منوعات

ما الذي يحدث لطفلك حين تتركه وحده في المنزل؟

هاشتاق عربي

شارك هذا الموضوع:

حينما عُرض فيلم “وحيد في المنزل” (Home alone) في تسعينيات القرن الماضي، أصبح واحدا من أنجح أفلام هوليوود الكوميدية، وحقَّق أرباحا عالمية تقارب نصف مليار دولار، المُثير في الأمر أن الفيلم ما زال إلى الآن واحدا من أشهر الأفلام بين فئات عمرية متنوعة.

يمكن فهم السر في هذه الشهرة حينما نتأمَّل أحداث الفيلم، التي تدور حول مفارقة نادرة وطريفة، طفل في الثامنة من عمره تقريبا، تتركه عائلته عن طريق الخطأ وحده في المنزل، وحين تُقرِّر إحدى العصابات سرقة المنزل، يدافع الصغير عن منزله في سلسلة من المواقف الكوميدية، حتى تأتي الشرطة ويحصل الجميع على نهاية سعيدة، ما عدا اللصوص بالطبع.

ولكن بينما حقَّق الفيلم نجاحا هائلا، فنحن ندرك أن الواقع لا يبدو بهذه الطرافة عندما نضطر لترك أبنائنا وحدهم في المنزل، وهي الظاهرة التي ازدادت بدرجة كبيرة مع تفشي وباء كورونا خلال العام الماضي، واضطرار بعض الدول لاتخاذ عدة تدابير للسيطرة عليه، كان منها بالطبع إغلاق المدارس ورياض الأطفال ودور الرعاية النهارية.

أدَّى ذلك إلى ظهور أزمة موازية تتعلَّق بانعدام خيارات رعاية الأطفال، وهي الأزمة التي واجهها خاصة أبناء العاملين والعاملات بمجالات الرعاية الطبية الذين واجهوا ضغوطا مضاعفة في العمل.

يُشير مصطلح “أطفال المفاتيح” (latchkey kids) إلى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة والثالثة عشرة، الذين يتولّون رعاية أنفسهم بعد العودة من المدرسة وحتى رجوع الآباء من أعمالهم إلى المنزل.

ظهر الاصطلاح للمرة الأولى في وثائقي من إنتاج هيئة الإذاعة البريطانية، بي بي سي، عام 1944 لوصف ظاهرة ترك الأطفال بمفردهم، حيث كان أحد الوالدين يتطوَّع للمشاركة في الحرب، ويضطر الآخر للحصول على عمل، بينما يعود الأطفال بمفردهم من المدارس مُسلَّحين بالمفاتيح المُعلَّقة في رقابهم، أو المتروكة أسفل دواسة الباب. (1)

لكن القلق الحقيقي بشأن أطفال المفاتيح ارتفع في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي، تحديدا في الولايات المتحدة الأميركية، فمع ارتفاع معدلات الطلاق وزيادة فرص العمل المتاحة للنساء، اضطر نحو 3 ملايين طفل تتراوح أعمارهم بين 6-13 عاما للبقاء في المنزل وحدهم بعد المدرسة لحين عودة الآباء من أعمالهم (2).

لم تُواجِه الأمهات خلال الحرب العالمية الثانية الانتقادات أو اللوم الاجتماعي الذي واجهته الأمهات منذ الثمانينيات، ويرجع ذلك إلى غياب الوعي بشأن التأثير السلبي لبقاء الأطفال بمفردهم قبل هذا التوقيت. وقد كانت دراسات عالِم النفس الاجتماعي جون بولبي حول نظرية التعلُّق التي صدرت في ثلاثة مجلدات، نُشرت في الفترة من 1969 حتى 1982، ذات أثر اجتماعي كبير في هذا السياق، حيث أكَّد فيها وجود علاقة بيولوجية انفعالية تُولِّد نوعا من الارتباط بين الطفل ومُقدِّم الرعاية، ورأى بولبي أن انفصال الأطفال عن أمهاتهم في عمر مبكر يؤدي إلى آثار مروعة. (3)

عموما، يُنصح بعدم ترك الأطفال أقل من 8 أعوام في المنزل بمفردهم ﻷي فترة زمنية، بينما يمكن ترك الأطفال من عمر 8 إلى 10 سنوات لفترة لا تتجاوز 90 دقيقة. أما الأطفال من 11 إلى 12 عاما فمن الممكن تركهم بمفردهم لمدة لا تتجاوز 3 ساعات، ومن 13 إلى 15 عاما من الممكن تركهم دون إشراف، على ألا يتضمَّن هذا المبيت وحدهم. (4)

وتختلف المعايير القانونية من بلد إلى آخر حول هذا الشأن، في بريطانيا مثلا، لا ينص القانون على سن معينة، لكن ترك الطفل بمفرده يُعتبر جريمة إذا عرَّضه للخطر. بينما يختلف الأمر في الولايات المتحدة من ولاية إلى أخرى، فمثلا، تُحدِّد ولاية ماريلاند الحد الأدنى للسن بـ 8 سنوات، بينما تحظر ولاية إلينوي ترك طفل يقل عمره عن 14 عاما دون إشراف. (5)

ويُعَدُّ عامل العمر من أكثر العوامل تأثيرا على الطفل، وبينما ينعكس تأثير الوجود لفترات طويلة بلا رعاية على الأطفال أقل من 10 سنوات في شيوع مشاعر الوحدة والملل والقلق، ترتبط المخاوف بدرجة أكبر في عمر المراهقة ببعض الظواهر السلوكية مثل التدخين أو تعاطي المخدرات أو الاختلاط الجنسي، وقد يزيد الأمر صعوبة إذا وجد الأطفال أنفسهم مضطرين للعناية بأشقاء أصغر، وهو ما يُجبرهم على لعب دور الكبار وتحمُّل مسؤولياتهم قبل أن يستعدوا بما فيه الكفاية.

في هذا السياق يظهر أن مشاعر الوالدين نفسيهما تنعكس على مشاعر أبنائهم، حيث وُجد أن الأطفال الذين يشعر آباؤهم بالأمان بشأن ترتيباتهم يميلون للشعور بالراحة، بينما يعاني الأطفال الذين يشعر آباؤهم بالذنب بشأن الاضطرار للعمل والقلق على وجود الأطفال بالمنزل من مشاعر القلق والخوف. لذلك يبدو أن الطريقة الوحيدة لتفادي الذعر والقلق هي التأكُّد من تزويدهم بما يلزم من مهارات الحفاظ على سلامتهم. (6)

إذا لم يكن هناك خيار آخر، وقرَّرت أن تترك الطفل بمفرده، فعليك أن تتأكَّد من دعمه بما يحتاج، لكي يتمكَّن من الاستفادة من التحمُّل المبكر للمسؤولية الذاتية. هذه بعض النصائح التي سوف تساعدكما معا على الاستفادة من هذه التجربة والمرور منها بسلام:

  • الدعم النفسي

امدح الطفل وشجِّع قدرته على الاستقلال والوفاء بمسؤوليات الرعاية الذاتية. لكن انتبه إلى أن بعض الأطفال يُظهِرون من النضج ما يسبق أعمارهم الفعلية، وهو ما يجعل آباءهم يضاعفون الأحمال المُلقاة على عاتقهم، دون مراعاة للعمر الفعلي للطفل. تأكَّد أيضا من سماحك لهم بالتعبير عن مشاعرهم، وشجِّع الأشقاء على الاحترام المتبادل والتواصل مع بعضهم بعضا.

بجانب ذلك، تأكَّد من وضع جدول مرن للطفل للقيام بالمهام الدراسية المطلوبة منه، مع وضع قائمة ببعض الأنشطة المفيدة والمسلية في إطار زمني يتسم بالمرونة.

  • إجراءات السلامة والأمن

تأكَّد من قدرة الطفل على التعامل مع مسؤولياته، ومن قدرته على فتح الباب وإغلاقه، فأنت لا تريد أن يمتلك طفلك مفتاحا ثم يجلس على عتبة المنزل لعدم تمكُّنه من إدارة المفتاح في ثقب الباب، وتأكَّد أيضا من ألا يُخبر أحدا عن وجود مفتاح المنزل معه.

علِّم طفلك عن وجوده بمفرده بالمنزل، درِّبه على إخبار مَن يتصل بالهاتف أن الوالدين مشغولان ولا يمكنهما الرد، مع تأكيد عدم فتح الباب للغرباء أيًّا كانت حججهم.

نَبِّه الطفل ألا يدخل المنزل إذا وجد أمرا مريبا، مثل باب مفتوح أو نافذة مكسورة، وتأكَّد من حفظ الطفل لرقم هاتفك وأرقام الطوارئ، مع وضع قائمة بأرقام الهواتف الخاصة بالشرطة وإدارة الإطفاء وأرقام الهواتف المهمة الأخرى.

تأكَّد من قدرته على التعامل مع الطوارئ المتعلقة بالمرافق المختلفة، مثل انقطاع التيار الكهربائي، أو حدوث أي تسريب في نظام الصرف، أشياء قد تبدو غير مهمة مثل أن يعرف مكان محبس المياه الرئيسي ومحبس الغاز في حالات الطوارئ قد تكون ذات أثر كبير يوما ما. (7)

  • المطبخ وتناول الطعام

تأكَّد من معرفة طفلك ما المسموح له استخدامه في المطبخ وما هو غير المسموح، ولا تسمح لهم باستخدام موقد الغاز، وإذا سمحت باستخدام الميكروويف فاشرح لهم قواعد الأمان الخاصة باستخدامه، واحرِص على حفظ السكاكين والأدوات الحادة في أماكن بعيدة عن متناولهم.

  • الحلول الرقمية

استعِن بالحلول الرقمية المتاحة، سواء وجود ساعة تتبُّع جي بي إس مع الطفل، أو هاتف محمول يمكنك تتبُّع موقعه من خلاله.

بإمكانك أيضا تركيب كاميرا مراقبة داخل المنزل، ويُفضَّل أن تكون مصحوبة بنظام صوتي يُتيح لك التحدُّث مع الطفل.

  • الدعم الخارجي

احرِص على توسيع دائرة الدعم لتشمل الأقارب والأصدقاء والجيران الموثوق بهم، وتأكَّد من استعدادهم للمساعدة إذا احتاج إليهم الطفل أو لم يستطع الوصول إليك في حالة طارئة. (7)

في النهاية، على الرغم من صعوبة الأمر، قد تصبح هذه الساعات التي يقضيها أبناؤك بمفردهم فرصة للنضج واستكشاف أنفسهم وتطوير مهاراتهم وقدرتهم على تحمُّل المسؤولية.

المصدر
الجزيرة

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى