الرئيسيةريادة

كيف نجت “تاتا” عبر العصور؟

شارك هذا الموضوع:

في عام 1868، وظف روبرت نابير، القائد البريطاني الاستعماري في الهند، موردين محليين لتوفير قوة مستعدة لسحق إمبراطور الحبشة عبر بحر العرب. لقد سرقوه، واحتكروا الأسواق ورفعوا أسعار “كل شيء من البغال إلى الجمال إلى الفحم”. أدى تفشي “التداول من الداخل والفساد” إلى إجراء تحقيق برلماني.
وكان تاجر الأفيون البارسي نوسروانجي تاتا من بين الموردين. كيف استمرت عائلته في بناء مجموعة تاتا الحديثة هو موضوع كتاب جديد للمؤرخ ميرسيا رايانو. يقترح رايانو أن مركزية مجموعة تاتا في تاريخ الهند الحديث تتجاوز إمبراطوريات الشركات الأخرى مثل سواير في هونج كونج أو أنجلو أمريكان في جنوب إفريقيا.
كانت رائدة في الصناعات المحلية الثقيلة مثل الصلب، وموجودة في عشرات الأعمال التجارية من الشاي إلى التكنولوجيا. لقد اجتازت السياسات المضطربة في الهند، من الحكم الاستعماري إلى الاشتراكية، ولا تزال أكبر تكتل في الهند. وبفضل تملكها لمصنع مثل جاكوار لاند روفر، أصبحت أكبر صاحب عمل صناعي في المملكة المتحدة.
“تاتا” تجسد التناقضات. إن سجلها الخيري الهائل، الذي لا مثيل له من قبل الشركات الهندية الأخرى، جعل من تاتا “مثالا للنزاهة والتميز في مجتمع فاسد”. ومع ذلك فقد كانت في معظم تاريخها محتكرا يتصرف مثل “قوة شبه سيادية”. أطلق عليها أحد النقابيين في عشرينيات القرن الماضي لقب “الملك الأعمى” في “مدينة الظلام”.
كتاب رايانو، وهو الأول من قبل مؤرخ أكاديمي ينقب في أرشيف الشركة، يحاول شرح صعودها وطول أمدها دون اللجوء إلى صناعة قصص خيالية خاصة بها.
أعضاء الأقلية الفارسية القديمة في الهند – الزرادشتيون الذين هاجروا من بلاد فارس منذ 1000 عام – ازدهرت عائلات مثل عائلة تاتا خلال الحكم البريطاني، ويعود الفضل في ذلك جزئيا إلى مكانتها الحدية في الطبقة الاجتماعية والنظام الاجتماعي الهندي.
تتماشى الحكايات مثل قضية الحبشة بشكل محرج مع صورة تاتا الحديثة، لكنها تكشف عن العالم الإمبراطوري التجاري الفوضوي في القرن الـ19 الذي نشأت منه.
يجادل رايانو بأن المجموعة ازدهرت بفضل أجهزتها الشبيهة في الدولة، وبناء مدن الشركات، ومنح الجامعات حتى إنشاء خدمات تاتا الإدارية، التي تعد نسخة طبق الأصل للخدمة المدنية في الهند.
وقد ساعد ذلك في جمع ما يكفي من القوة لحمايتها من تغير الرياح السياسية. حافظت تاتا على تسوية غير مريحة مع الحكم البريطاني، واستجابت بحذر للقوميين المؤيدين للمهاتما غاندي. عملت داخل ولاية جواهر لال نهرو الاشتراكية، على الرغم من إحراقها عندما قام أول رئيس وزراء في الهند بتأميم شركة تاتا إير إنديا في 1953.
تتعامل المقاطع الأكثر إثارة للاهتمام في الكتاب مع البناء الخيالي لشركة تاتا في جامشيدبور، وهي مدينة بنتها شركة لعمال الصلب في المناطق الريفية الداخلية للهند التي جسدت تطلعاتها السيادية.
مستوحاة من نظرية المدن الحدائقية، كانت “تاتا” تأمل في توفير سكن جيد وجودة حياة، وهي رائدة في أفضل الممارسات الصناعية مثل العمل ثماني ساعات خلال أيام العمل.
مع ذلك، مثل كل المساعي لتحقيق مدينة مثالية، فقد أخفت الغرائز المظلمة، وأظهرت سمات استعمارية للمشروع في الكتاب. أزاحت “تاتا” السكان المحليين من قبيلة أديفاسي لبناء المدينة. كانت جهودها لتوليد أخلاقيات عمل رأسمالية بينهم مليئة بالتفوق العرقي. كان جامشيدبور “غارقا في العنف والمكائد السياسية”، حيث قام المديرون بمضايقة نساء الأديفاسي وأطلقت الشرطة النار على المضربين.
في النهاية، أثبتت أرشيفات الشركة منظورها الضيق للغاية الذي يمكن من خلاله فهم العالم الذي تعمل فيه “تاتا”. أكثر ما يثير الاهتمام هو عندما تتجاوز الحسابات من أعلى إلى أسفل لمديري الشركة التنفيذيين، مثلا من منظور أديفاسي، لكنهم قليلون.
يقر رايانو نفسه بالقيود المفروضة على أرشيفات الشركات، بما في ذلك احتمال “إتلاف السجلات أو إخفائها عمدا” لإخفاء حقائق غير مريحة، مثل جذور شركة تاتا لتجارة الأفيون. مع ذلك، يقوم الكتاب بتخطي هذه الأحداث الرائعة والمفيدة.
تتناول أجزاء من الكتاب المناقشات التاريخية التي قد لا تكون ذات أهمية للقارئ العام، وتلاشت الرواية في أواخر السبعينيات من القرن الماضي بخاتمة موجزة غير مرضية توصلنا إلى الحاضر.
يلاحظ رايانو أن “تاتا” لم تعد في طليعة رواد الأعمال في الهند. أمثال شركة موكيش أمباني” ريلاينس اندستريز” ومجموعة جوتام أداني التي تحمل اسمه، مع استثماراتهم في الاتصالات والطاقة المتجددة، يستحقون أكثر أن يدعوا بأنهم “بناة الأمة” اليوم.
يمثل هؤلاء الأباطرة طريقة مختلفة لممارسة الأعمال التجارية، وهي طريقة أثارت الذعر. إنهم يفتقرون إلى ازدواجية “تاتا” بشأن الدولة، وينحازون بلا خجل إلى ناريندرا مودي، ويشاركون القليل من مخاوف “تاتا” المحافظة حول “تكوين الثروة من أجلها”.
لكن سرد كيفية سيطرة مجموعة واحدة على اقتصاد الهند خلال معظم الأعوام الـ150 الماضية، يجعل الكتاب يستحق القراءة لأولئك الذين يفكرون فيما إذا كانت الرأسمالية وقوة الشركات في الهند تدخل حقبة جديدة.

فايننشال تايمز

صحيفة بريطانية دولية تتحدث عن الأعمال، يتم نشرها في لندن منذ تأسيسها في عام 1888 من قبل جيمس شيريدان وأخوه. هناك اتفاق خاص بين فايننشال تايمز وصحيفة الاقتصادية السعودية يتم بموجبها ترجمة لأهم مقالاتها يوميا

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى