الرئيسيةتكنولوجيا

عمالقة التكنولوجيا بين التفكيك وإعادة التنظيم

هاشتاق عربي - الاقتصادية

شارك هذا الموضوع:

بمجرد أن رفضت محكمة فيدرالية أمريكية الدعوى المقدمة من لجنة التجارة الاتحادية، تتهم فيها عملاق شبكات التواصل الاجتماعي فيسبوك بالاحتكار والاستحواذ على الشركات الناشئة، وفشل اللجنة في إثبات أن الموقع يهيمن على 60 في المائة من سوق وسائل التواصل الاجتماعي، وصدور قرار المحكمة لمصلحة الشركة، ارتفعت قيمة السهم الواحد بأكثر من 4 في المائة، لتتجاوز قيمتها الإجمالية ولأول مرة في تاريخها حاجز التريليون دولار.
منذ بداية العام حتى صدور قرار المحكمة، كانت قيمة سهم فيسبوك في ارتفاع، حيث بلغت نسبة الارتفاع 30 في المائة.
لكن الموقع الشهير ليس المارد الوحيد في بورصة ناسداك، الذي يحقق إنجازا تلو إنجاز، فشركة مايكرسوفت تجاوزت قيمتها الأسبوع الماضي ولأول مرة تريليوني دولار، وأبل وأمازون وألفابت مالكة موقع البحث الشهير جوجل اقتربتا كل واحدة منها من حاجز تريليوني دولار.
تلك التطورات، أعادت فتح النقاشات وعلى نطاق أوسع من أي وقت مضى بشأن ما يعرف بالستة الكبار في عالم التكنولوجيا، التي ترتفع أسعار أسهمها وتزداد أرباحها بشكل يدعو للتساؤل هل ما يحدث في مصلحة المستهلك؟
تكشف الأرقام القوة، التي وصل إليها الستة الكبار وهم فيسبوك وأبل وأمازون ونيتفليكس وجوجل ومايكرسوفت. ويضيف بعض الباحثين شركة تسلا لصناعة السيارات الكهربائية إلى المجموعة بصفتها أحد عمالقة التكنولوجيا، لتبلغ القيمة السوقية للشركات السبع مجتمعين 9.6 تريليون دولار، أي ضعف الاقتصاد الياباني ثالث أكبر اقتصاد في العالم.
وإذا كانت القيمة الإجمالية لجميع الشركات المسجلة في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الأمريكي نحو 38.4 تريليون دولار، فإن العظماء السبعة تمثل ربع قيمة المؤشر.
مؤشر آخر على قوة تلك الشركات يبرز ما حققته شركة أبل وأمازون خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من 2020، إذ حققت كل شركة منهما مبيعات بقيمة 100 مليار دولار، وأسهم شركة أمازون ارتفعت العام الماضي 62 في المائة، أما أبل فقد زادت قيمة السهم بـ 70 في المائة.
في الوقت ذاته، فإن ثلثي الزيادة البالغة 18 في المائة في قيمة مؤشر ستاندرد آند بورز 500 يعود الفضل فيها إلى الزيادة، التي حققتها الشركات الست إذا استثنينا منها شركة تسلا.
لا تقف الأرقام عند هذا الحد المذهل، ففي 2019 كانت عائدات شركة ألفابت 162 مليار دولار أي أكثر من الناتج القومي الإجمالي للمجر، التي تعد ضمن الاقتصادات الناشئة متوسطة الحجم، وإجمالي أرباح شركة أبل 67 مليار دولار أي يوازي إنفاق المملكة المتحدة خامس أكبر اقتصاد في العالم على الدفاع والنقل.
يعمل في شركة أمازون 1.2 مليون عامل، وبذلك تكون ثالث أكبر صاحب عمل في العالم، أما شركة تسلا فقد قفزت قيمة السهم الواحد من 86 دولارا في بداية 2020 إلى 680 دولارا اليوم.
المؤكد أيضا أن مكاسب تلك الشركات لن تتضاءل هذا العام، على الرغم مما يصفه قادتها بعراقيل يضعها المشروعون في الولايات المتحدة عبر إجراءات ولوائح تنظيمية تهدف إلى الحد من القوة المتنامية لشركاتهم.
الخبير الاستثماري بول ألن يعد أن النجاح المتواصل لشركات التكنولوجيا يحمل في طياته الكثير من الإيجابيات والمنافع للاقتصاد العالمي وللمستهلكين، لكنه يحمل أيضا كثيرا من المخاطر، التي قد تلتهم تلك الإيجابيات في لحظة.
ويقول ألن لـ”الاقتصادية” إنه “على الرغم من تلك النجاحات، فإن كثيرا من الخبراء الاقتصاديين يحذرون من فقاعة اقتصادية في سوق أسهم التكنولوجيا، والتساؤل الأساسي كيف لتلك الشركات أن تحقق تلك النجاحات والأرباح في ظل المصاعب، التي يواجهها الاقتصاد العالمي”.
بعضهم يرى أن تلك الشركات أكثر فهما للواقع الاقتصادي من الشركات التقليدية، إذ تعمل كحلقة وصل بين البشر، خاصة فئة الشباب والاحتياجات التكنولوجية المتنامية للمستهلكين كوسيلة لربط بعضهم بعضا، أي أن تلك الشركات تحقق النجاح لأنها باختصار أكثر ارتباطا بالواقع الجديد، ومن ثم الأرباح تنمو بشكل سريع يبرر أسعار أسهمها الراهنة.
ولكن حتى لو كانت تلك الشركات تبني نجاحها لفهمها الواقع واحتياجاته أكثر من الآخرين، فإن هذا النجاح يحمل في طياته مخاطر ينبه إليها الدكتور جون زاميت أستاذ الاقتصاد الكلي والاستشاري في البنك الدولي.
ويؤكد لـ”الاقتصادية” أنه مع الحجم الكبير تأتي غالبا القوة، وتلك الشركات بات لديها قدرات مالية ربما تعجز دولة أو مجموعة من الدول الفقيرة عن توفيرها، وهذا الحجم يجعل تحديها أمرا شديد الصعوبة من قبل منافسيها، ومن خلال تغيرات بسيطة في مجموعة الخوارزميات التكنولوجية يمكنها القضاء على الشركات الصغيرة.
ويقول “كما أن هذا الحجم الضخم وعلى الرغم من أنه يمكنها من ضخ مبالغ أكبر في مجال الأبحاث والتطوير، ما يعود بالنفع على المستهلكين، إلا أن حجمها يمكنها أيضا من الفوز بأفضل الصفقات، وعلى الرغم من أنها ليست في حاجة إلى الاقتراض، فإنه مع بقاء عائدات السندات طويلة الأجل منخفضة نسبيا، فإن أساطين التكنولوجيا ستكون قادرة على مواصلة اقتراض الأموال بتكلفة منخفضة لتمويل فرص النمو المستقبلية عبر الاستحواذ على الشركات الأخرى”.
ترتبط بتلك الرؤية مخاوف لا يخفيها بعضهم بأن شركات التكنولوجيا الكبيرة باتت قادرة على إيجاد ثروات شخصية غير مسبوقة لأصحابها، وأفلحت في إيجاد طبقة جديدة من المليارديرات، الذين يمتلكون عشرات ومئات المليارات من الدولارات.
وعلى الرغم من أن الثراء أمر محمود، لكنه يصنع أيضا قلقا من التأثير السياسي، بما يتضمنه ذلك من قدرة كبار العاملين في هذا المجال على إحداث تعديلات قانونية تصب في مصلحة شركاتهم وتساعدهم على تحقيق مزيد من النمو والأرباح.
ربما تلك المخاوف من القوة المفرطة للشركات التكنولوجية العملاقة والقائمين عليها، هو ما يدفع إلى تنامي الرغبة في تفكيكها لمؤسسات أصغر حجما وأقل سطوة، ويتضح ذلك في سوق الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبينما حقق الاتحاد الأوروبي بعض النجاحات في مواجهة تلك الشركات، فإنه مني أيضا بهزائم مؤلمة، بينما يواصل الكونجرس الأمريكي الحديث عن تمتع شركات التكنولوجيا “بسلطة كبيرة جدا”.
مع هذا، فإن تلك المواجهة والدعوات لتفكيك شركات التكنولوجيا العملاقة لا تلقى قبولا من الجميع.
الدكتورة مارلينا فيث أستاذة الاقتصاد الدولي في جامعة لندن تعتقد أن عملية التفكيك تلك قد تكون أضرارها على الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة أكثر من فوائدها.
وتقول لـ”الاقتصادية”: يمكن تفهم المخاطر الناجمة عن ضخامة شركات التكنولوجيا، ولكن تفكيكها لا يعد حلا إيجابيا، فجزء كبير من نشاط تلك الشركات يتطلب منها دعم كثير من الشركات الصغيرة العاملة في بعض من أكثر جوانب العلم تعقيدا، التي تتطلب استثمارات كثيفة تعجز الحكومات عن توفيرها دائما، وأعني أبحاث الذكاء الاصطناعي.
ويضيف “أنفقت شركة أمازون 20 مليار دولار على الاستثمار والاستحواذ أيضا على ما لا يقل عن 128 شركة ناشئة للذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء العالم، أسهمت تلك الاستثمارات في تقدم ملحوظ في مجال السيارات ذاتية القيادة، وتفكيك شركة بحجم أمازون على سبيل المثال يعني التضحية بالابتكار والتقدم التكنولوجي الذي يأتي منها”.
بالطبع يتعلق هذا المنطق في جزء منه بالصراع التكنولوجي العنيف القائم بين الولايات المتحدة والصين، إذ يحذر كبار قادة شركات التكنولوجيا خاصة في الولايات المتحدة من أن تفكيك شركاتهم لن يصب إلا في مصلحة الصين، وذلك عبر تفتيت قدرتهم الابتكارية وإضعاف إمكاناتهم لضخ استثمارات بعشرات المليارات في أبحاث الذكاء الاصطناعي تحديدا، التي ستقود الموجة المقبلة من التقدم التكنولوجي.
لكن الأمر لا يقف عند تلك الحدود، فتفكيك شركات التكنولوجيا قد يبدو فكرة جذابة لبعض، ولكن هناك جدل بين الخبراء حول إمكانية تطبيقه عمليا، فتقسيم أحد عمالقة التواصل الاجتماعي إلى شبكات اجتماعية أصغر قد يعطي وهما بأن المستهلكين باتوا قادرين الآن على الاختيار، ولكن الواقع ربما تتضمن رغبة المستهلك ذاته بإدارة جميع اتصالاته من موقع واحد، ما سيوجد عملية احتكار ولكن برغبة المستهلك.
يضاف لذلك أن التجربة الاقتصادية تظهر أن عملية تفتيت أو تفكيك الشركات الكبيرة إلى أخرى أصغر لكسر الاحتكار، يرتبط غالبا بارتفاع قيمة الخدمة، التي يشتريها المستهلك.
ويمكن الجزم بأن قضية تفكيك شركات التكنولوجيا الكبرى ستكون حاضرة وبقوة على جدول أعمال الإدارة الأمريكية وبلدان الاتحاد الأوروبي خلال الأعوام المقبلة.
وعلى الرغم من وجود إجماع على أن شركات التكنولوجيا الكبيرة في حاجة إلى مزيد من الرقابة، خاصة فيما يتعلق بكيفية تعاملها مع بيانات المستهلكين، فإن إيجاد توافق في الآراء حول الحل الأمثل لكيفية التعامل مع أساطين التكنولوجيا، وهل يكون عبر التفكيك أم إعادة التنظيم، سيكون الشغل الشاغل لجميع الأطراف، التي تتعامل مع هذا الملف المعقد والمصيري في آن واحد.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى