الرئيسيةالمصارف الذكية

عملة الصين الرقمية .. هل تشكل تهديدا لهيمنة الدولار العالمية؟

هاشتاق عربي - إيزابيلا كامينسكا

شارك هذا الموضوع:

في مزيد من الذعر تجاه الضجة الهائلة حول العملة الرقمية في الصين، أعلن بنك إنجلترا الأسبوع الماضي، أنه سيشكل فريق عمل مشتركا مع وزارة المالية البريطانية لاستكشاف إمكانية إصدار معادل بريطاني.

جاء في بيان صحافي صادر عنه، عملة رقمية من البنوك المركزية ستكون شكلا جديدا من أشكال الأموال الرقمية التي يصدرها بنك إنجلترا لتستخدمها الأسر والشركات. وستكون موجودة جنبا إلى جنب مع النقود والودائع المصرفية، ولن تحل محلها.

من المرجح أن تؤدي هذه الخطوة إلى تضخيم التصورات بأن الغرب لا يمكنه مواجهة التحديات الناشئة من تطورات العملة الإلكترونية في الصين، والكفاءات الأكبر التي من المحتمل أن توفرها للمستخدمين، إلا من خلال اتباع مسار مماثل.

ومع ذلك، هذه بالكاد هي الحال. عدم وجود تعليق حاسم حول الانتكاسات التي تواجهها الصين في جعل نظام اليوان الإلكتروني منافسا مناسبا للدولار يعد أمرا صارخا. كذلك الحال بالنسبة لعدم وجود تعليق حاسم مناسب بشأن العيوب الهائلة التي تصاحب أي نظام يختار استخدام عملة البنك المركزي الرقمية بالكامل (أو الاتحاد مع وزارة المالية المحلية بشأن أي إجراء من هذا القبيل).

من أجل تبديد بعض من هذه الأساطير وتحقيق التوازن بين الروايات الموجودة، رأينا الاستشهاد ببعض التعليقات من مارتن تشورزيمبا، زميل أعلى في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، الذي أدلى أخيرا بشهادة حول هذا “التهديد” أمام لجنة مراجعة الأمن الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين.

إليكم الخلاصة الرئيسة:

الضجيج تجاوز الواقع كثيرا فيما يتعلق بالعملات الرقمية، وعملات البنوك المركزية الرقمية، والرنمينبي الرقمي الصيني على وجه الخصوص. العملات الرقمية مثل البيتكوين تزدهر، لكنها في الأغلب بهدف المضاربة، لأنها غير مناسبة لأحجام كبيرة من معاملات الدفع. لا نزال في مرحلة مبكرة لم يتم فيها إثبات فوائد عملات البنوك المركزية الرقمية من الناحية العملية، والمخاطر (الإلكترونية، التشغيلية، والمالية) خطيرة بما يكفي بحيث إن معظم البنوك المركزية ستكون مترددة في إصدار أي منها حتى يكون بالإمكان تسوية أمورها بدرجة عالية من اليقين.

بالمثل، لم تثبت جهود العملة الرقمية في الصين بعد أنها ستكون أرخص أو أكثر كفاءة أو أكثر ملاءمة من أنظمة الدفع المحلية والدولية الحالية. بالتالي، من غير المحتمل أن تمثل تهديدا لهيمنة الدولار الدولية أكثر من الأشكال الحالية للرنمينبي، على الأقل على المدى القصير والمتوسط. لكن لا يوجد شيء مؤكد على المدى الطويل، لذلك ينبغي أن تستمر الولايات المتحدة بمراقبة جهود عملة البنك المركزي الرقمية في الصين وغيرها من ابتكارات العملة الرقمية بعناية، وتضمين أي دروس مفيدة لضمان أن الدولار وأنظمة الدفع التي تجريها ستبقى قادرة على المنافسة على المدى الطويل.

السياق المهم هو أنه بالنسبة للجزء الأكبر، فقد سمحت الدولة الصينية لشركات التكنولوجيا المالية مثل مجموعة آنت التابعة لمجموعة علي بابا وشركة وي تشات المملوكة لشركة تنسنت بالنمو لتصبح كيانات تشبه البنوك مهيمنة بشكل مفرط تقدم خدماتها للأنشطة المالية والتجارية. حدث هذا لأنه يناسب مصالحها لتحديث المشهد المالي ودفع الاعتماد الجماعي لأنظمة النقود الرقمية. كان من المنطقي استراتيجيا السماح لهذه الكيانات مؤقتا بمنافسة القطاع المالي المملوك للدولة الخاضع لتنظيم شديد.

لكن بعد تركها دون رادع سرعان ما أصبحت هذه الكيانات الخاصة قوية جدا وتميل إلى استغلال المراجحة التنظيمية الدولية، حيث أصبحت أكثر ثقة بقدرتها على رفض طلبات الحكومة الصينية الخاصة ببيانات عملائها.

كان من الواضح أن هذا سيؤدي إلى صراع على السلطة. عندما اتخذ بنك الشعب الصيني إجراءات في عام 2018 لإجبار هذه الكيانات على إدخال ودائع الزبائن في الميزانية العمومية للبنك المركزي على أساس حجز كامل للميزانية، أصبح واضحا أن الأوقات الجيدة قد انتهت. من هذه اللحظة فصاعدا، سيتعين على شركات التكنولوجيا المالية تنفيذ أوامر الحكومة أو رؤية مخصصاتها الاستثنائية مقابل البنوك تختفي.

ليس من المستغرب أن إطار العمل بدأ، على الفور تماما، في تقليص قدرة شركات التكنولوجيا المالية العملاقة على التنافس مع المؤسسات المالية المملوكة للدولة، ولا سيما فيما يتعلق بإنشاء الائتمان.

لكن بدلا من الاعتراف بالدرجة التي اعتمدت فيها حظوظه على المراجحة المالية التي تسمح بها الدولة في المقام الأول، رأى مؤسس علي بابا، جاك ما، أن من المناسب التنفيس عن إحباطه في خطاب ألقاه في تشرين الأول (أكتوبر) أصبح سيئ السمعة الآن، حيث انتقد اللوائح الحكومية المفرطة. سبب اعتقاده أن هذا من شأنه أن يشجع على تغيير موقف الحكومة يظل لغزا.

استخدمت الحكومة بشكل متوقع الانتقاد لإطلاق لوائح أكثر حتى تشددا بشأن الخصوصية ومكافحة الاحتكار والمخاطر المالية، التي أسهمت جميعها في إلغاء عملية اكتتاب عام أولي مخططة لمجموعة آنت.

في الأشهر التي تلت ذلك، تحركت السلطات الصينية لزيادة سيطرتها على مجموعة آنت أكثر حتى من قبل من خلال فرض إعادة هيكلة للمجموعة لتصبح شركة قابضة مصرفية مرخصة بالكامل. كما يستمر أيضا الصراع على السلطة مع جاك.

يوم الإثنين ذكرت وكالة رويترز أن مجموعة آنت ستستكشف الخيارات التي من شأنها رؤية جاك ما يتخلى عن سيطرته على الشركة من خلال إجباره على بيع حصته في شركة التكنولوجيا المالية بالكامل.

بحسب وكالة “رويترز”، قال أحد المصادر الذي له علاقة مع الشركة، إن مجموعة آنت كانت تأمل في بيع حصة جاك ما، التي تساوي مليارات الدولارات، إلى مستثمرين حاليين في المجموعة أو إلى شركة التجارة الإلكترونية التي تتبع لها، وهي مجموعة علي بابا القابضة المحدودة، دون إشراك أي كيان خارجي.

لكن المصدر الثاني الذي له علاقة مع الشركة أيضا قال إنه خلال المناقشات مع المنظمين، تم إخبار جاك ما أنه لن يسمح له ببيع حصته إلى أي كيان أو فرد قريب منه، وأن عليه بدلا من ذلك الخروج منها تماما. وقال المصدر إن هناك خيارا آخر سيكون نقل حصته إلى مستثمر صيني تابع للدولة.

كلا المصدرين المطلعين على طريقة تفكير الشركة قالا إن أي خطوة ستحتاج إلى موافقة بكين.

هذا هو السياق الذي تدخل فيه طموحات بكين بشأن اليوان الرقمي. هذا أمر مهم لأنه يوضح أن استخدام الأموال الإلكترونية ليس شائعا في الصين فقط، لكن أيضا – بفضل الإجراء التنظيمي الأخير تجاه مجموعة آنت – أن بنك الشعب الصيني يسيطر عليه بالفعل إلى حد كبير.

لذلك ربما يكون الدافع وراء اليوان الإلكتروني هو العوامل التكنولوجية والرغبة في الاستفادة من تكنولوجيا البلوكتشين اللامركزية الجديدة؟ حسنا، الأمر ليس كذلك. كما يقول تشورزيمبا، مسؤولو البنك المركزي الصيني رفضوا علنا استخدام تكنولوجيا البلوكتشين أساسا لليوان الإلكتروني لأنها لا تستطيع التعامل مع حجم المعاملات التي يتوقعونها.

يتساءل تشورزيمبا، إذن ما هو الدافع للمضي قدما بعملة البنك المركزي الرقمية؟ إذا كانت العملة والمدفوعات رقمية بالفعل، فإن بنك الشعب الصيني لديه فعلا القدرة على الحصول على البيانات من شركات التكنولوجيا المالية التي منحها تراخيص العمل، وتكنولوجيا البلوكتشين ليست عامل الجذب.

في النهاية، كما نؤكد منذ فترة طويلة، يتعلق الأمر كله بتوسيع الوصول إلى الميزانية العمومية للبنك المركزي أمام الكيانات غير المصرفية، لكن نظرا لأن فتح الميزانية العمومية أكثر من اللازم هو أيضا وصفة لتحويل التكاليف إلى الحكومة، يبدو أن الطريق إلى الأمام يركز على نظام من مستويين حيث يفوض بنك الشعب الصيني الوسطاء ويشرف عليهم، بدءا من البنوك.

هذا يفترض مرة أخرى السؤال التالي: كيف يختلف الأمر كثيرا عما لدينا الآن؟

يشير تشورزيمبا إلى أن الاختلاف الحقيقي الوحيد هو أن اليوان الإلكتروني، على عكس أموال الودائع المصرفية، لن يدفع أي فائدة على الأموال الموجودة في محافظ اليوان الإلكترونية، التي تعمل وفق نظام يمكن فيه للبنوك تقديم أسعار فائدة جذابة لجذب التمويل. ويعتقد أيضا أن بنك الشعب الصيني قد يميل إلى المساعدة في إخفاء تفاصيل هويات العملاء من تجار التجزئة باستخدام التشفير.

لكن إذا كان هذا هو النموذج الذي يجب اللحاق به في بقية العالم – ولا سيما النموذج المتحيز بالفعل لأسعار الفائدة السلبية على الودائع المصرفية أو الأوراق المالية الحكومية قصيرة الأجل – فإنه يدخل قوة مزعزعة للاستقرار بشكل هائل في النظام المالي، لأنه يوجد مناخا يتنافس فيه البنك المركزي مباشرة مع البنوك التي يمنحها التراخيص.

في عالم أسعار الفائدة السلبية، لا يمكن التخفيف من مخاطر عدم الوساطة هذه إلا من خلال وضع سقف صارم على قيمة الأرصدة التي يمكن لأي شخص الاحتفاظ بها على أنها عملة رقمية للبنك المركزي، أو عن طريق مطابقة بيئة أسعار الفائدة السلبية، لكن لمراقبة مثل هذا الحد الأقصى، يتطلب من النظام المركزي الحصول على مزيد من المعلومات حول مستخدميه، وليس أقل.

وبهذا المعنى، فإن قوة التعطيل الحقيقية التي تروج لها الصين لا تتمثل في الوصول إلى بنية تحتية متميزة للدفع، بل إلى نظام يمكن أن يسهل مراجحة أسعار الفائدة، ومن خلال ذلك يمتص التمويل في الدولار بعيدا عن النظام المالي الغربي. (بسعر فائدة أدنى من سعر السوق). والميزة الرئيسة الأخرى هي استخدام ذلك الإطار الممول جيدا لإنشاء “مجموعة بديلة من البنية التحتية المالية وترتيبات عملة مقاومة للعقوبات”، على حد تعبير تشورزيمبا.

يمكننا أن نرى سبب قلق محافظي البنوك المركزية بشأن هذا الأمر. إذا لم يعملوا على محاكاة النظام، فقد يتم امتصاص التمويل بالدولار من النظام المالي الغربي في حلقة تغذية مرتدة تؤدي إلى انخفاض قيمة الدولار لمصلحة اليوان (على الرغم من أنه من الواضح أن هناك عوامل أخرى تلعب دورا، مثل الثقة بالنظام المالي الصيني). وإذا أقدموا على المحاكاة فعلا، فمن الممكن أن يرى النظام المالي الغربي بنوكه المركزية تقوم بإلغاء تمويل شبكتها المصرفية الخاصة، في الوقت نفسه الذي تتبنى فيه ممارسات أكثر مركزية وتوجيها من الدولة ستجبرهم – بموجب أطر مكافحة غسل الأموال / اعرف عميلك – على مراقبة أكبر للسكان.

في كلتا الحالتين، الوضع يفيد الصين. ولا يقلل أي من المسارين من جاذبية قيام الخاضعين للعقوبات (أي الذين ليست لديهم منصات مالية) بالشراء في نظام شبكة مالية موازية، حيث يتم التسامح فيها مع طرقهم بدلا من معاقبتهم.

لكن تأطير المحادثة على أنها تحد تكنولوجي إنما هو هراء. كل ما يفعله هو صرف الأنظار عن الجوانب السلبية الحقيقية للأنظمة شديدة المركزية والطبيعة الحقيقية للمنافسة القائمة، التي هي نتاج لمراجحة أسعار الفائدة، والخصوصية من النوع الذي يقدره المستخدمون أكثر (الخصوصية التي تحمي من تدخل الدولة أو من تجار التنقيب عن البيانات وكيانات القطاع الخاص الأخرى)، ومسألة ما إذا كانت إزالة المنصات هي فعالة على الإطلاق.

فايننشال تايمز

صحيفة بريطانية دولية تتحدث عن الأعمال، يتم نشرها في لندن، تم تأسيسها في عام 1888 من قبل جيمس شيريدان وأخوه.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى