الرئيسيةسيارات

“تسلا الجوية”.. رحلة بالطائرة الكهربائية إلى المستقبل

هاشتاق عربي - فايننشال تايمز - الاقتصادية - توم روبينز

شارك هذا الموضوع:

في ملحق خارجي يستند إلى مزرعة سابقة فوضوية في الطرف الشرقي من لندن، شربنا قدحا من القهوة سريعة الذوبان، وتناولنا قطعة بسكويت، ثم انطلقنا لتجربة مستقبل الطيران. الذين لا يتابعون الصناعة من كثب سيعذرون إن ظنوا أن الكأس المقدسة – رحلة بالطائرة كهربائية بالكامل وخالية من الكربون – لا تزال طموحا غامضا، أمامها أعوام كثيرة قبل أن تتحقق.
في الواقع، كانت تنتظرني على الجانب البعيد من حظيرة المعادن الصدئة في مطار “دامينز هول”، على بعد ميلين من المحطة النهائية لمترو الإنفاق “ديستريكت”. هناك، كانت تقف بيضاء جديدة ولامعة في شمس الصباح الباكر، أول طائرة كهربائية معتمدة بالكامل في العالم، طائرة فيليس إلكترو من بيبيستريل ذات المقعدين. منحتها وكالة سلامة الطيران في الاتحاد الأوروبي “شهادة النوع” في حزيران (يونيو) من العام الماضي – ما يعني أنه يمكن استخدامها في العمليات التجارية ونقل الركاب.
يمكن القول إن ذلك الإنجاز علامة فارقة في المرتبة جنبا إلى جنب مع أول شهادة لطائرة بمحرك المكابس (1927)، وطائرة ركاب تعمل بالطاقة النفاثة (1952)، ومع ذلك تم تجاهلها من قبل الصحافة السائدة. ربما كان ذلك بسبب انشغال العالم بالوباء، وربما لأن هذا الإنجاز لم يتم تحقيقه من قبل شركة “إيرباص” أو “بوينج” ولكن شركة تصنيع سلوفينية صغيرة تأسست في عام 1989.
أطلعني ديباك ماهاجان، وهو مدرب في “دامينز هول” ورئيس عمليات الطيران في “نيبو إير” – شركة طيران صغيرة تعمل بالكهرباء بالكامل، مرتديا نظارات الطيران والصنادل، على كيفية الدخول، جالسا بحذر شديد على حافة قمرة القيادة المركبة خفيفة الوزن حيث أدخلت ساقي في الداخل. كانت هذه الطائرة أول طائرة من طراز “فيليس إلكترو” في المملكة المتحدة، تم تسليمها الشهر الماضي ومع عشر ساعات طيران بالضبط، ولكن تم إرسال 39 طائرة بالفعل إلى العملاء في جميع أنحاء العالم، بشكل أساسي إلى مدارس تدريب الطيران أو الطيارين الخاصين المتحمسين لامتلاك “تسلا الجوية”.
أي شخص طار في طائرة خفيفة سيكون معتادا على الانتظار بينما يقوم الطيار بإجراء قائمة مراجعة شاملة قبل الرحلة – اختبار ضغط الزيت، وفحص خزانات الوقود، وتسخين المحرك – ولكن لم يكن هناك أي من ذلك. بدلا من ذلك، ضغط ماهاجان على بعض المفاتيح، وانتظرنا ربما 30 ثانية بينما أجرت أجهزة كمبيوتر الطائرة فحصا ذاتيا، ثم أصبحنا على استعداد للذهاب. “ما زلت أتعلم كيف أطير بها” قالها ضاحكا بينما كنا نتحرك عبر العشب.
مع عدم اهتزاز محرك المكابس ولا هدير طائرة – بالأحرى صوت مهذب – انطلقت الطائرة إلى الأمام، وفي نطاق 250 مترا كنا في الجو. صعدنا فوق حركة المرور في ساعة الذروة على جسر دارتفورد، مررنا على ارتفاع منخفض فوق نهر التايمز المتلألئ، وفوق مواقف السيارات الممتلئة في مركز التسوق “ليكسايد”. ربما كان الطقس جيدا والوقت مبكرا، لكن الرحلة كانت أكثر سلاسة مما قد تتوقعه في مثل هذه الطائرة الصغيرة.
أظهرت إحدى الشاشات عديدة مقدار الطاقة التي كنا نستخدمها – أقل من ثمانية كيلو واط في بعض النقاط (أي ما يعادل نحو أربع غلايات منزلية) – بينما أظهرت شاشة أكبر الطاقة المتبقية في البطاريتين. سيعتاد مالكو السيارات الكهربائية على “نطاق القلق” في الهواء، هذا يكتسب أهمية أكبر إلى حد ما.
بصرف النظر عن تجنب انبعاثات الكربون، فإن مزايا الطيران الكهربائي لا تحصى. دون كل الحرارة الناتجة عن المحرك التقليدي، يتم تحويل الطاقة المخزنة إلى حركة بشكل أكثر كفاءة بكثير، ما يجعل الطيران أرخص بكثير (بالنسبة لرحلتنا التي تستغرق 30 دقيقة، كانت فاتورة الوقود نحو جنيها واحدا). دون الاهتزازات، تتطلب الطائرة صيانة أقل، ومع وجود أجزاء متحركة أقل، يكون تنفيذها أسهل.
لكن البطاريات نقطة الخلاف الكبيرة، حيث تفتقر حاليا إلى “كثافة الطاقة” – وببساطة أكثر، كونها ثقيلة جدا فوق الحد – على نحو لا يسمح برحلات طويلة أو تحميل أعداد كبيرة من الركاب. بطاريتا “فيليس” المبردتان بالسائل (واحدة خلف المقاعد والأخرى خلف المروحة) تعطيك وقت طيران لمدة ساعة تقريبا. سعة الأمتعة صفر تقريبا.
تخطط شركة “نيبو إير” التي أسسها المحامي والطيار الروسي المولد سيرجي غراتشيف، لاستخدامها في الرحلات الجوية التوضيحية العامة في “دامينز هول”، بدءا من هذا الشهر، لتدريب الطيارين ولاحقا كوسيلة لنقل الركاب الأفراد بين مطار “شيب ميدو” في لندن (مطار خاص) في مزرعة هواية سوفولك التابعة إلى غراتشيف، ومطار “ويكنبي” في لينكولنشاير. خريطة الطريق هذه عبارة عن اقتراح مقصور على “شركة طيران”، لاسيما بالنظر إلى أن الأمر يستغرق ساعة لإعادة شحن البطارية، فمن المحتمل أن تكون القيادة خلالها أسرع.
في الواقع، يتمثل جزء أساسي من خطة “نيبو إير” في جذب العملاء المهتمين بالبيئة إلى مزرعة غراتشيف التي تبلغ مساحتها 40 فدانا. هناك، سيتمكن الضيوف من القيام برحلات جوية كهربائية قبل الاستمتاع باليوغا والجولات في المزرعة والمشي مع حيوانات الألباكة، أثناء الإقامة في مجموعة من أماكن الإقامة التي تعمل بالطاقة الشمسية، بما في ذلك اليورت وبيت الشجرة وعربة السكك الحديدية. يقول غراتشيف: “إنه مكان رائع، تأتي الماعز لمقابلتك عندما تهبط”.
كل هذا قد يجعل الطيران الكهربائي يبدو مكانا خاصا، ضيقا ومهذبا بعض الشيء، وهو ماتع لعدد قليل من المتبنين الأوائل للفضيلة ولكن ليس له صلة كبيرة بالسفر العام حتى يصعد اللاعبون الكبار على متن الطائرات. لكن هذه ثورة تبدأ من نقطة الصفر.
يقول غراتشيف: “الجميع يبدأ صغيرا ولكن يكفي تقديم مثال”. نيبو تمرين يبين للطيارين والمطارات والمهندسين والسلطات أن الطيران الكهربائي قد وصل ونحن بحاجة إلى الاستعداد لذلك”. في غياب برنامج حكومي، يتقدم بطلب للحصول على منح إقليمية لوضع أجهزة الشحن (التي يكلف كل منها نحو 15 ألف جنيه) في المطارات الوسيطة على طول الطريق، ثم يأمل في نشر الطرق للخارج مثل شبكة عنكبوت متنامية.
تنتج “بيبيستريل” الآن نحو خمس طائرات من طراز “فيليس إلكترو” شهريا؛ تم تدريب أكثر من 200 طيار و27 ميكانيكيا، وقال الجيش الدنماركي هذا الشهر إنه سيبدأ في استخدام الطائرة. وإيفو بوسكارول، مؤسس “بيبيستريل”، واثق من أن وتيرة التقدم ستتسارع. يقول: “أثبتنا لمجتمع الطيران أن الخطوة الأولى، والخطوة الأكثر أهمية – شهادة النوع – كانت ممكنة. تم ذلك والآن الباب مفتوح لطائرات كهربائية أكبر، ومسافات أطول، وتطوير طيران خال من الانبعاثات”.
أحد التفاصيل المهمة أن محرك وبطارية “فيليس” معتمدان بشكل مستقل عن الطائرة نفسها، ما يعني أنه يمكن للمصنعين الآخرين استخدامهما في تصاميمهم الخاصة، ما يؤدي إلى اختصار وقت التطوير. يقدر بوسكارول أنه سيتم إنتاج عشر إلى 15 طائرة باستخدام نظام الدفع فيليس خلال الأعوام الخمسة المقبلة، مع حصول اثنتين على الأقل على شهادة النوع. حتى تلك المشاريع تشكل نسبة ضئيلة من الإجمالي: هناك أكثر من 200 طائرة تعمل بالدفع الكهربائي قيد التطوير. يقول بوسكارول: “الآن سيحدث كل شيء بشكل أسرع وستفهم صناعة البطاريات أن هناك سوقا لخلايا ذات كيمياء مختلفة”.
البطاريات تتحسن. منذ كانون الأول (ديسمبر) 2019، تقوم خطوط “هاربور إير” الجوية للطائرات المائية، ومقرها فانكوفر، برحلات تجريبية منتظمة باستخدام طائرة “دي هافيلاند بيفر” المعدلة بمحرك كهربائي. وتأمل أن يسمح نظام بطاريات جديد لها بالحصول على الاعتماد وبدء رحلات تجارية بحلول العام المقبل، على متنها أربعة ركاب في رحلات تصل مدتها إلى 30 دقيقة.
في غضون ذلك، يعمل آخرون على الطائرات الهجينة – طائرة “فولت إيرو” التابعة لشركة “كاسيو” التي قامت بأول رحلة لها أمام الجمهور في معرض الخطوط الجوية الفرنسية في ليون في نهاية الأسبوع.
ومع ذلك، يتوقع معظم الناس أن يأتي التقدم الكبير من تبديل البطاريات بالهيدروجين – يمكن لخلية وقود على متن الطائرة أن تولد الكهرباء لتشغيل المحرك، ويكون الماء هو الانبعاث الوحيد. هذا واقع، وإن لم يكن معتمدا على المستوى التجاري.في أيلول (سبتمبر) من العام الماضي، قام مشروع “زيرو آفيا” بأول رحلة تجريبية لطائرة ركاب تعمل بالهيدروجين بالكامل، باستخدام طائرة Piper M-class المحولة بستة مقاعد في كرانفيلد في إنجلترا. تقوم “بيبيستريل” بتطوير طائرة جديدة تعمل بالهيدروجين طائرة “ميني لاينر”، التي ستقل 19 راكبا لمسافة تصل إلى 400 كيلومتر. يأمل بوسكارول أن تطير بحلول عام 2028، وأن يتم اعتمادها في عام 2030.
من الأهمية بمكان أنه، جزئيا بفضل بنائه الخفيف الوزن ومحركاته المتعددة، تم تصميمه للطيران من مهابط الطائرات الصغيرة العشبية التي يستخدمها الطيارون الترفيهيون. هذه الرؤية، التي يشاركها مطورو عدد من الطائرات الكهربائية وسيارات الأجرة الجوية الأخرى قصيرة الإقلاع، تعني أن أماكن مثل “دامينز هول”، حتى “شيب ميدو” بما لديها من الماعز واللاما، ربما تكون المكان المناسب تماما لبدء الطيران الكهربائي. وهي صغيرة بما يكفي لتكون قريبة من البلدات والمدن، وبأعداد كبيرة للغاية بما يكفي للقيام برحلات خالية من الانبعاثات مباشرة إلى الأماكن التي يرغب الناس في السفر إليها.
الطيران الكهربائي ليس على وشك أن يحل محل الطائرات طويلة المدى، ولكنه قد يكون مجرد رائد في نموذج جديد ذي طابع محلي أكثر وصغير الحجم. يقول بوسكارول: “في الوقت الحالي، لا يتم تنظيم الطيران بطريقة ذكية للغاية لأن الركاب يضطرون للذهاب إلى المطار. يجب أن نغير هذا: يجب أن نحضر المطار للراكب”.
يتعرض كثير من المطارات الصغيرة في أوروبا لخطر البيع والبناء عليها، لكن هدوء الطيران الكهربائي قد يوفر شريان الحياة – إزالة اعتراضات الضوضاء التي في الأغلب ما كانت تقيد عملياتها. في رحلتي التجريبية، قمنا بعدة تمريرات منخفضة فوق المطار لالتقاط صور فوتوغرافية، ثم حلقت فوق ملعب للجولف وبحيرة حيث كان الناس يصطادون. لم يلق أي من لاعبي الغولف أو الصيادين نظرة سريعة إلى الأعلى – ربما سمعونا، لكن من الواضح أننا لم نقم بإزعاجهم. تقول بيبيستريل إن طائرة فيليس لا تصدر أكثر من 60 ديسيبل (وحدة لوغاريتمية تعطي النسبة بين كميتين فيزيائيتين، مثل القدرة أو الشدة وذلك بالنسبة إلى قيمة عيارية. تستخدم للصوت والإلكترونيات)، أي أقل من معظم الغسالات.
عدنا إلى الأرض، وتوقفنا بهدوء على العشب ثم سرنا واجتزنا مقهى المطار. لم تنتبه لنا العائلات على الطاولات الخارجية، حيث كانت تركز بدلا من ذلك على طائرتين عتيقتين مزعجتين بألوان زاهية تخضعان لتدريبات ما قبل الرحلة. في الوقت الحالي، لا تزال ثورة الطيران الكهربائية هادئة بكل معنى الكلمة – ولكن ربما ليس لفترة طويلة كثيرا.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى