الرئيسيةريادة

ماذا تعرف عن شركات “الزومبي”؟

هاشتاق عربي

شارك هذا الموضوع:

في إطار درامي مليء بالإثارة والتشويق أخرج المخرج الأمريكي الشهير جورج روميرو عام 1968 فيلم “ليلة الموتى الأحياء”، الفيلم يحكي قصة الموتى الأحياء أو ما بات يعرف باسم “الزومبي”، وهم يعودون للحياة ويروعون الآمنين من البشر، ومنذ ذلك الحين والزومبي جزء لا يتجزأ من أفلام الرعب.

لكن من الواضح أن الرعب الناجم عن الزومبي لم يعد حصرا على الأفلام السينمائية، إذ يبدو أن التمدد وصل إلى عالم الاقتصاد ليبث فيه الرعب ويروع المسؤولين عن صناعة السياسات الاقتصادية ويثير لديهم الفزع والخوف حول مستقبل المنظومة الاقتصادية.

“شركات الزومبي” مصطلح آخذ في الانتشار بين الخبراء وسط تحذيرات متزايدة لما يمكن أن ينجم عن تلك الشركات من مشكلات اقتصادية حادة، قد تهز الاقتصاد الدولي، الذي يمر حقا بواحدة من أكثر مراحله ارتباكا وعدم يقين تجاه المستقبل، وفق تقرير نشرته صحيفة “الاقتصادية” السعودية.

فما هي شركات الزومبي؟ وماذا يعني المصطلح؟ وما أسباب نشوء تلك الشركات؟ وما خطورتها الفعلية على الاقتصاد المحلي والدولي؟ وهل من وسيلة فعالة للتصدي لها؟ وكيف أسهمت جائحة كورونا في نموها وماذا عن مستقبلها؟

عديد من الأسئلة المطروحة بشأن شركات الزومبي سعت “الاقتصادية” إلى استكشافها عبر نقاشات مع عدد من الخبراء والمختصين الدوليين.

يقول لـ”الاقتصادية”، “إل. دي روزوري” الشريك الاستثماري في مجموعة اسكور العالمية للاستثمار، “أول ظهور للمصطلح كان في اليابان في تسعينيات القرن الماضي، ثم انتقل لأوروبا في أعقاب الأزمة المالية عام 2008، والآن نشهده بقوة في الولايات المتحدة، فأحد أبرز ملامح الزومبي، كما نشهدهم في الأفلام السينمائية تلك الحركة المتعرجة والبطيئة والرتبة خلال المشي، وهم في طريقهم للانقضاض على ضحاياهم، وشركات الزومبي بالمثل شركات ليست حية أو ميتة، تتحرك بشكل متعرج وبطيء، فهي في الأساس لا يمكن لأرباحها تغطية تكاليف خدمة ديونها على مدى فترة طويلة من الزمن، ولأن لديها كثيرا من الديون، فإن أي نقود تقوم بتوليدها تستخدم لسداد فائدة ما عليها من ديون، ومن ثم لا يوجد نقود فائضة تمكن شركات الزومبي من الاستثمار والتوسع والنمو، ومن ثم لا تستطيع أن تقوم بتوظيف مزيد من الموظفين”.

ويضيف “خطورة تلك الشركات أنها عمليا غير منتجة ولا تضيف للاقتصاد بشكل حقيقي ولا تسعى في الدخول في إجراءات إفلاس رسمية مثل التصفية التطوعية، هي شركات مثقلة بالديون ولكنها قادرة في الوقت ذاته على إدارة التزاماتها الحالية، باختصار هي شركات في الحجر الصحي”.

والخطورة أيضا أن الاقتصاد العالمي يشهد منذ تسعينيات القرن الماضي تناميا لشركات الزومبي بشكل مطرد، وفي الولايات المتحدة يقدر الخبراء عدد الشركات، التي انضمت إلى شركات الزومبي نتيجة جائحة كورونا بنحو 200 شركة ليصل إجمالي شركات الزومبي بين أكبر ثلاثة آلاف شركة أمريكية إلى نحو 600 شركة، بإجمالي ديون يصل إلى نحو 2.6 تريليون دولار.

في الوقت ذاته، يقدر إجمالي عدد شركات الزومبي في مجمل الاقتصاد الأمريكي بـ150 ألف شركة من 32.5 مليون شركة أمريكية، بينما يشير بنك التسويات الدولية إلى أن 20 في المائة من الشركات في أوروبا وآسيا هي شركات زومبي، بينما ذكر البنك المركزي في كوريا الجنوبية في تقرير له أن أكثر من 40 في المائة من الشركات المدرجة في البلاد والبالغ عددها 2175 شركة غير قادرة على تغطية مدفوعات الفائدة بأرباحها التشغيلية للعام الماضي.

وعلى الرغم من تأرجح شركات الزومبي اقتصاديا، فإنها تأخذ حصة من السوق، وفي الوقت ذاته تحبس بعض المواهب لديها، حيث إنها تقوم بتوظيف بعض الأشخاص الموهوبين، وتكون بالفعل قادرة على دفع رواتبهم فلا يوجد لديهم سبب لمغادرتهم إلى شركات أخرى ربما لن تدفع لهم ذات الرواتب، على الرغم من أنها شركات أكثر ديناميكية وأقل مديونية وأكثر فائدة للاقتصاد الكلي، ومن ثم لا يمكن للاقتصاد المحلي أو الدولي تحقيق الاستفادة القصوى من تلك المواهب.

لكن من يتحمل فعليا مشكلة تنامي شركات الزومبي في الاقتصاد العالمي؟ تحمل الأغلبية العظمى من المصرفين تلك المشكلة لتيسير البنوك لمعايير الائتمان وهيمنة بيئة الفوائد البنكية المنخفضة على النظام المالي العالمي.

ويقول لـ”الاقتصادية” أندروا مار مدير الائتمان المالي في بنك نيت ويست البريطاني، “إذا كان السؤال ما أسباب بروز تلك الشركات، ومن الذي يبقيها على قيد الحياة، فإن أصابع الاتهام يجب أن توجه صراحة إلى البنوك المركزية، التي تقوم بشراء سندات تلك الشركات الفاشلة عبر السماح لها بالوصول إلى الائتمان، فالمستوى الحالي للفوائد في جميع أنحاء العالم، والحجم الهائل لميزانيات البنوك المركزية، وتفاقم عجز الميزانيات الحكومية، سارع من تنامي الظاهرة”.

ويضيف “المفترض أن توزع البنوك المليارات من أموال الائتمان المدعوم من الحكومة بطريقة انتقائية، وأن يتم تجنب الشركات المتعثرة، التي من غير المرجح أن تسدد القروض، ولكن في الوقت نفسه كان الهدف النهائي، سواء خلال الأزمة المالية عام 2008 أو خلال عام كورونا كان الهدف الأساسي تجنب موجة الإفلاس وارتفاع معدلات البطالة بدلا من أن يكون الهدف هو تمويل النمو، ولهذا قامت البنوك المركزية بتمويل تلك الشركات على الرغم من فشلها”.

باختصار يمكن التأكيد أن الارتفاع الأخير في أعداد شركات الزومبي على المستوى العالمي يعزى إلى الركود الاقتصادي الناجم عن تفشي وباء كورونا لمدة عام ونيف، وأن المصير الطبيعي لتلك الشركات وفي الظروف العادية كان الإفلاس الحتمي، لكنها تفادت ذلك بسلسلة من برامج المساعدات الحكومية وضخ الأموال من قبل البنوك المركزية.

الآن ومع تفاقم الظاهرة لا يتردد بعض الاقتصاديين في المناداة بوقفة صارمة مع تلك الشركات، مع تحديد مستقبلها، وفقا لمنطق السوق والعرض والطلب، وليس من خلال الدعم المالي من المنظمات المالية، التي تديرها الدولة. وإذا كانت الدولة تصر على دعم تلك الشركات لتفادي هزات اقتصادية ناجمة عن إفلاسها، فإن النصائح التي يقدمها الخبراء تدعو إلى اختيار بعض الشركات، التي لديها احتمالية حدوث انتعاش وتقديم حزم مساعدة مؤقتة لها بعد مراجعة متأنية لسلامتها المالية.

من جهته، يقول لـ”الاقتصادية” الدكتور أفريم ديفيد أستاذ الاقتصاد الكلي في جامعة بروملي: “تواصل شريان الحياة من قبل الحكومات لجميع الشركات الزومبي يثير مخاوف بشأن التوزيع غير الفعال لرأس المال، وأي شركة ذات قدرة تنافسية منخفضة يجب أن تندمج مع شركات أخرى أو تغلق، ولا يمكن في الاقتصاد الرأسمالي أن تواصل الشركة البقاء على قيد الحياة من خلال تلقي المساعدة المالية من الحكومة”.

ربما يأتي هذا الموقف السلبي من شركات الزومبي والدعوات بإيجاد آليات وحلول لها، وفقا لمنظومة السوق، إلى التخوف من تناميها الراهن وتأثيرها السلبي في الاقتصاد العالمي لفترة طويلة، خاصة أن بعض الشركات الأمريكية الكبيرة، التي كانت تعد في يوم من الأيام من جبابرة الشركات قد بات ونتيجة وباء كورونا ضمن تلك الفئة مثل شركة دلتا إير لين، ومجموعة إكسون للموبايلات وكرنفال جروب.

بدوره، تعلق لـ”الاقتصادية” الباحثة الاقتصادية جيل ريتشارد قائلة، “قد ينجم عن السياسات المالية الدولية الراهنة مساعدة مئات الشركات المتعثرة على الوصول إلى أسواق ائتمانية غير مقيدة، وبذلك يوجه صانعو السياسات الاقتصادية من غير قصد تدفق رأس المال إلى شركات غير منتجة، ما يؤدي إلى انخفاض فرص العمل والنمو لأعوام مقبلة”.

لكن يمكن التوضيح أن كل الشركات، التي تحولت إلى زومبي، ليس مقدرا لها أن تظل عالقة إلى الأبد بين عالم الأموات والأحياء، أو أن تسير مترنحة وببطء، فبعضها سيكون قادرا على العودة إلى الحياة الطبيعية، والأرباح التي تقلصت وغابت بسبب كورونا، حيث يمكن استعادتها مع تزايد أعداد الأشخاص الحاصلين على التطعيم ورفع سياسات الإغلاق وعودة الاقتصاد العالمي لسيرته الأولى.

وفي النهاية ربما لا تحتاج تلك الشركات لكل الديون، التي حصلت عليها، لكن من المؤكد أيضا أن الأموال الطائلة، التي حصلت عليها شركات الزومبي كمساعدات من الحكومات ستحد من قدرة بعضها على تحقيق نفقات رأسمالية والتكيف مع عادات المستهلكين في عالم ما بعد كورونا.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى