الرئيسيةريادة

دروس في الاستثمار من مطلع القرن التاسع عشر

هاشتاق عربي - تيم هارفورد

شارك هذا الموضوع:

في آذار (مارس) 1918، عندما كان الجيش الألماني يخيم خارج باريس، سمع الاقتصادي البريطاني الشاب جون ماينارد كينز أن مزادا رائعا على وشك أن يقام في مدينة النور. كانت مجموعة الفنان الراحل إدغار ديغا الضخمة من القطع الفنية لأشهر الرسامين الفرنسيين في القرن الـ19 معروضة في المزاد.

شرع كينز على الفور في مغامرة مجنونة. أولا، أقنع وزير المالية بالإفراج عن 20 ألف جنيه لشراء الأعمال الفنية. سيكون المبلغ بالملايين بحسب قيمة العملة اليوم، وقد كان إسرافا مثيرا للفضول بعد مرور أربعة أعوام على القتال في حرب مدمرة، لكن حجج كينز سادت.

بعد ذلك، برفقة مدمرات ومنطاد فضي، عبر كينز إلى فرنسا مع مدير المعرض الوطني، السير تشارلز هولمز، الذي حلق شاربه وارتدى نظارة لإخفاء هويته. مع سقوط القذائف الألمانية على باريس، اقتنص الثنائي الإنجليزي صفقات قبل حمْلها مرة أخرى عبر القناة.

كتب كينز لاحقا: “كانت حركتي القوية بشأن اللوحات شأنا عاصفا”. كان هذا صحيحا الى حد بعيد، فقد أخذ إلى أقصى حد مقولة المستثمرين القدامى، “كن جشعا عندما يخاف الآخرون”. لكن كينز كانت لديه موهبة في جعل مخاطره تؤتي ثمارها. عندما توفي في عام 1946، كان يمتلك 400 ألف جنيه من الأسهم والأوراق المالية، والمخطوطة الأصلية لكتاب نيوتن “أصول الرياضيات”، وطبعة أولى من “الفردوس المفقود” ولوحات بريشة براك وبيكاسو وسورا وماتيس وسيكرت وديغا.

لقد كنت أتدبر دروس الاستثمار التي قد يتعلمها المرء من كينز. راجعت كتابين حول هذا الموضوع – من تأليف جون واسيك وجوستين والش – وبحثا أكاديميا من قبل أساتذة الاقتصاد المالي ديفيد تشامبرز وإلروي ديمسون وآخرين.

الدرس الأكثر وضوحا هو أن الفشل معلم جيد. بعد 18 شهرا من مغامرة باريس، كان كينز يضارب في أسواق العملات المتقلبة في فترة ما بعد الحرب. سارت الأمور على ما يرام بالفعل لفترة من الوقت، وحقق كينز ربحا بلغ ستة آلاف جنيه خلال بضعة أشهر – مقارنة بأجور ذلك الوقت، هذا المبلع يساوي نحو مليون جنيه اليوم.

كتب إلى أمه بارتياح واضح: “المال شيء مضحك (…) باعتباره ثمرة القليل من المعرفة وخبرة إضافية من نوع خاص، فإنه ببساطة (وغير مستحقة بأي معنى مطلق) يأتي إليك بمبالغ كبيرة”.

كل هذا سهل فوق الحد – وبالطبع لم يكن الأمر سهلا كما كان يبدو. بعد بضعة أشهر، مُسِحت ثروة كينز. تمكن من اقتراض المزيد والعودة إلى الربحية، لكن الدرس الذي تعلمه في أواخر الثلاثينيات من عمره كان لا يقدر بثمن. في عام 1929، عندما بدأ انهيار وول ستريت، أُخِذ كينز على حين غرة مثل أي شخص آخر، لكن رد فعله كان أسرع بكثير من رد فعل كثير من الناس.

ظهر درس ثان عندما حاولتُ فهم استراتيجية كينز: لا تتوقع الاتساق. بدأ كينز بمغامرات اندفاعية شنيعة في الفن والعملات، وتحول إلى استثمارات الأسهم الدورية على أساس النظرية القائلة إنه يمكنه التنبؤ بدورة الأعمال، وأخيرا تخلى عن التنبؤ الدوري لمصلحة الاستثمار طويل الأجل في القيمة من النوع الذي اشتهر به بنيامين جراهام ووارن بافيت.

حتى إن كينز قد استخدم هذه التكتيكات المتناقضة ظاهريا في وقت واحد: تلاحظ الاقتصادية إليونورا سانفيليبو أنه خلال انهيار السوق عام 1937، تمسك كينز باستراتيجية “الشراء والاحتفاظ” نيابة عن كينجز كوليج في جامعة كامبريدج، التي كان يدير صناديقها الاستثمارية، بينما باع الكثير من محفظته الخاصة في أوج الأسواق الهابطة. قد يكون هذا دلالة على القيود المالية الخاصة به، أو حقيقة أن محفظته الشخصية كانت تنمو بشكل أسرع وأقل تنوعا وكان حريصا على حجز المكاسب.

لا عجب أنه من الصعب استخلاص استنتاجات سهلة حول نهج كينز. يقدم واسيك قائمة بما يعتبره مبادئ الاستثمار الأساسية لكينز. وهي تشمل “لا تتحرك مع الجمهور” ولكن أيضا “استثمر بشكل سلبي”. إذا كان هذا يبدو وكأنه تناقض بالنسبة لك، فأنت لست وحدك.

لكن بعد ذلك، استوحى واسيك من رجل كتب ما يلي: “مبدئي المركزي في الاستثمار هو مخالفة الرأي العام،” لكن أيضا، “إنها قاعدة جيدة بشكل عام للمستثمر، بعد أن يستقر على فئة الأوراق المالية التي يفضلها (…) أن يشتري الأفضل فقط ضمن هذه الفئة”.

في كتابه الصادر في عام 1936 بعنوان “النظرية العامة”، كتب كينز ما يلي: “أساس معرفتنا لتقدير العائد بعد عشرة أعوام من سكة حديدية، أو منجم نحاس، أو مبنى في الحي المالي في لندن ليست لها قيمة تذكر وأحيانا لا قيمة لها”، لكن في عام 1942 أوضح، “أحاول عموما أن أتطلع بعيدا إلى الأمام وأنا مستعد لتجاهل التقلبات الفورية”.

لست متأكدا من أن دراسة ترجمات كينز جعلتني مستثمرا أفضل. فقد كان رجلا متناقضا، يتلخص مبدأه في هذا التعليق الساخر: “عندما تتغير معلوماتي، أغير مسار عملي. افعل ما يناسبك”. كينز، بالطبع، لم يقل هذه الكلمات قط. لكن يبدو بالتأكيد أنه كان يجسدها.

أن تكون على استعداد لتغيير رأيك هو فضيلة لا تقدر بثمن. ثم مرة أخرى، في بعض الأحيان، كذلك هو امتلاك شجاعة قناعاتك. في المزاد الفني في باريس، لم يستطع كينز إقناع هولمز بإنفاق جميع الأموال التي قدمتها وزارة الخزانة، على الرغم من جودة الصور والأسعار المتدنية. لذلك اختار كينز بنفسه لوحة سيزان بعنوان “تفاحات”. المعرض الوطني أضاع الفرصة، واليوم لوحة “تفاحات” معلقة في متحف فيتزويليام في كامبريدج.

فايننشال تايمز

صحيفة بريطانية دولية تتحدث عن الأعمال، يتم نشرها في لندن، تم تأسيسها في عام 1888 من قبل جيمس شيريدان وأخوه.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى