الذكاء الاصطناعيالرئيسية

كيف تُستخدم التكنولوجيا لاضطهاد الشعوب؟

هاشتاق عربي

شارك هذا الموضوع:

بينما كان عمال يزيلون أسلاكا شائكة وأسياخا حديدية كان قد تم تركيبها على نوافذ ذلك المجمع الضخم المحاط بجدران عالية والذي يقع على بعد عشرين دقيقة خارج وسط مدينة كاشغر الواقعة على الحافة الغربية للصين، كان يمكن سماع صرخات مجموعة من المعتقلين، بحسب تقرير لصحيفة “تليغراف” البريطانية.

ووفق ما نقلت الحرة عن تليغراف هذا واحد من مئات مراكز الاحتجاز في منطقة شينجيانغ الصينية، حيث تقدر منظمات دولية أعداد المعتقلين فيها من الأويغور والكازاخيين والأقليات العرقية المسلمة الأخرى بأكثر من مليون شخص، تم احتجازهم منذ عام 2017.

ورصدت الصحيفة خلال تحقيق استمر تسعة أيام في شينجيانغ وزارت فيها هذه المنشأة تقليص الصين لإجراءاتها الأمنية في ظل مزيد من الانتقادات والضغوط الدولية، التي وصلت إلى حد اتهامها بـ”الإبادة الجماعية”.

لكن الصحيفة ترى أن هناك دلائل على أن الصين تستعد لمرحلة جديدة في اضطهادها للأويغور.

وكانت الصين قد أنكرت في البداية وجود معسكرات اعتقال قبل أن تعترف، في 2018، بوجودها لكنها وصفتها بأنها بمثابة “إعادة تأهيل” لمن تعتبرهم “إرهابيين محتملين”.

فبينما تم تقليص الوجود المرئي للجيش والشرطة في بعض أجزاء شينجيانغ مقارنة بالزيارات السابقة التي قامت بها صحيفة “تليغراف”، بحسب قولها، فقد تم طلاء مجموعات من كاميرات مراقبة التعرف على الوجه باللون الخردلي في محاولة لتمويهها، في منطقة كاشغر.

ورغم إفراج السلطات الصينية عن بعض الأشخاص والسماح لهم بالعودة إلى ديارهم التي كانوا قد هجّروا منها عندما تم احتجاز مجتمعات بأكملها، فإن التواجد على الجانب الآخر من سياج الأسلاك الشائكة لا يعني الحرية تماما، بحسب الصحيفة.

الرقابة تحت غطاء وهمي

فبعد أن كان هؤلاء المحتجزون تحت أعين سلطات المعسكرات، أصبحوا وجميع سكان شينجيانغ تحت أنظار السلطات الصينية طوال الوقت من خلال التقنيات التكنولوجية المتقدمة والمراقبة الرقمية وأشكال أخرى من التتبع تحت تعريف “الوقاية من الأوبئة”، فضلا عن المخبرين المندسين بينهم.

تتطلب تطبيقات الأجهزة المحمولة الإلزامية، المصممة من قبل الحكومات المحلية والمبررة على أنها “تتبع الاتصال بفيروس كورونا”، من الصينيين توثيق سجل السفر والمعلومات الشخصية التفصيلية، بما في ذلك العرق، وهي طريقة أخرى لفرض الرقابة، وفقا للصحيفة.

فعلى سبيل المثال، يقوم الأويغور بمسح رمز الاستجابة السريعة ضوئيا لدخول سوق المواد الغذائية في كاشغر.

وفي منطقة أورومتشي، تعني العودة إلى المنزل إجراء مسح ضوئي لبطاقة الهوية الصينية وتقديمها لفحص التعرف على الوجه عند بوابة الدخول. ويجب على جميع الزوار أن يفعلوا الأمر ذاته، مما يسمح للسلطات برسم خريطة لتحركات الأفراد.

وتحدد اللافتات الزرقاء الدائرية كل بضع عشرات من الأمتار رقما للموقع، تُستخدم لتحديد الأماكن عندما يبلّغ الأشخاص الشرطة عن سلوك “مشبوه”.

حتى أن السكاكين في أكشاك الجزارة ومحلات الفاكهة مقيدة بالسلاسل، مع رموز مشفرة محفورة على المعدن، لضمان أن السلطات يمكنها تتبع كل شيفرة، وفقا لتقرير “تلغراف”.

وقال محتجزون سابقون للصحيفة إنهم مطالبون بإبلاغ المسؤولين المحليين بانتظام بتحركاتهم، وإن أي شيء يعتبر خارج الخط المحدد لهم قد يعرضهم لخطر الاعتقال.

فقد تتم إدانة شخص والحكم عليه بالسجن مدى الحياة، “بسبب أشياء تفسرها الحكومة على أنها متطرفة أو إرهابية، مثل الصلاة في المنزل، أو أخذ القرآن، أو تعليم الدين لأطفالك”، بحسب الباحث في هذه القضية في جامعة بالاكي أولوموك في التشيك، رون ستينبيرغ.

وأضاف أنه حتى السفر إلى الخارج أو الاتصال بأشخاص خارج الصين يمكن اعتباره سلوكا “غير قانوني”.

وابلٌ من الانتقادات الدولية

ودعا بيان مجموعة السبع، الأحد، الصين إلى “احترام حقوق الإنسان” في كل من إقليم شينجيانغ (غرب) حيث تتهم بكين بارتكاب انتهاكات ضد الأقليات، وهونغ كونغ حيث تستهدف الناشطين المدافعين عن الديموقراطية.

وجاء في البيان “سنشجّع على قيمنا، بما في ذلك دعوة الصين إلى احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، خصوصا في ما يتعلق بشينجيانغ واحترام تلك الحقوق والحريات ودرجة عالية من الحكم الذاتي لهونغ كونغ”.

والخميس، كررت منظمة العفو الدولية إدانتها لقمع الصين لأبناء الأقليات المسلمة في إقليم شينجيانغ، ووصفت الأمر بأنه “يبلغ حد الجرائم ضد الإنسانية”، في تقرير جديد لها.

وقالت المنظمة إن أبناء أقليات الأويغور والكازاخ وغيرهم من الأقليات المسلمة في إقليم شينجيانغ يتعرضون لحملة انتهاكات ممارسة تنظمها الدولة.

وأكدت المنظمة أن الممارسات الصينية بحق الأقليات يشمل السجن الجماعي والتعذيب والاضطهاد و”تبلغ حد الجرائم ضد الإنسانية”.

وقالت إن “التدابير المفرطة” التي تتخذها السلطات الصينية، منذ 2017، تهدف لـ”استئصال العادات والتقاليد الدينية والثقافية واللغات المحلية للطوائف العرقية المسلمة في الإقليم”.

وانتقدت المنظمة الحقوقية إنشاء الصين “واحدا من أعقد أنظمة المراقبة في العالم”، بالإضافة إلى شبكة واسعة من المراكز التي أقامتها تحت شعار “مراكز التغيير من خلال التثقيف”، وأكدت أنها بالواقع معسكرات للاعتقال في جميع أنحاء الإقليم.

وقالت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أنياس كالامار، إن ممارسات الصين بحق الأويغور والأقليات المسلمة أمرٌ “ينبغي أن يهتز له ضمير البشرية”، وأردفت “أن تخضع أعداد هائلة من البشر لغسل الدماغ، والتعذيب، وغيره من صنوف المعاملة المهينة في معسكرات الاعتقال، بينما يعيش ملايين آخرون في خوف مستمر في ظل جهاز ضخم للمراقبة”.

وفي يناير الماضي، قررت الحكومة الأميركية أن الإجراءات التي اتخذتها الصين في منطقة شينجيانغ ذاتية الحكم تمثل “إبادة جماعية” ضد سكانها من الأقليات العرقية الإيغورية، بسبب الإجراءات التي تستهدف المواليد الجدد، والحجز التعسفي، والأنباء التي تقول إن السلطات الصينية أخضعت نساء من هذه الأقلية إلى عمليات “عقم قسري”.

وحذت حذو الولايات المتحدة أربعة “برلمانات وطنية” أخرى منذ ذلك الوقت، بحسب مجلة فورين بوليسي الأميركية.

نقطة دم

ونقلت الحرة في تقرير سابق عن تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز بنهاية 2019، أن الصين ترسم خريطة لشكل وجوه المواطنين من الأويغور اعتمادا على الحمض النووي، الأمر الذي تورطت فيه مراكز أبحاث في دول غربية أيضا.

وجعلت الصين من الأويغور في منطقة شينغيانغ، وتحديدا في مدينة “Tumxuk“، أشبه بفئران تجارب لاختبار نظامها الذي تطوره من أجل تسهيل متابعة وملاحقة هذه الأقلية، وقامت بجمع عينات دم بشكل واسع من أجل اختبار نظام بناء شكل الوجه اعتمادا على نقطة دم.

ورغم أنه يبدو من الخيال معرفة شكل الإنسان من خلال نقطة دم واحدة فقط، إلا أن العلماء توصلوا إلى عملية تسمى “DNA phenotyping” والتي تتيح لهم تحليل الحمض النووي ومعرفة الصفات الأساسية لشخص ما، مثل لون يشرته ولون عينيه، وبالتالي إعادة بناء شكل وجهه باستخدام صور ثلاثية الأبعاد.

وأشار التقرير إلى أن تطوير هذه التقنية لا يتم فقط في الصين، إذ هناك عمل حثيث للتسابق من أجل الوصول إليها في الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، إلا أن إجراء التجارب الصينية في مناطق الأويغور يثير الشكوك بأن الهدف هو التنميط العنصري وتطوير أشكال التمييز ضد المسلمين، والذين يعانون أصلا من الاضطهاد في ظل الحكومة الصينية.

استخدمت الأبحاث عينات دم من نساء ورجال من الأويغور في الصين

استخدمت الأبحاث عينات دم من نساء ورجال من الأويغور في الصين

ويتخوف خبراء من استخدام الصين للنظام على المدى الطويل، خاصة إذا ما تم تفعيله مع نظام التعرف على الوجه من خلال كاميرات المراقبة المنتشرة في أنحاء البلاد، وإذا ما أضيفت خارطة بناء الوجه اعتمادا على الحمض النووي، فإن هذا سيعني أنها تبني نظاما يمكنها من تشديد قبضتها على المجتمع وتعظيم قدرتها على ملاحقة المعارضين والمتظاهرين.

ويشير التقرير إلى أن المفاجئ في الأمر أن بعض العلماء الصينيين يعملون في مختبرات تابعة لوزارة الداخلية، ولكن بعض العاملين تحت مظلة وزارة التقنية الصينية قد تلقوا دعما من مؤسسات علمية أوروبية، ناهيك عما قامت به مجلات علمية من نشر الأبحاث التي تتعلق بهذا الموضوع من دون التعمق للتعرف على أصل الحمض النووي المستخدم في إجراء هذه الدراسات، وحتى مراعاة التحفظات الأخلاقية التي تتعلق بجمع عينات الدم من مواطنين يعيشون في شينجيانغ.

وتشير إحدى الدراسات إلى أن بعض الأشخاص من سكان مدينة “Tumxuk” قدموا عينات الدم من أجل إجراء الأبحاث عن طيب خاطر، ولكن من المعروف أن سكان هذه المنطقة يعانون الاضطهاد ولا يملكون قرارا آخر عدا الموافقة على ما تطلبه السلطات، خاصة أولئك الموجودين في مخيمات الاعتقال والذين يجرون الفحوصات الصحية بشكل قسري.

ويشير الصحفيون معدو التقرير إلى أن السلطات الصينية منعتهم من إجراء مقابلات مع سكان مدينة “Tumxuk“، وحتى أن العديد من سكان المدينة اختفى، ناهيك عما شاهده الصحفيون من تجريف ودمار لمنازل المدينة.

ويقول علماء وناشطون في حقوق الإنسان إن السلطات الصينية تستغل أبحاث علم “الجينوم” والذي يتعلق بدراسة المادة الوراثية وتسخرها من أجل أهداف مشكوك فيها.

ومع القدرة على إعادة بناء الوجوه سيكون لدى السلطات الصينية أداة علمية وراثية من أجل إحكام سلطتها على الأويغور، وهي أصلا قامت بجمع العديد من عينات الحمض النووي منهم، وحتى بعيدا عن هذه الأقلية تمتلك الصين أكبر قاعدة بيانات “DNA” في العالم تضم نحو 80 مليون عينة.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى