الرئيسيةالمصارف الذكية

لماذا لا نستطيع تتبع مسار الإنفاق في مجتمع غير نقدي؟

هاشتاق عربي - تيم هارفورد

شارك هذا الموضوع:

ما الذي يشبه الاحتيال، ويبدو وكأنه احتيال، لكن ليس احتيالا؟ ماذا عن موقع ويب خاص بشركة ينبثق عند البحث عن وكالة حكومية تصدر رخص القيادة، وتتقاضى رسما دسما مقابل إعادة توجيه بياناتك إلى موقع الويب الحقيقي؟
يشكو نشطاء التمويل الشخصي من مثل هذه المواقع منذ أعوام، لكنني أعتقد أن هناك درسا أوسع يمكن استخلاصه حول الطريقة التي ننفق بها أموالنا هذه الأيام. قد يكون هناك خط قانوني حاد بين الاحتيال الصريح والتجارة النزيهة لكن التمييز على الصعيدين الاقتصادي والنفسي يعد ضبابية تدريجية.
أشعر بالقلق لأننا نعيش الآن في هذا الضبابية، وننفق النقود دون أن ندرك بوضوح ما حدث. ساعد الوباء، مع تحوله إلى الإنفاق غير التلامسي أو عبر الإنترنت، على تحفيز العملية بشكل أكبر.
خذ مثلا موقع الويب المجاور للاحتيال: تتمثل الخدمة الرئيسة التي يقدمها في حل مشكلة دفعت لإنشائها، أي: إن موقع الويب الرسمي ليس بارزا في عمليات بحث الويب كما قد يكون. ومع ذلك، فإن الخدمة شبه عديمة القيمة موصوفة بشكل لا لبس فيه ويذكر الموقع بوضوح أنه ليس موقعا رسميا. إذن من الذي قد يستخدم هذه الخدمة عن علم؟ فعلت زوجتي أخيرا. ومن البديهي أن زوجتي تتحلى بأرقى درجات الحكمة والفطنة. فكيف حدثت هذه المصيبة؟
سلمت زوجتي نحو 100 جنيه مقابل شيء لا قيمة له لأن تكنولوجيتها جعلت الأمر سهلا. لم تنتبه لملاحظة إخلاء المسؤولية لأنها كانت مشتتة ومتعددة المهام. تقدمت بطلب عبر هاتف محمول، متصفحها محمل مسبقا بتفاصيل بطاقة الائتمان. على شاشة صغيرة مثل شاشة الهاتف، تمر تلميحات من المتاعب بشكل غير مرئي. تم تحذيرنا وطلب منا توخي الحذر من الأشياء المكتوبة بالأحرف الصغيرة، لكن على الهاتف المحمول، كل الطباعة مكتوبة بخط صغير.
هذا السبب في أنني أزعم أن مثل هذه المواقع موجودة في سلسلة متصلة مثل الطيف. هناك المحتال الصريح الذي يحاول أن يوقع الخوف في نفسك ليدفعك لإرسال آلاف الجنيهات لتجنب الخراب أو الذهاب إلى السجن. ثم هناك موقع ويب متميز مثل “أمازون” الذي يقدم خدمة حقيقية بلا شك، لكن سيسعده أن يجعل من الأسهل على الزبائن إنفاق المال بشكل متهور.
اشتهرت “أمازون” بتأمين براءة اختراع سخيفة بشأن طلب التجزئة عبر الإنترنت بنقرة واحدة عام 1999. (ستيف جوبز، بما عرف عنه من بصيرة، رخصها على الفور لشركة Apple مقابل مبلغ تافه لا يتجاوز المليون دولار). انتهت صلاحية براءة الاختراع هذه الآن، لكن “أمازون” لا تزال حريصة على أن تجعل الإنفاق سهلا. في كل مرة أستخدم فيها هاتفي للتحقق من تصنيف مبيعات كتابي على موقع أمازون -كل 27 دقيقة تقريبا- تحثني “أمازون” على تنزيل التطبيق الخاص بها. لا أشك أن التطبيق سيعمل بشكل أفضل، ولهذا لا أريده.
في كتابهما Nudge، حث ريتشارد ثالر وكاس سنستاين المنظمين والشركات على “تسهيل” قيام الناس بالشيء الصحيح، مثل دفع الضرائب أو الاشتراك كمتبرع بالأعضاء أو الادخار للحصول على معاش تقاعدي. وكما يعلم كل من ثالر وسانشتاين جيدا، يمكن استخدام التنبيهات “لتسهيل” القيام بأشياء أخرى، مثل إرسال الأموال إلى خدمة طلب ترخيص شبه عديمة القيمة.
الحد الأقصى المنطقي هو الاشتراك المتجدد بلا نهاية. إلى جانب الفواتير المألوفة للمرافق والإنترنت والهاتف المحمول والرهن العقاري، تشتمل اشتراكاتنا المنزلية على خدمات متنوعة مثل مورد يوجا عبر الإنترنت، والوصول إلى جميع أفلام حرب النجوم ومارفل، وحملة Patreon، والمشروبات، وأمازون برايم، ومايكروسوفت أوفيس، وأدوبي فوتوشوب، وتطبيقات الذهن، وتعلم اللغة والإنتاجية، وخدمتا تخزين سحابيتان، وصول غير مقيد إلى BoardgameArena وروبوت موسيقى على Discord.
أنا متأكد أن بعضا من ذلك سيكون غير مفهوم. قبل 15 عاما، لم يكن الأمر غير مفهوم فحسب، بل كان لا يمكن تصوره. ومع ذلك، لا ندفع فقط مقابل كل هذا، بل ندفع دون فكرة واضحة عن موعد أو مقدار المدفوعات، أو حتى طريقة الدفع التي نستخدمها.
في مقال كلاسيكي من عام 2006 بعنوان “الدفع مقابل عدم الذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية”، قارن الاقتصاديان ستيفانو ديلا فيجنا وأولريكه مالميندير المستهلكين الذين يدفعون مقابل عضوية النادي الصحي بثلاث طرق مختلفة: من خلال تصريح دخول لمدة عشر زيارات، وعضوية سنوية، والتجديد التلقائي للاشتراك الشهري.
كان لدى المستهلكين الشهريين مرونة أكثر -ودفعوا مقابل الخدمة- لكنهم لم يستخدموها. بدلا من ذلك، ظلوا مشتركين لفترة أطول، ودفعوا نحو الضعف مقابل كل زيارة للصالة الرياضية واستغرقوا عادة أكثر من شهرين للإلغاء بعد ظهورهم الأخير في صالة الألعاب الرياضية. كل هذه الاشتراكات عبر الإنترنت مرتبطة بشيء يعرفه مالكو النوادي الصحية طوال الوقت.
إذن: ماذا يجب أن نفعل؟ في بودكاست FT Money Clinic، نصحت أخيرا مستمعة شعرت بالذنب لأنها كانت تنفق بشكل متهور على الإنترنت، وغالبا ما كانت تندم وتعيد مشترياتها. كان أحد الاقتراحات التي قدمتها لها أنه بدلا من الشراء على الفور، يجب عليها بدلا من ذلك كتابة كل عنصر في جدول بيانات، لإعادة النظر فيه في نهاية الشهر. سيكون لديها الوقت للتفكير، وسترى السعر التراكمي لجميع إغراءاتها.
فكرتي كانت أنه من خلال جعل الإنفاق أصعب وأبطأ وأكثر وضوحا، فقد تحصل على درجة معينة من السيطرة. بعد ذلك فقط أدركت كيف أن هذه النصيحة كانت تتعارض بشكل مباشر مع المد التجاري. أصعب، أبطأ، أكثر وضوحا؟ لطالما أرادت الشركات أن يكون الإنفاق سريعا وسهلا وبالكاد يستحق التفكير. بفضل معجزات التكنولوجيا الحديثة أصبحوا أقرب من أي وقت مضى إلى تحقيق رغباتهم.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى