اتصالاتالرئيسية

الإنترنت الفضائي.. هل يهدد شركات الاتصالات؟

هاشتاق عربي

شارك هذا الموضوع:

خدمة الإنترنت عن طريق الأقمار الصناعية ليست بالأمر الجديد، فهي موجودة منذ إطلاق شبكة الإنترنت في أوائل تسعينيات القرن الماضي، غير أن الجديد في هذا المجال هو إمكانية الحصول على خدمة إنترنت بسعات عالية bandwidth تتميز بقصر فترة وصول الإشارة LATENCY. المنافسة في هذا المجال احتدت بعد دخول شركة “سبيس إكس”، المملوكة لرائد الأعمال الشهير إيلون ماسك، وإعلانها عن خدمة إنترنت عالية السعة وسريعة الإشارة ومعقولة التكلفة، وبالفعل تم إطلاقها واستخدامها منذ العام الماضي بشكل تجريبي، وفق تقرير نشرته صحيفة الاقتصادية.

ما المقصود بالاتصالات عبر الأقمار الصناعية؟ وما الشركات التي تقدم خدمات اتصالات خاصة بالإنترنت؟ وهل هذه التطورات تهدد شركات الاتصالات حول العالم؟ وأين نحن في المملكة من هذه التطورات؟

المدارات التي تعمل بها الأقمار الصناعية

منذ نجاح تجربة “سبوتنك” الروسية عام 1957 في إطلاق قمر صناعي فوق الأرض يمكن من خلاله إرسال إشارات اتصالات واستقبالها على الأرض، انطلق مجال الأقمار الصناعية ليس فقط للاتصالات الصوتية، بل كذلك للبث التلفزيوني وللمساحة الجوية عن طريق الاستشعار عن بعد، ولتتبع المركبات وتحديد المواقع وغيرها من التطبيقات.

تم استخدام الأقمار الصناعية التقليدية في نقل البيانات منذ إطلاق خدمة الإنترنت، حيث يغطي القمر الواحد فيها نحو ثلث مساحة الأرض، إلا أن هناك مشكلة كبيرة في هذه الأقمار وهي بطء وصول الإشارة بسبب الارتفاع العالي الذي تدور فيه الأقمار، حيث تستغرق الإشارة لتصل من المرسل إلى المستقبل في هذه الأقمار من نصف ثانية إلى تقريبا ثانية كاملة.

وهذه المشكلة خاصة بجميع الأقمار الصناعية في المدار الثابت بالنسبة للأرض لكونها موجودة على ارتفاع 36 ألف كم، وهذا القدر من التأخير غير مقبول في الخدمات، التي تتطلب فترة إشارة قصيرة، مثل المكالمات الصوتية بين شخصين أو أي تطبيقات أخرى تفاعلية تتطلب سرعة الاستجابة والتزامن بين طرفين.

ما سبب الارتفاع الشاهق لهذه الأقمار؟

إذا كان الارتفاع العالي يسبب مشكلات فنية لماذا لا تطلق هذه الأقمار على ارتفاعات أقل؟ السبب هو أنه على ارتفاع 36 ألف كيلومتر يمكن للجسم المطلق في هذا المدار أن يستمر في الدوران حول الأرض بشكل تلقائي بسرعة نحو 11 ألف كم في الساعة، وبذلك يبدو ثابتا في مكانه عند النظر إليه من الأرض. فلو تم إطلاقه في مدار أقرب إلى الأرض فسيدور حول الأرض بشكل أسرع من دوران الأرض حول نفسها، التي تتم بسرعة 1675 كم في الساعة، ولن يمكث فترة كافية فوق المنطقة المعنية.

لذا، فإن التغلب على بطء وصول الإشارة يتطلب إطلاق الأقمار في مدارات منخفضة، ولكن في هذه الحالة لا بد من استخدام عدة أقمار ليكون هناك اتصال مستمر، بسبب الحركة السريعة لهذه الأقمار.

على سبيل المثال مع انطلاق خدمة الهاتف المحمول في أوائل التسعينيات قامت شركات هواتف الأقمار الصناعية مثل “جلوبال ستار” و “إيريديوم” بإطلاق أقمار في مدارات منخفضة لتجنب مشكلة بطء الإشارة، ولهذا السبب احتاجت “جلوبال ستار” إلى 48 قمرا و”إيريديوم” احتاجت إلى 66 قمرا لتتمكن من تغطية جميع أجزاء الكرة الأرضية.

مجالات استخدام “جلوبال ستار” و”إيريديوم” و”الثريا” وغيرها

هذه الشركات الرائدة بالفعل لديها خدمات اتصالات عبر الأقمار الصناعية ولا تزال تعمل وتستخدم حتى اليوم، فمثلا هواتف “جلوبال ستار” و”إيريديوم” تباع بنحو خمسة آلاف ريال، وتكلفة الدقيقة في حدود خمسة ريالات، ولكنها تستخدم بشكل رئيس كهواتف اتصال ورسائل قصيرة، لذا فعلى الرغم من مناسبة سرعة الإشارة لديها بسبب قربها من الأرض في مدارات منخفضة لا تتجاوز ألف كم عن الأرض، إلا أنها لا تصلح لخدمة الإنترنت السريعة، وهذا أحد أسباب ظهور شركات جديدة ومنافسة في هذا المجال.

مصدر الصعوبة، التي تواجهها هذه الشركات تعود إلى الأطياف الترددية المخصصة لها والتقنية المستخدمة من قبلها والتكلفة العالية فيما لو تمت زيادة سعات البث لديها.

الحقيقة أنه توجد سوق لهواتف الأقمار الصناعية، ومنها في منطقتنا العربية خدمة الثريا، المقدمة من شركة إماراتية تمتلك وتدير قمرين صناعيين في المدار الثابت العالي، تمت صناعتها من قبل شركة بوينج للطائرات. وبحكم أنها في المدار الثابت فسرعة وصول الإشارة فيها بطيئة، وتغطيتها محدودة بنطاق تغطية القمرين، ليست مثل “جلوبال ستار” ولا “إيريديوم” اللتين تدور أقمارهما في مدارات منخفضة، وتغطي جميع أنحاء الكرة الأرضية. خدمة الثريا شبيهة بخدمة الشركة البريطانية “إنمارسات” التي لديها 14 قمرا صناعيا ثابتا، وتقدم خدمات اتصالات هاتفية وخدمات تحديد مواقع وتتبع مركبات حول العالم، ولكن لا توجد لديها خدمة إنترنت سريعة إلا بشكل محدود ولقطاعات ضيقة، مثل خدمة الإنترنت على متن الطائرات.

كيف تعمل خدمة “ستار لينك” للإنترنت الفضائية؟

الخدمة المقدمة من قبل “ستار لينك”، والمملوكة من قبل شركة سبيس إكس، تختلف عن الخدمات الأخرى في كون أقمارها تدور في مدارات منخفضة، تصل إلى حدود 200 كم في بعض تكويناتها، وكذلك في كونها متخصصة في تقديم خدمات إنترنت باستخدام تقنيات عالية من ابتكارها وخاصة بها.

عدد أقمار “ستار لينك”، التي تم إطلاقها حتى الآن نحو 1500 قمر، وهي كافية حاليا لتقديم الخدمة على نطاق ضيق، حيث يستخدمها حاليا نحو عشرة آلاف شخص، معظمهم في أمريكا والبقية في أستراليا وكندا وبريطانيا. العدد المستهدف لهذه الأقمار هو 12 ألف قمر، تم الحصول على موافقة هيئة الاتصالات الأمريكية بشأنها، مع وجود طلب لإضافة 30 ألف قمر جديد، ليصبح العدد 42 ألف قمر.

من المهم الإشارة هنا إلى أن الموافقة مشروطة بالقدرة على التنفيذ خلال مدة معينة وإلا ستسحب الموافقة من الشركة، لذا نجد أن “سبيس إكس” تعمل الآن بسرعة عالية لتصنيع وإطلاق الأقمار الصناعية على دفعات من 60 قمرا في الرحلة الواحدة من خلال صواريخ فالكون 9. ومن الممكن زيادة العدد متى بدأت مركبة “ستار شيب” بالعمل، التي تستطيع حمل وإطلاق عدد أكبر من الأقمار في الرحلة الواحدة.

كما يتضح من الجدول المرفق عن عمليات الإطلاق، يطلق تقريبا كل شهر صاروخ فالكون 9 أو صاروخين حسب الظروف، لذا فإن العملية تستغرق وقتا طويلا لاستكمال منظومة الأقمار. على سبيل المثال، لإطلاق 40 ألف قمر بمعدل 60 قمرا في كل رحلة وبمعدل رحلتين شهريا، سيحتاجون إلى أعوام طويلة للقيام بذلك. ولهذا السبب، فإن لدى “سبيس إكس” فرصة كبيرة للتفوق في هذا المجال عن منافسيها بسبب قدرتها على زيادة الحمولة لكل صاروخ من جهة، ومن جهة أخرى بسبب تكلفتها المنخفضة في إطلاق الصواريخ، نتيجة إعادة استخدام الصواريخ بعد الإطلاق.

لاحظ في الجدول الخاص بالإيرادات المتحققة من نشاطات صناعة الفضاء، أن إيرادات خدمات إطلاق المركبات نسبتها فقط 4 في المائة من إجمالي الإيرادات البالغة 360 مليار دولار عام 2018، وذلك لأن معظم الفوائد الاقتصادية تأتي من خدمات الاتصال وأجهزة المستخدمين، حيث تتجاوز 80 في المائة من الإيرادات.

تكلفة خدمة “ستار لينك” 500 دولار تدفع مرة واحدة للحصول على القطع اللازمة، وهي طبق لاقط صغير، يتحرك آليا لاختيار الاتجاه المناسب للأقمار، إلى جانب كابل طويل ومودم، وتتم برمجة النظام من خلال تطبيق يعمل على الهاتف المحمول. وتم تثبيت التكلفة الشهرية للخدمة عند 99 دولارا دون حدود يومية للاستهلاك، وبسرعة تصل في بعض التجارب إلى أكثر من 200 ميجا بت في الثانية، وهي سرعة مشابهة لسرعة شبكات الجيل الرابع للهاتف المحمول. ولكن بحكم أن منظومة الأقمار لم تكتمل بعد ولا تزال هناك تحديثات مستمرة، فيوجد هناك أحيانا انقطاعات في الاتصال وانخفاض في السرعة.

هل الإنترنت الفضائية منافسة للجيل الخامس من شبكات المحمول؟

حاليا متوسط سرعة شبكة “ستار لينك” أقل من سرعة شبكات الجيل الخامس، التي تتجاوز 500 ميجا بت في الثانية، لذا فهي لا تعد منافسا بديلا للجيل الخامس، بل ولا حتى منافس للجيل الرابع والسبب هو أن شبكات الهاتف المحمول لديها باقات بسرعات مختلفة تناسب شرائح مختلفة من العملاء، ولديها بنى تحتية قائمة تم استهلاكها ماليا على مدى أعوام طويلة، ما يؤدي إلى خفض التكلفة بشكل كبير.

لذا فالإنترنت الفضائية– حاليا- لا تعد منافسا بديلا لشركات الاتصالات، بل هي مكملة لها، خصوصا في إيصال الخدمة للمناطق النائية، وهذا ما جعل الحكومة الأمريكية تمنح “ستار لينك” العام الماضي نحو مليار دولار لتغطية مناطق نائية غير مخدومة حاليا.

من المتنافسون في مجال الإنترنت الفضائية؟

“ستار لينك” ليست الوحيدة في هذا المجال، فهناك عدد كبير من المنافسين، أبرزهم شركة أمازون التي لديها مشروع كيوبر المكون من أكثر من ثلاثة آلاف قمر صناعي في المدار المنخفض على ارتفاع نحو 600 كم، أي أعلى بقليل من أقمار “ستار لينك”. أما المنافسون الآخرون فهم مشروع ون ويب OneWeb، الذي خرج من حالة إفلاس العام الماضي، وحاليا تملكه الهند والحكومة البريطانية، ولديه 146 قمرا صناعيا على ارتفاع نحو 1000 كم، ومشروع تلي سات الكندي، إلى جانب تحالف عدد من الشركات بقيادة “إيرباص” وشركات إيطالية وألمانية وفرنسية.

الجميع يدرك أن “سبيس إكس” لديها ميزات تنافسية قوية، ودعم كبير من وكالة “ناسا” والحكومة الأمريكية، لذا فهناك سباق محموم لمنع حدوث واقع احتكاري يصعب الفكاك منه لاحقا.

كما أن هناك شكاوى موجهة ضد “سبيس إكس” فحواها أن كثرة الأقمار، التي أطلقتها وستطلقها مستقبلا، قد تصل إلى 42 ألف قمر، بدأت بالفعل تشكل تحديات أمام الشركات الأخرى نتيجة تزايد احتمال تصادم الأقمار وتعثر إشارات الاتصال. كما أن المراصد الفلكية حول العالم بدأت تواجه مشكلات متعلقة بالانعكاسات الضوئية لهذه الأقمار، ما جعل “سبيس إكس” تقوم بتعديل تصاميم الأقمار عدة مرات لتلافي ذلك.

من تلك الحلول، التي سارعت “سبيس إكس” في تطبيقها هناك عملية طلي الأضلع المواجهة للشمس باللون الأسود، وهو حل لم ينجح جيدا، حيث تسبب في ارتفاع درجة حرارة الأقمار، إلى أن قاموا بعمل مظلات واقية من أشعة الشمس، وكذلك برمجة الألواح الشمسية بحيث يتم تعديل اتجاهها، حسب موقع الشمس خلال اليوم.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى