الرئيسيةمقالات

استبداد جداول البيانات.. قصة من تاريخ المحاسبة وعلم الأوبئة

هاشتاق عربي - فايننشال تايمز - تيم هارفورد

شارك هذا الموضوع:

في أوائل أكتوبر الماضي رن هاتفي. على الخط، كانت هناك باحثة تتصل من Today، البرنامج الإذاعي الصباحي المشهور بأنه يحدد الأجندات وتبثه هيئة الإذاعة البريطانية BBC. أخبرتني أن شيئا غريبا قد حدث، وأعربت عن أملها في أني ربما أتمكن من شرح ذلك.

اختفى ما يقرب من 16 ألف حالة إيجابية لكوفيد تماما من نظام تتبع المخالطين في المملكة المتحدة. كان يجب تحذير هؤلاء الـ 16 ألف شخص من أنهم مصابون وخطر على الآخرين، وكان من المفترض أن يكون هناك 16 ألف حالة من متتبعي المخالطين يركضون لمعرفة أين ذهب المصابون، ومن التقوا ومن غيرهم ممن قد يكونون معرضين للخطر. لم يكن يحدث أي من ذلك.

لماذا اختفت الحالات؟ على ما يبدو، برنامج مايكروسوفت إكسل نفد من الأرقام.

كانت قصة مذهلة ستقودني، بمرور الوقت، إلى الخوض في تاريخ المحاسبة وعلم الأوبئة والتلقيح، ومناقشة تنسيق الملفات مع بيل جيتس مؤسس “مايكروسوفت”، وحتى تتبع آثار الصدمات الارتدادية لانهيار شركة إنرون. لكن قبل كل شيء، كانت قصة من شأنها أن تعلمني شيئا عن الطريقة التي نأخذ بها الأرقام كأمر مسلم به.

الآن، مع إعادة فتح المملكة المتحدة مؤقتا على خلفية ارتفاع الحالات بسرعة، نأمل أن تحافظ اللقاحات على سلامتنا. تمت الطنطنة باللقاحات عن حق على أنها انتصار علمي. تم تطويرها ونشرها على نطاق بطولي.

لكن في سبتمبر وأكتوبر، عندما كانت المملكة المتحدة تفتح أبوابها مجددا على خلفية مماثلة بشكل لافت للنظر لارتفاع الحالات، لم يكن لدينا لقاح لحمايتنا. بدلا من ذلك، كنا نحاول الدفاع عن أنفسنا بالبيانات. ولا يبدو أننا مغرمون بالبيانات كما نحن مغرمون الآن باللقاحات. هذا عار، لأنه عندما تعتمد على الأرقام للحفاظ على سلامتك، من المهم أن تبذل بعض الجهد للحفاظ على أرقامك صحيحة.

يمكن تتبع أصل برنامج إكسل إلى ما هو أبعد من أصل “مايكروسوفت”. في أواخر القرن الـ 13 الميلادي، كانت الحاجة إلى نظام قوي للحسابات واضحة في ثورات رجل واحد خصوصا، تاجر منسوجات إيطالي يدعى فرانشيسكو دي ماركو داتيني. كان داتيني المسكين محاطا بالحمقى. وبخ أحد مساعديه بقوله: “لا يمكنك رؤية غراب في وعاء مليء بالحليب”. ووبخ آخر: “يمكن أن تضل طريقك من أنفك إلى فمك”.

كتاب أيريس أوريجو النابض بالحياة يتحدث عن الحياة اليومية لداتيني ويشرح مشكلته: تتبع كل شيء في عالم معقد. بحلول نهاية القرن الـ 14، كان التجار مثل داتيني قد تقدموا من مجرد بائعين مسافرين قادرين على تتبع الأرباح عن طريق التربيت على محافظهم. كانوا الآن مسؤولين عن عمليات معقدة.

على سبيل المثال، طلب داتيني الصوف من جزيرة مايوركا قبل عامين من نمو الصوف على الخراف، وهو تحوط كي يحتاط للعدد الكبير من المقاولين من الباطن الذين سيعالجونه قبل أن يصبح لفات جميلة من القماش المصبوغ. امتدت سلسلة التوريد بين الراعي والمستهلك عبر برشلونة وبيزا والبندقية وفالنسيا وشمال إفريقيا والعودة إلى مايوركا. استغرق الأمر أربعة أعوام بين الترتيب الأولي للصوف والبيع النهائي للقماش.

لا عجب أن داتيني أصر على الوضوح المطلق حول مكان وجود منتجه في أي لحظة، فضلا عن أمواله. كيف استطاع؟ جداول البيانات.

وبالطبع لم يستخدم داتيني “إكسل” عام 1396. لكنه استخدم سلفه المباشر: أوراق تم وضعها وفقا لنظام مسك الدفاتر مزدوج القيد، والمعروف باسم مسك الدفاتر. في إمساك الدفاتر مزدوجة القيد، يتم إجراء كل إدخال مرتين. (الدليل في الاسم) على سبيل المثال، إذا أنفقت 100 فلورين على الصوف، يتم تسجيل ذلك كائتمان 100 فلورين في حسابك النقدي، وخصم 100 فلورين من الصوف في حساب الأصول الخاص بك.

هذا الجهد الإضافي المتمثل في تسجيل كل شيء مرتين يجعل اكتشاف الأخطاء أسهل بكثير. إذا وقع خطأ، فلن تتوازن الدفاتر. أصبح مسك الدفاتر مزدوج القيد طريقة أساسية لتتبع من يدين بشيء معين ومن هو صاحب الدين، ومعاملات الصرف الأجنبي، والأرباح، والخسائر، وكل شيء. وهذا ساعد داتيني والتجار أمثاله على ضمان عدم فقد أي شيء، بغض النظر عن مدى عدم كفاءة شركائهم.

بعد قرن من ذلك، كان لوكا باشيولي رئيس التسجيل في القيد المزدوج. كان عالم رياضيات جادا وصديقا لليوناردو دافنشي. لكنه معروف اليوم بأنه أشهر محاسب عاش على الإطلاق. فقد كتب حرفيا الكتاب الرئيس عن طريقة القيد المزدوج عام 1494. نصح باشيولي ذات مرة: “إذا لم تستطع أن تكون محاسبا جيدا، فستتلمس طريقك للأمام مثل رجل أعمى وقد تلتقي بخسائر فادحة”.

لا يتعين علينا قبول التشبيه غير الحساس من باشيولي لفهم وجهة نظره: الحياة أسهل عندما ترى العقبات والفرص من حولك. تظهر لنا الروايات الجيدة بوضوح ما يمكن أن يكون غير مرئي بخلاف ذلك. لكن إذا لم تتمكن من الاحتفاظ بجداول البيانات الخاصة بك في نصابها الصحيح، فقد تتعرض لخسائر كبيرة.

بعد ما يقرب من 500 عام، وفي عام 1978، جلس طالب يدعى دان بريكلين في فصل دراسي في كلية هارفارد للأعمال. بينما كان يشاهد أستاذه في المحاسبة يملأ الصفوف والأعمدة على السبورة، خطرت على باله فكرة. في كل مرة يقوم الأستاذ بإجراء تغيير، عليه العمل عبر الشبكة وأسفلها، ومسح وإعادة كتابة الأرقام الأخرى لجعل كل شيء يستقيم معا.

عرف بريكلين أن هذا المسح وإعادة الكتابة كان يحدث كل يوم، ملايين المرات في اليوم، في جميع أنحاء العالم، حيث قام موظفو المحاسبة بتعديل الإدخالات في ما أطلقوا عليه جداول البيانات: أوراق كبيرة منتشرة على صفحتين من دفتر الأستاذ المحاسبي.

بريكلين، الذي كان مبرمجا مهووسا وسابقا فكر على الفور: “يمكنني القيام بذلك على جهاز كمبيوتر”. كما وصف ستيفن ليفي في فيلم كلاسيكي في منتصف الثمانينيات في هاربر، كان الباقي تاريخا. بريكلين وصديقه أطلقا على برنامج جداول البيانات اسم VisiCalc. تم طرحه للبيع في 17 أكتوبر 1979. وكان نجاحا ساحقا وسرعان ما تبعه “لوتس 1-2-3″، وفي الوقت المناسب، تبعه “إكسل”.

بالنسبة للمحاسبين، كانت جداول البيانات الرقمية ثورية، حيث استبدلت ساعات من العمل الشاق ببضع نقرات على لوحة المفاتيح. لكن بعض الأشياء لم تتغير. لا يزال المحاسبون يتلقون تدريبهم المهني ونظام القيد المزدوج. لم تفعل بقيتنا ذلك، لكن هذا لم يمنع “إكسل” من أن يصبح في كل مكان. لقد كان، بعد كل شيء، سهل الوصول وكان مرنا، أداة مثل سكين الجيش السويسري لكن للأرقام، جالسا في جيبك الخلفي الرقمي. يمكن لأي أحمق استخدامه. ولا عجب أننا فعلنا.

لا أحد يعرف حقا ما حدث للحالات الإيجابية الـ 16 ألف الذين أصيبوا بكوفيد التي اختفت من جدول البيانات. لم تنشر هيئة الصحة العامة في إنجلترا PHE، وكالة حكومية مسؤولة عن هذه العملية، أي شيء غني بالمعلومات حول هذه المشكلة. قالوا لي: “الاقتراح بأن أي حالات فقدت هو ببساطة غير صحيح. لم يتم تفويت أي حالات. كان هناك تأخير في إحالة الحالات لتتبع المخالطين والإبلاغ عنها في الأرقام الوطنية”.

كان هذا التأخير عادة أربعة أو خمسة أيام، وهو طويل بما يكفي لجعل نتيجة الاختبار عديمة الفائدة تقريبا. إذا أضعت جواز سفري مباشرة قبل العطلة ثم وجدته بعد خمسة أيام من الإقامة في المنزل بدلا من ذلك، فأنا لست متأكدا من أنني سألوح به منتصرا في الهواء وأعلن: “الاقتراح بأن جواز سفري قد ضاع هو ببساطة غير صحيح”.

بالنسبة لنظام تتبع المخالطين، حين يفقد لمدة خمسة أيام فمعنى ذلك أنه ضاع. السؤال: كيف ضاعوا؟

في مكان ما في مسار بيانات PHE، استخدم شخص ما تنسيق ملف “إكسل” غير الصحيح، أي XLS بدلا من XLSX الأحدث. وجداول بيانات XLS ببساطة لا تحتوي على هذا العدد الكبير من الصفوف: 2 أس 16، نحو 64 ألف صف. هذا يعني أنه خلال بعض العمليات الآلية، اختفت الحالات من أسفل جدول البيانات، ولم يلاحظها أحد.

يمكن للجميع رؤية الجانب المضحك من الحادث. كانت فكرة نفاد المساحة لوضع الأرقام مسلية بشكل قاتم. حقيقة أن “مايكروسوفت” لم تكن قط ما يتصوره أي شخص عن الفكرة الرائعة أضافت ببساطة إلى السخافة. بدأ Clippy، المساعد الآلي الخبيث من Office 2000، في إجراء الجولات باعتباره meme: “يبدو أنك تحاول تتبع جائحة عالمية. هل تحب أن أساعدك؟”.

بعد أسابيع قليلة من فضيحة فقدان البيانات، وجدت نفسي قادرا على سؤال بيل جيتس نفسه عما حدث. لم يعد جيتس يدير “مايكروسوفت”، وكنت أجري معه مقابلة حول اللقاحات لبرنامج “بي بي سي” بعنوان “كيفية تطعيم العالم”. لكن فرصة الحصول على قليل من المرح لاستجوابه حول XLS وXLSX كانت جيدة جدا حيث لا يمكن تفويتها.

عبرت عن السؤال بأكبر قدر ممكن من الإملال والافتقار إلى الكفاءة، وكان رد جيتس بطريقة أخلاقية تقليدية للغاية لدرجة أنني اضطررت إلى الابتسام: “أعتقد أنهم تجاوزوا الحد البالغ 64 ألفا، وهو غير موجود في الشكل الجديد”. طبعا هذا ما حدث بالتأكيد. ثم أضاف جيتس: “من الجيد أن يقوم الناس بالتحقق من الأشياء أكثر من مرة، وأنا آسف لحدوث ذلك”.

من غير الواضح بالضبط كيف تم استخدام تنسيق XLS القديم. أرسلت لي PHE تفسيرا، لكنه كان غامضا إلى حد ما. لم أفهم ذلك، لذا عرضته على بعض أعضاء Eusprig، مجموعة مخاطر جداول البيانات الأوروبية. هؤلاء يقضون حياتهم في تحليل ما يحدث عندما تنفلت جداول البيانات. هؤلاء الناس الذين هم على شاكلتي. لكنهم لم يفهموا ما قالته لي PHE. كان كل شيء يفتقر إلى التفاصيل.

اتفقوا على أن المشكلة الأساسية أنه مهما كان الخطأ الذي ارتكبته PHE، فإنه لا يحتوي على عمليات الفحص والضوابط الصحيحة للإبلاغ عن المشكلات. أو كما قال جيتس، “من الجيد أن يقوم الناس بالتحقق من الأشياء أكثر من مرة”.

جرى تصميم جداول البيانات الورقية الأصلية لمساعدتنا على عدم فقدان طريقنا، وقد يتخيل المرء بطبيعة الحال أن جدول البيانات الرقمي ليس أسرع فحسب، بل أكثر دقة. أليس كذلك؟ يأتي أحد الأدلة من دراسة رائعة أجرتها عالمة الكمبيوتر فيلين هيرمانز. قبل بضعة أعوام أدركت هيرمانز أن هناك مصدرا وفيرا لجداول البيانات التي تستطيع دراستها. كان هذا المصدر “إنرون”، شركة الطاقة المفلسة.

بعد انهيار “إنرون” عام 2001 وسط فضيحة محاسبية ملحمية، استخرج المنظمون ذاكرة تخزين مؤقت تشتمل على نصف مليون رسالة بريد إلكتروني من خوادم الشركة. أصبحت رسائل البريد الإلكتروني هذه متاحة للجمهور الآن وقد تمت دراستها من قبل باحثين يحاولون فهم كل شيء بدءا من تطور اللغة المكتوبة غير الرسمية إلى طريقة استخدام الأشخاص لملفات البريد الإلكتروني. كانت هيرمانس مهتمة بما تم إرفاقه ببعض رسائل البريد الإلكتروني هذه: جداول البيانات.

بدأت في التنقيب فيها، ليس البحث عن الاحتيال، لكن عن جداول البيانات التي تحتوي على أخطاء واضحة مثل المراجع المفقودة أو الدائرية. حين نظرت في نحو عشرة آلاف جدول بيانات أخرى تحتوي على حسابات، وجدت أن ربعها يحتوي على خطأ واحد على الأقل من هذا القبيل. وكان يبدو حتى أن الأخطاء تتضاعف. إذا كان أحد جداول البيانات يحتوي على أي أخطاء على الإطلاق، فإنه يحتوي في المتوسط على أكثر من 750.

كيف يمكن لجدول أن يكتسب هذا العدد الكبير من الأخطاء؟ يشير مات باركر، مؤلف كتاب Humble Pi، وهو كتاب عن حالات الفشل الرياضية وعواقبها، إلى أن الجانب الوظيفي لبرنامج “إكسل” جنبا إلى جنب مع الافتراضات الخاطئة للمستخدمين غالبا ما تؤدي إلى حدوث أخطاء.

اكتب رقم هاتف دولي في “إكسل”، على سبيل المثال، ويقوم البرنامج بإزالة الأصفار البادئة، التي تكون زائدة على الحاجة في عدد صحيح رياضي لكن ليس في رقم هاتف. إذا كتبت بدلا من ذلك رقما تسلسليا مكونا من 20 رقما، فسيقرر “إكسل” أن هذه الأرقام الـ 20 كمية ضخمة ويقوم بتقريبها، وتحويل الأرقام القليلة الأخيرة إلى أصفار.

أو لنفترض أنك باحث في علم الوراثة تكتب اسم أحد الجينات مثل “Membrane Associated Ring-CH-Type Finger 1″، أو March1 باختصار، أو ربما جين Sept1. يمكنك تخيل ما سيفعله “إكسل” بعد ذلك. يحول أسماء الجينات المذكورة إلى تواريخ. قدرت إحدى الدراسات أن 20 في المائة من جميع أبحاث علم الوراثة بها أخطاء ناتجة عن التصحيح التلقائي لبرنامج إكسل.

دفاع “مايكروسوفت” بسيط بما يكفي: الإعدادات الافتراضية تهدف إلى العمل في سيناريوهات الحياة اليومية. طريقة مهذبة للقول: يا رفاق، لم يتم تصميم “إكسل” للباحثين في علم الوراثة. تم تصميمه للمحاسبين. لكن من المفهوم أن العلماء اختاروا برنامج “إكسل” وبدأوا في استخدامه. فهو قوي ومرن. وهو موجود في كل مكان. قد لا يكون الأداة المناسبة، لكنه الأداة الموجودة بكل سهولة.

عند استخدامه من قبل محاسب مدرب لإجراء مسك الدفاتر مزدوج القيد، وهو نظام راسخ مع اكتشاف أخطاء يحمل في ثناياه عوامل، فإن “إكسل” أداة احترافية تماما. لكن عند الضغط عليه للخدمة من قبل باحثي الوراثة أو متتبعي المخالطين، فإن الأمر يشبه استخدام سكين الجيش السويسري لتناسب المطبخ لأنها الأداة الأقرب إليك. ليس مستحيلا لكن لا أحد ينصح به.

ومع ذلك، عندما كان مجتمع أبحاث علم الوراثة يعترك مع قضية التصحيح التلقائي للجينات، استسلموا للحقيقة القاسية المتمثلة في أنهم لن يفطموا الناس أبدا عن برنامج إكسل. بدلا من ذلك، قرر المسؤولون -لجنة Hugo Gene Nomenclature- تغيير أسماء الجينات المعنية. القرار مفهوم. لكنه يوضح بدقة الالتواءات التي نمر بها نتيجة لمعاملة البيانات كفكرة لاحقة، مجرد شيء نضعه معا في جدول بيانات. هذا عار، لأن التاريخ يشير إلى أن المعلومات المدارة بشكل جيد يمكن أن تكون تحويلية.

قبل بضعة أشهر، سألت الناس على “تويتر” إن كان بإمكانهم التوصية ببعض الكتب الجيدة حول القضاء على الجدري. أوصى معظم الناس بكتب عن إدوارد جينر، الذي كان عام 1796 أول من أظهر لقاحا فعالا ضد الجدري. هذا أمر له دلالته، لأنني سألت عن القضاء على الجدري، ولم يتم القضاء على الجدري في عام 1796. ولا حتى على مسافة قريبة منه.

في حين أن الاستئصال كان مستحيلا دون لقاح عالي الفعالية، إلا أنه كان يتطلب استخداما فعالا للغاية للمعلومات. أو كما قال داتيني، فقد تطلب الأمر ألا تتوه في الطريق من أنفك إلى فمك.

منذ أن ظهر لقاح الجدري عام 1796، كان الناس يحلمون بالقضاء على المرض. لكن تلك الأحلام ظلت تفشل في أن تصبح حقيقة. في محاولة لتطعيم الكوكب بأسره، مرارا وتكرارا، لم يتمكن القائمون بالتحصين من الوصول إلى عدد كاف من الناس. في الدول الفقيرة، ظل الجدري باقيا في المناطق الريفية أو المجتمعات المهملة. ولد جيل من الأطفال دون أي مناعة وسرعان ما عاد المرض.

في منتصف الستينيات، كان الجدري لا يزال يقتل مليوني شخص سنويا. أعلنت منظمة الصحة العالمية أنها ستضاعف جهودها للقضاء على المرض وخططت للقيام بذلك من خلال تكثيف حملة التطعيم الشاملة. أحد الذين قادوا هذه الجهود كان بيل فويجي، عالم الأوبئة المولود في ولاية أيوا الذي كان يعرف الجدري جيدا لدرجة أنه تمكن من اكتشاف الحالات عن طريق الرائحة. (الجلد المتقرح له رائحة مميزة.) كان فويجي يظهر في قرية في شرق نيجيريا، بطوله الذي يزيد على المترين، وكان كبار السن ينشرون الكلمة، تعالوا وشاهدوا أطول رجل في العالم، وفعل الناس. يعتقد فويجي أنه قام بتلقيح 11.600 شخص خلال يوم واحد.

لم يكن ذلك كافيا للقضاء على الفاشيات الدورية. ثم، في أواخر عام 1966، تلقى فويجي رسالة إذاعية تحذر من تفشي مرض الجدري في قرية على بعد نحو 100 ميل. سافر إلى هناك وعثر على خمس حالات وقام بتطعيم كل من كانوا على اتصال بهم. (يظل لقاح الجدري فعالا حتى لو تم إعطاؤه بعد يوم أو أكثر من تعرض الأشخاص للفيروس). ومن ثم فإن الممارسة المعتادة تطعيم الجميع لأميال حول المنطقة. لكن فريق فويجي لم تكن لديه جرعات كافية.

بدلا من ذلك، استخدم الإذاعة والشبكة المحلية للمبشرين لاكتشاف حالات جديدة. كل مساء في الساعة السابعة، كانوا يشغلون الراديو وينشرون الكلمة. كلما تم الإبلاغ عن تفشي المرض، هرع فويجي وفريقه بسرعة إلى مكان الحادث وأعطوا اللقاحات. كان الأمل أوجد شيئا مثل عقبة تقف في وجه النار، لمنع المرض من الانتشار. وقد نجحت.

باستخدام هذا التكتيك، تمكن فريق فويجي من القضاء على الجدري من شرق نيجيريا في غضون ستة أشهر. كان ذلك عام 1967، وسرعان ما اجتاحت الحرب الأهلية البلاد. رغم الفوضى وسفك الدماء الهائل في تلك الحرب، لم يعد الجدري.

كان السر تقليل القلق بشأن التغطية الشاملة التي لم تكن كافية على الإطلاق والقلق أكثر بشأن العثور بسرعة على المكان الذي ظهر فيه كل تفشي. كان الاستئصال يدور كله حول المعلومات. حتى تلك اللحظة، كانت المعلومات مشتتة كثيرا. أدركت منظمة الصحة العالمية أنها لم تجد سوى 100 ألف حالة أو نحو ذلك كل عام على خلفية عشرة ملايين. أظهرت تجربة فويجي أن العاملين في مجال الصحة العامة يمكنهم التغلب على الجدري إذا كانت لديهم البيانات.

أصبحت الاستراتيجية معروفة باسم التطعيم الدائري. وهي ليست مثل تتبع المخالطين، لكنها تشترك في سمات كثيرة معها: في كلتا الحالتين تحتاج إلى عزل المصابين بسرعة والعثور على آخر المخالطين.

نجح التطعيم الدائري. خلال أقل من عقد من الزمان، كان الأطباء يسعون جاهدين للوصول إلى تفشي المرض في الهند حتى يتمكنوا من مراقبة حالة من الجدري قبل أن ينقرض الفيروس. كانت آخر شهقات الجدري موجودة في البرية في الصومال، أواخر عام 1977. علي ماو مالين، 23 عاما، طاه وملقح بدوام جزئي، من المدهش أنه لم يتم تطعيمه. ظهرت عليه أعراض الجدري، وتم تطعيمه -مع 91 من الأصدقاء والمخالطين- وتعافى. كرس مالين حياته للقضاء على شلل الأطفال.

كانت اللقاحات مهمة. بل أساسية، في الواقع. لكن كان الأهم المعرفة السريعة وتتبع المخالطين المعرضين للخطر. نجا الجدري مما يقرب من قرنين من التطعيمات -لكنه لم يستطع النجاة في ظل نظام جيد الإدارة استهدف الفاشيات وتتبع الحالات المحتملة. بعد مرور زمن على الأحداث، يبدو الأمر بسيطا. بطريقة ما، كان بسيطا. لكن بالطبع، تتبع الأشياء أصعب مما قد يبدو للوهلة الأولى. كان من الممكن أن يخبرك فرانشيسكو دي ماركو داتيني بذلك.

كان أحد الدروس المدهشة للوباء مدى قوة البيانات عندما يتم التعامل معها بشكل جيد ومقدار الضرر الذي يحدث عندما يتم تخبط البيانات. يتطلب كل سؤال طرحناه عن هذا الفيروس تقريبا استخداما ماهرا للإحصاءات للإجابة عليه. من أصيب به؟ كيف ينتشر؟ من هو الأكثر عرضة للخطر؟ كيف يمكننا علاجه؟ دون تدفق البيانات الجيدة والطرق الموثوقة لتحليل تلك البيانات، ليس لدينا أمل في الإجابة على مثل هذه الأسئلة.

هذه ليست مجرد حالة يكون فيها المختصون المناسبون يحلون المعادلات الصحيحة. البيانات لا تنمو على الأشجار: يجب تجميعها. مثال على هذه العملية التي تمت بشكل صحيح هو نظام Recovery (التقييمات العشوائية لعلاج كوفيدد 19). Recovery هو نظام لإجراء تجارب عشوائية بسيطة لكنها قوية لعلاجات كوفيد المختلفة كجزء متكامل من العلاج المنتظم لمرضى المستشفيات المصابين بكوفيد، في جميع أنحاء المملكة المتحدة. تم إنشاؤه في بداية الوباء في غضون أيام من قبل اثنين من الأكاديميين في أكسفورد، بيتر هوربي ومارتن لاندري.

أنتج Recovery سلسلة ثابتة من النتائج المهمة للغاية، ولا سيما أن عقار “هيدروكسي كلوروكوين” المضاد للملاريا لا يساعد وأن الستيرويد الرخيص “ديكساميثازون” هو منقذ للحياة. (كم عدد الأرواح التي أنقذتها غير واضح، لكنها بالتأكيد أكثر من مليون حتى الآن). إنه مثال على ما يمكن فعله عندما نأخذ على محمل الجد ليس البيانات فحسب، بل “البنية التحتية للبيانات” والأدوات والعمليات التي يتعين علينا جمعها وإدارتها وتحليلها.

من الصعب التفكير في تقابل أوضح مع أنظمة تتبع المخالطين الخاطئة في كثير من الديمقراطيات الغربية التي يفترض أنها ذات تفكير متطور. ذكرت مجلة Nature في أواخر العام الماضي أن أستراليا وولايتي واشنطن وهاواي لا تزال تستخدم الهواتف أو الفاكسات لمشاركة المعلومات حول الحالات الجديدة، وأن المختصين في الصحة العامة من إفريقيا شعروا بالذعر من فشل النظام الأمريكي في تعلم الدروس التي تم الحصول عليها بشق الأنفس تفشي إيبولا.

تشغيل نظام جيد لتتبع المخالطين يشتمل على أمور أكثر من البنية التحتية للبيانات. لكن دون بيانات جيدة تكون المهمة شبه مستحيلة. كما الحال مع الجدري، يبدأ النجاح بالاكتشاف السريع لمكان وجود الفيروس، وبالتالي، إلى أين قد ينتقل بعد ذلك؟

كما أن اللقاح لم يجعل عملية تتبع المخالطين عتيقة. لا يزال معظم الناس غير محصنين، وبعض الأشخاص لن يتم تطعيمهم أبدا. في يوم من الأيام ستكون هناك جائحة أخرى، وأخرى، وأخرى. لا يمكننا ضمان نجاح اللقاحات في كل مرة، كما أن تطوير اللقاحات يستغرق وقتا. بينما ننتظر، سيكون هناك دائما تتبع المخالطين. ويتطلب تتبع المخالطين الجيد، مثل آلاف الأشياء الجيدة الأخرى التي نريد تحقيقها، الاستثمار في البنية التحتية الجادة للبيانات.

لنفترض أنك تريد حقا دليلا على أن تتبع المخالطين يعمل، فكيف تحصل على الدليل؟ لنفترض أنك عالم مجنون، ومجنون بالسلطة ولا تعيقه الأخلاق التقليدية. من المحتمل أن تخترق نظام تتبع المخالطين في البلد، ثم تحذف بعض الحالات الإيجابية، مع التأكد أن بعض المناطق فقدت كثيرا من الحالات وبعضها فقد عددا قليلا جدا. ستسمح لك هذه التجربة الشائنة بمقارنة ما حدث في الأماكن التي كان نظام تتبع المخالطين يعمل فيها بسلاسة مع الأماكن التي اختفت فيها آلاف الحالات.

إذا لم تكن عبقريا شريرا، بالطبع، فلن تحلم بفعل مثل هذا الشيء. بدلا من ذلك، يجب أن تراقب حدوث ذلك عن طريق المصادفة لأن شخصا ما أخطأ في تنسيق جداول بيانات “إكسل”.

فعل ذلك بالضبط اثنان من الاقتصاديين، ثيمو فيتزر وتوماس جرايبر. قررا أنه لا ينبغي السماح بحدوث كارثة دون محاولة تعلم بعض الدروس. قاموا بتمشيط الأدلة من حادث الصحة العامة في إنجلترا. وبمقارنة تجارب المناطق المختلفة، خلصوا إلى أن الخطأ أدى إلى 125 ألف إصابة إضافية.

بدت قصة نفاد أرقام “إكسل” غريبة للغاية في البداية. لهذا السبب كنا نشارك ميمات Clippy، ولماذا كنت مسرورا بمضايقة جيتس حول هذا الموضوع. لكن رده، الذي بدا جادا ومعترضا في ذلك الوقت، كان صحيحا. لم يكن يضحك لأنه فهم أن هذه لم تكن كوميديا. لقد كانت مأساة.

قام فيتزر وجرايبر بحساب تقدير متحفظ لعدد الأشخاص الذين لقوا حتفهم، وضحايا غير معروفين لخطأ جدول البيانات. يعتقدون أن عدد الوفيات لا يقل عن 1500 شخص. لذا في المرة المقبلة التي يحدث فيها جائحة، فلنتأكد من ترتيب جداول البيانات لدينا. بعد كل شيء، كما حذرنا لوكا باتشيولي، أب علم المحاسبة، منذ أكثر من 500 عام، دون وجود جدول بيانات جيد ستتلمس طريقك إلى الأمام “وقد تلتقي بخسائر فادحة”.

1500 حالة وفاة. بالنسبة إلى حجم الجائحة بأكملها، فإن هذا مجرد جزء صغير من المأساة الكلية. لكن نظرا لكونها ثمنا لا داعي له لإدارة البيانات السيئة، فإنها تمثل خسائر كبيرة بالتأكيد.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى