت فرصة التعرض لمرض هي 10 في المائة، فما عدد الأشخاص المتوقع إصابتهم من بين ألف شخص؟”. كانت نسبة الإجابة الصحيحة تقارب 80 في المائة. لكن عندما تعلق السؤال بحساب الفائدة المركبة على حساب مصرفي خلال عامين كان أقل من 20 في المائة قادرين على فعل ذلك.
وجد عمل لوساردي أيضا أن المعرفة المالية بين الأشخاص الأكبر والأكثر ثراء غير مكتملة، وكان الأمر أسوأ بين الشباب، في الوقت نفسه أدى انفجار التداول اليومي عبر الإنترنت والمضاربة على العملة المشفرة إلى أن يكون الشباب أكثر عرضة للتضحية بمدخراتهم أو حتى الدخول في ديون مرتبطة بالتداول، أكثر من أي وقت مضى.
تقول: “يظهر بحثي أن لدى الشباب مستويات منخفضة جدا من المعرفة المالية، مقارنة بالأعمار الأخرى، وهو أمر واضح إلى حد ما لأن الشباب لديهم خبرة قليلة”.
“كنت أخيرا في مؤتمر في جبال الألب النمساوية، وفوجئت بعدد الشباب المهتمين بالعملة المشفرة. كان الوقت خلال الجائحة هو الوقت، الذي كان سيضطر فيه الأشخاص إلى وضع مزيد من المدخرات جانبا، وفي الوقت نفسه، تشعر بالقلق من أن يسعى الناس لتحقيق عوائد أعلى دون أن يدركوا أنهم يقدمون على كثير من المجازفة. الجميع عبقري عندما ترتفع السوق، لكن الأمر المهم هو ما يحدث عندما تهبط”.
أظهر عملها أيضا أن الثراء وكسب مبلغ كبير من المال في فترة قصيرة من الوقت لا يحول دائما دون ارتكاب الناس أخطاء مالية.
كان أحد الأبحاث، التي تعاونت عليها لوساردي يدور حول دراسة العادات المالية للاعبي كرة القدم، الذين يكسبون ملايين الدولارات قبل أن ينهار دخلهم بمجرد اعتزالهم في عمر مبكر جدا، مقارنة بالسكان عامة. وجد البحث أنه على الرغم من كسبهم أكثر من متوسط الدخل، فإن عدد لاعبي الرابطة الوطنية لكرة القدم المعتزلين لديهم احتمالات مشابهة أو أعلى للإفلاس، مقارنة بمتوسط الشباب الحاصلين على تعليم جامعي.
نتيجة أخرى مثيرة للاهتمام، وإن كانت غير بدهية، تمخض عنها عمل لوساردي هي أن الأشخاص ذوي التعليم العالي، الذين يحملون مؤهلات دراسات عليا، معرضون بالمثل لنقص المعرفة المالية الأساسية واتخاذ قرارات مالية مدمرة.
تقول لوساردي: “لربما يكون الأطباء أسوأ الجناة. إنهم أغنياء، لكنهم ليسوا دائما على دراية بأموالهم، وغالبا ما يتعرضون لخطر الوقوع ضحايا لعمليات الاحتيال”.
بالنظر لهذا الدليل على ضعف المعرفة الادخارية العامة، قامت لوساردي بتطبيق بحثها بشكل واسع لتعزيز التوسع في التعليم المالي في المدارس حول العالم مجال لا يزال كثير من المناهج الدراسية الوطنية يتجاهله. وقد تم تعيينها مستشارة للحكومة الإيطالية في التعليم المالي 2017، وعملت أيضا في مكتب التعليم المالي في وزارة الخزانة الأمريكية.
بدأت لوساردي العمل 2019 على مشروع تعليمي في بالييتا، وهي بلدة صغيرة في منطقة أبروتسو في إيطاليا، حيث قامت جنبا إلى جنب مع مدرسة محلية وخبراء آخرين بإلقاء خطابات حول مواضيع المعرفة المالية في قاعة البلدية، للأطفال، والآباء، والأجداد.
عملت مبادرة لوساردي في المدرسة المحلية على حث الطلاب لمناقشة أفكار تجارية، ووضع خطط مالية تفصيلية لمشاريعهم المحتملة. بدأ بعض الطلاب الأكبر سنا بزراعة الخضراوات وبيعها في السوق المحلية لفهم كيفية إدارة عمل تجاري حقيقي بشكل أفضل. وبمساعدة من المدرسة، حصل بعض الطلاب العام الماضي على قرض من بنك محلي لتمويل شراء قطعة أرض لزراعة محاصيلهم.
قالت ستيلا مارشيونو، إحدى المنظمين المحليين في بالييتا، إن الأطفال في المدرسة سيتعلمون عن المنتجات المالية الصغيرة التي تبدو غير ضارة، والتي من الممكن أن يضطروا إلى شرائها لاحقا في الحياة، مثل بوالص التأمين. سينقسمون إلى مجموعات ثنائية ويأخذ طفل دور البائع، ليشرح عن المنتج، ويطرح الآخر الأسئلة عليه.
قالت مارشيونو: “إن هذه المبادرة شديدة الأهمية للأطفال، لأنهم في المدرسة العادية لا يتعلمون هذه الأمور عادة، لقد كانوا متحمسين للغاية، وقدموا أفكارهم الخاصة وأجروا كثيرا من الدراسة بمفردهم أيضا”.
تقول لوساردي إنها تؤمن الآن أن التعليم في عمر الطفولة بالغ الأهمية للمعرفة المالية، عندما كانت تكبر في إيطاليا، كان والدها– وهو رجل أعمال– يصحبها معه في كثير من الأوقات إلى اجتماعات العمل. تقول إن هذا يعني أنها خاضت حوارات حول المال في سن مبكرة جدا.
“دائما ما كان لدي هذا التعرض، النقاشات حول الاقتصاد والتمويل أمران كنت أمارسهما دائما في منزلي. لم أكن أدرك حينها مدى أهمية الجلوس هناك والتعرض لتلك الأفكار”. تقول ليس كل الأطفال محظوظين بالقدر نفسه، ما يعني أن التعليم المنتشر في المدارس هو الطريقة الوحيدة لتزويد الأشخاص بالأدوات المناسبة لإدارة أموالهم الخاصة بشكل فعال.
التعليم المالي في المدارس حول العالم مجال لا يزال كثير من المناهج الدراسية الوطنية يتجاهله
لاعبو كرة القدم يكسبون ملايين الدولارات لكن دخلهم ينهار بمجرد اعتزالهم في عمر مبكر جدا

فايننشال تايمز – مايلز جونسون

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى