الرئيسيةدولي

أسباب تدعو للقلق من التضخم في الولايات المتحدة

هاشتاق عربي - مارتن وولف

شارك هذا الموضوع:

الارتفاع في التضخم السنوي في أسعار المواد الاستهلاكية في الولايات المتحدة إلى 4.2 في المائة الأسبوع الماضي كان صدمة. لكن هل كان قويا بما يكفي لإثارة الشعور بالذعر؟ ليس من الواضح ذلك، لأن هناك عوامل خاصة يمكن أن تفسر ذلك. دائما ما كان الأمر كذلك: عندما يبدأ التضخم بالارتفاع، دائما ما يكون بإمكان العوامل الخاصة تفسير ذلك. لكن في الحقيقة، الأسباب الكبيرة التي تدعو للقلق ليست ما يحدث الآن، بل القوى السياسية الموجودة حاليا.

بطبيعة الحال، القوى الاقتصادية تشكل تلك الخيارات السياسية. وهذه القوى حاليا مثيرة للحيرة نوعا ما. الارتفاع الكبير غير المتوقع في أسعار المواد الاستهلاكية تبع تقرير التوظيف الضعيف بشكل غير متوقع: الشهر الماضي، أضافت الولايات المتحدة 266 ألف وظيفة فقط، بينما ارتفع معدل البطالة إلى 6.1 في المائة. التفسير الواضح هو أن هذا انتعاش من ركود غير مسبوق، ليس مدفوعا من الطلب المنخفض لكن من إغلاق العرض.

يشير جولدمان ساكس إلى أن الأسباب المباشرة لتلك القفزة تكمن في السفر والخدمات ذات الصلة، حيث تنتعش الأسعار من مستويات منخفضة جدا، وفي بعض السلع، حيث الارتفاع ما بعد الوباء في الطلب يواجه نقصا مؤقتا واختناقات.

يوضح جيسون فورمان من معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، أيضا، أن التوظيف لا يزال أقل بمقدار عشرة ملايين وظيفة عن اتجاه ما قبل الوباء في أبريل، على الرغم من أن معدل ظهور الوظائف كان أعلى في فبراير من 2021 مما هو في أي شهر منذ 2001. مرة أخرى، يشير هذا إلى اضطراب مستمر ما بعد الوباء في عرض العمالة. صدمة غير مسبوقة حتما تجعل من الصعب تفسير البيانات والتنبؤ بالأداء.

ينطبق عدم اليقين هذا أيضا على أسعار السلع الأساسية. فقد قفزت مسافة كبيرة إلى الأعلى. لكن الأسعار ليست مرتفعة بحسب المعايير التاريخية وهي أقل بكثير من الذروات السابقة.

في الوقت نفسه، “معدل التعادل” – الفرق بين العائد على سندات الخزانة الأمريكية التقليدية والسندات المعدلة حسب التضخم – ارتفع بشكل حاد، على الرغم من أنه لم يصل سوى إلى 2.5 في المائة على مدى عشرة أعوام. يشير هذا إلى ارتفاع في توقعات التضخم والقلق من مخاطر التضخم. يشير جون أوثرز من بلومبيرج إلى أن توقعات المستهلكين والمتنبئين المحترفين ارتفعت أيضا، حيث توقع المستهلكون تضخما بنسبة قريبة من 6 في المائة، وتوقع المتنبئون تضخما بنسبة 3 في المائة خلال العام المقبل.

سيكون من العدل الاستنتاج أن توقعات التضخم في حالة ارتفاع. لكن في المستويات الحالية، لن تثير قلق الاحتياطي الفيدرالي كثيرا، لأننا، كما قال جاي باول، رئيس الاحتياطي الفيدرالي، في أغسطس الماضي، “سنسعى إلى تحقيق تضخم يبلغ في المتوسط 2 في المائة بمرور الوقت. بالتالي، بعد فترات كان فيها التضخم أقل من 2 في المائة، من المحتمل أن تهدف السياسة النقدية المناسبة إلى تحقيق تضخم معتدل أعلى من 2 في المائة لبعض الوقت”. وحيث إن التضخم لم يحقق الهدف بمجموع تراكمي يبلغ خمس نقاط مئوية منذ عام 2007، فقد يبرر هذا، على سبيل المثال، تضخما بنسبة 3 في المائة لمدة خمسة أعوام، قبل العودة إلى نسبة 2 في المائة.

إذن (وبالتالي، وعليه) هل ينبغي أن نحافظ على الهدوء، مع العلم أن الأداء قصير الأمد هو دلالة على عدم القدرة على التنبؤ بعد الوباء، في حين أن توقعات التضخم المرتفعة هي فقط ما طلبه الاحتياطي الفيدرالي؟ نعم، إلى حد ما. القلق الحقيقي أعمق وعلى مدى أطول.

أولا، كل من إعدادات السياسة النقدية والمالية، بحسب المعايير التاريخية، هي توسعية بشكل كبير، مع أسعار فائدة قريبة من صفر، ونمو نقدي استثنائي وعجز ضخم في المالية العامة، على الرغم من أن صندوق النقد الدولي يؤكد أن الاقتصاد الأمريكي سيعمل أعلى من قدراته الكامنة هذا العام.

ثانيا، هناك فائض كبير من المدخرات الخاصة يجب إنفاقها وبالتأكيد رغبة كبيرة في العودة إلى الحياة الطبيعية. ربما، هذه لن تكون “الأعوام الصاخبة في العقد الثاني من الألفية”. لكنها قد تكون أكثر ديناميكية من الناحية الاقتصادية مما يفترض معظم الناس.

ثالثا، في حين أنني أفهم سبب تغيير الاحتياطي الفيدرالي لإطاره النقدي، فإنني غير مقتنع بأنها كانت فكرة جيدة. فهو يعني القيادة أثناء النظر إلى مرآة الرؤية الخلفية. بالتأكيد سيكون من الأفضل التعلم من التجربة السابقة كيف يعمل الاقتصاد بدلا من محاولة التعويض مباشرة عن الإخفاقات التاريخية. على وجه الخصوص، الإطار الجديد يوجد حالة من عدم اليقين بشأن الكيفية التي يعتزم الاحتياطي الفيدرالي بها تعويض حالات النقص في الماضي.

رابعا، والأهم، تغيرت العوامل السياسية. لا بد أن يكون عمر الشخص على الأقل 60 عاما ليواجه تضخما مرتفعا وانكماشا لاحقا كشخص بالغ. الحكومة وقطاعات كبيرة من القطاع الخاص لديها مطلوبات ديون وخطط اقتراض ضخمة. إدارة جو بايدن مصممة على ضمان ألا يكرر هذا الانتعاش خيبة الأمل من الانتعاش السابق. يتم تسعير سوق الأسهم بأكثر من السخاء بالمعايير التاريخية، مع وجود ظواهر الفقاعات في كل مكان. مذاهب “النظرية النقدية الحديثة” لها تأثير كبير أيضا. أدى كل هذا معا إلى تقوية جماعات الضغط من أجل الحصول على أموال رخيصة وعجز كبير في المالية العامة، وإضعاف جماعات الضغط الداعية إلى الحصافة.

بالنظر إلى كل هذا، فإن الشكوك بشأن الاحتياطي الفيدرالي معقولة. نحن نعلم أنه من الأسهل سياسيا تخفيف السياسة النقدية بدلا من تشديدها. في الوقت الحالي، سيكون التشديد غير مرغوب فيه بشكل خاص. ومع ذلك، إذا لم يبعد البنك المركزي طبق الحلوى المالية قبل انطلاق الحفلة، فعليه أن يأخذه بعيدا عن الأشخاص الذين أصبحوا مدمنين عليه. هذا مؤلم: يتطلب الأمر شخصا مثل بول فولكر.

قال ميلتون فريدمان إن “التضخم هو دائما وفي كل مكان ظاهرة نقدية”. هذا خطأ: التضخم هو دائما وفي كل مكان ظاهرة سياسية. السؤال هو ما إذا كانت المجتمعات تريد التضخم المنخفض. من المعقول أن نشك في هذا اليوم. ومن المعقول أيضا أن نشك فيما إذا كانت قوى خفض التضخم في العقود الثلاثة الماضية تعمل الآن بالقوة التي كانت عليها. من الصعب تصديق أن هذه السياسات النقدية الطارئة ينبغي أن تستمر لأعوام، كما يعتقد الكثيرون في الاحتياطي الفيدرالي. أشك في ما إذا كان ينبغي عليهم الاستمرار حتى في الوقت الحاضر.

فايننشال تايمز

صحيفة بريطانية دولية تتحدث عن الأعمال، يتم نشرها في لندن، تم تأسيسها في عام 1888 من قبل جيمس شيريدان وأخوه.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى