الرئيسيةالمصارف الذكية

كيف تهيمن الولايات المتحدة على نظام المدفوعات الدولية؟

هاشتاق عربي

شارك هذا الموضوع:

قبل أيام قليلة كان أحد العناوين الرئيسة لواحدة من وسائل الإعلام الأجنبية الناطقة باللغة العربية: “اندماج في الاقتصاد العالمي.. بطاقات الائتمان متاحة في السودان الآن”.

لم يكن العنوان إلا انعكاسا لإحدى حقائق الاقتصاد العالمي المعاصر، فبطاقات الائتمان لم تعد شكلا من أشكال التميز أو الاستعراض الاجتماعي لحامليها أو دليلا واضحا على تمتع مالكيها بإمكانات مالية مرتفعة، وإنما باتت مظهرا من مظاهر الاقتصاد الحديث، وجزءا لا يتجزأ من المنظومة الاقتصادية الدولية.

ودون تلك البطاقات قد يكون هناك كثير من الشكوك حول قدرة الاقتصاد العالمي على العمل بالصورة، التي بات يعمل بها في ربع القرن الأخير، ودونها لم يكن من الممكن تحقيق بعض القطاعات الاقتصادية مثل التجارة الإلكترونية، دورا رائدا في قيادة الاقتصاد الدولي.

صناعة بطاقات الائتمان صناعة تجارية ومالية عملاقة، إذ تشير بعض الدراسات إلى أنه بنهاية 2019 كان هناك نحو 9.9 مليار بطاقة ذكية منتشرة حول العالم، وهي صناعة يهيمن عليها عدد قليل من البنوك وشبكات الدفع الكبرى.

ويعتقد بعض الخبراء أن هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على تلك الصناعة يمنحها – إضافة إلى الدولار الأمريكي – وضعا مميزا ورائدا في نظام المدفوعات العالمي يصعب تحديه.

في 2019 أجري في الولايات المتحدة نحو 45 مليار معاملة تجارية ومالية بنحو 691 مليون بطاقة ائتمانية، تعود لأربع شبكات بطاقات ائتمانية رئيسة هي: فيزا، ماستر كارد، أمريكان إكسبريس، وديسكفر، وقدر التداول المالي عبر تلك البطاقات بنحو أربعة تريليونات دولار أمريكي.

وتشير الإحصاءات الأمريكية إلى أن من يراوح أعمارهم بين 30 و49 عاما يحتمل 83 في المائة أن يكون لديهم بطاقة ائتمان واحدة على الأقل، وإذا تم تصنيفك من قبل البنوك الأمريكية باعتبارك مستهلكا متوسطا، فإنه من المحتمل أن يكون لديك أربع بطاقات ائتمان.

ويقول لـ”الاقتصادية” وليام إيان، الخبير المصرفي في بنك ويست آند، “أكبر عشر جهات إصدار للبطاقات الائتمانية تحتفظ بنسبة 81.4 في المائة من أرصدة بطاقات الائتمان المستحقة عالميا، وفي الواقع، فإن الجزء الأكبر من تلك الأرصدة يعود للبطاقات الصادرة عن أربع شبكات أمريكية رئيسة وهي فيزا وماستر كارد وأمريكان إكسبريس وديسكفر، وشركتا فيزا ومستر كارد يستحوذان بمفردهما على 84 في المائة من أرصدة جميع بطاقات الائتمان الأمريكية للأغراض العامة”.

لكنه يشير أيضا إلى أن المتنافسين الأربعة ليسوا متساويين بأي حال من الأحوال، ففيزا وماستر كارد تتمتعان بميزة القبول العالمي، بينما تعرف أمريكان إكسبريس وديسكفر كميسرين للدفع لا يحتاجون إلى وسيط، لأنهم يصدرون البطاقات مباشرة إلى المستهلكين.

وتهيمن البطاقات الائتمانية التابعة لشركة فيزا بشكل ملحوظ على السوق الأمريكية، إذ تعد أكبر شبكات البطاقات الائتمانية العالمية، وخلال العام الماضي بلغ حجم المدفوعات الائتمانية في الولايات المتحدة، التي استخدمت فيها بطاقات فيزا الائتمانية نحو 1.96 تريليون دولار أمريكي بانخفاض من 2.05 تريليون دولار في 2019. ووفقا للبيانات المتاحة، فإن هناك 340 مليون بطاقة ائتمان أصدرتها شركة فيزا يتم تداولها في الولايات المتحدة و800 مليون خارج الولايات المتحدة.
في المقابل، بلغ حجم مشتريات بطاقات ماستر كارد الائتمانية في الولايات المتحدة 605 مليارات دولار نهاية أيلول (سبتمبر) الماضي، بانخفاض عن 665 مليار دولار عن العام الذي يسبقه، ويقدر عدد بطاقات مستر كارد في الولايات المتحدة بـ234 مليون بطاقة ائتمانية و709 ملايين بطاقة في بقية العالم.

أما بالنسبة لشركة أمريكان إكسبريس، فعلى الرغم مما تحققه من نمو من حيث إجمالي إنفاق أصحاب هذا النوع من البطاقات داخل الولايات المتحدة، الذي بلغ 828 مليار دولار، فإن عدد حاملي بطاقة أمريكان إكسبريس الائتمانية، سواء في الولايات المتحدة أو خارجها يظل محدودا مقارنة ببطاقات فيزا أو مستر كارد. وتقدر شركة أمريكان إكسبريس عدد حاملي بطاقتها داخل الولايات المتحدة بنحو 54.7 مليون بطاقة متداولة، ونحو 60 مليونا في بقية العالم.

“ديسكفر” أيضا من أكبر مزودي بطاقات الائتمان في الولايات المتحدة، وقبل انتشار فيروس كورونا بلغ حجم الشراء عن طريق تلك الشبكة الائتمانية 151 مليار دولار ارتفاعا من 143 مليار دولار 2018 و133 مليارا 2018، كما ارتفع عدد المعاملات، التي تم معالجتها عبر شبكة ديسكفر في 2019 إلى 7.50 مليار معاملة مقابل 6 مليارات معاملة عام 2017.

يمكن القول: إن سوق البطاقات الائتمانية شديدة التنافسية، لكن مجموعة صغيرة نسبيا من مصدري البطاقات تحتفظ بمعظم الأرصدة المستحقة لتلك البطاقات، وقد واجهت تلك الشركات تحديات كبيرة خلال العام الماضي نتيجة تفشي وباء كورونا.

ولـ”الاقتصادية” يقول آرثر جراي، الرئيس السابق لقسم البطاقات الائتمانية في بنك سانتاندير المملكة المتحدة، “بصفة عامة يمكن التأكيد أن تغيرات صناعة البطاقات الائتمانية في الحصة السوقية للشركات، التي تقوم بإصدار تلك البطاقات لا ينتج فقط عن الديناميكيات التنافسية وتفضيلات المستهلك، ولكن أيضا عن طريق ميل المستهلكين لاستخدام البطاقات ذات العلامات التجارية المتطورة والأكثر قبولا في السوق”.

ويضيف “خلال العام الماضي، واجهت شركات البطاقات الائتمانية عامة والأمريكية على وجه التحديد، معضلة الموازنة بين الرغبة في توسيع قاعدة العملاء، واستغلال الفرص الناجمة عن سياسات الإغلاق واعتماد المستهلكين على التبضع عبر الإنترنت واعتماد هذا النمط من المشتريات على البطاقات الائتمانية، وبين ضرورة تشديد معايير الإقراض، نظرا لارتفاع معدلات البطالة، وتوقف كثير من الأعمال وتقلص الدخول”.

ويؤكد انخفاض إصدارات بطاقات الائتمان عالية المخاطر في الولايات المتحدة من 2.53 مليون بطاقة ائتمانية عالية المخاطر في الربع الأول من 2020 إلى 1.84 مليون في الربع الثاني من العام ذاته، كما انخفض متوسط عدد البطاقات، التي يحتفظ بها المستهلك الأمريكي من 3.07 قبل تفشي الوباء إلى ثلاث بطاقات مع تفشي الوباء، كما خفضت شركات البطاقات الائتمانية متوسط الائتمان من 6629 دولارا عام 2019 إلى 5897 دولارا 2020.

لكن كثافة استخدام بطاقات الائتمان في الاقتصاد الأمريكي يحمل معه كثيرا من التحديات والتهديدات، وربما تكون واحدة من أبرزها ما أشارت إليه لجنة التجارة الفيدرالية في تقرير حديث لها، جاء فيه أن نحو 68 في المائة من المعاملات الجارية في الولايات المتحدة تتم عن طريق البطاقات الائتمانية، ما يجعل عمليات الاحتيال وسرقة بيانات المتعاملين واحدة من أكثر القضايا خطورة وتأثيرا في صناعة البطاقات الائتمانية والمدفوعات الالكترونية، نتيجة فقدان الثقة من قبل المستهلكين لهذا النوع من المعاملات.

ويقول لـ”الاقتصادية” باتن هامليتن، الخبير في جرائم النصب والاحتيال الإلكتروني، “بلغت خسائر الاحتيال في بطاقات الدفع 28.65 مليار دولار في جميع أنحاء العالم في 2019. الولايات المتحدة مسؤولة وحدها عن أكثر من ثلث إجمالي الخسائر العالمية، وبذلك فهي الدولة الأكثر عرضة للاحتيال على البطاقات في العالم، وتشير بعض التقديرات الأولية إلى أنه بنهاية العام الماضي كانت الولايات المتحدة تشهد خسائر بنحو 11 مليار دولار بسبب الاحتيال على بطاقات الائتمان، ولا شك أن انتشار فيروس كورونا، واعتماد المستهلكين على عمليات الشراء الإلكترونية غذى النمو الهائل في نشاط الاحتيال على البطاقات”.

ويتوقع باتن هاملتن زيادة أرقام الاحتيال في بطاقات الائتمان بشكل كبير في المستقبل بسبب اتساع نطاق قاعدة المستخدمين للمدفوعات الإلكترونية، حيث إنه مهما كانت التكنولوجيا المستخدمة، فإن المحتالين يكتشفون حيلا جديدة.

ويحذر من أن الشركات التجارية الكبيرة، مثل: أمازون وعلي بابا وغيرهما يمكنها تحمل الخسارة حتى لو كانت كبيرة جدا، أما إذا تعرض متجر صغير أو مطعم صغير لخسارة عشرة آلاف استرليني، فإن هذا قد يوازي رواتب العاملين لشهر أو أكثر.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى