الرئيسيةمقالات

بتكوين وشقيقاتها!!

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي – جيليان تيت

أسبوع آخر، موجة أخرى من مفاجآت “بيتكوين”. لا يهم ما إذا كان سعر العملة الرقمية قد تذبذب بشكل كبير، أو أن إيلون ماسك، مؤسس “تسلا” اللامع، في طريقه، كما يقال، لتحقيق أرباح للشركة من استثمار “بيتكوين” أكثر مما حققه من تصنيع السيارات الكهربائية العام الماضي. في الأسبوع الماض، كان من اللافت للنظر بالقدر نفسه أن “سيتي بانك” أخبر عملاءه أن العملة الرقمية وصلت إلى “نقطة تحول” ويمكن أن تصبح يوما ما “العملة المفضلة للتجارة الدولية”.
هذا يشير إلى مستويات الاحتفال المتوقعة من عشاق “بيتكوين” والذهول أو الرعب من الآخرين تقريبا. مع ذلك، يبدو أن منتقدي العملة المشفرة والمعجبين بها يتفقون على شيء واحد: “بيتكوين” تأخذ التمويل إلى عالم التجارب التكنولوجية الجريئة في القرن الـ 21.
أهو كذلك؟ في أسبوع مثل هذا، ينبغي أخذ عدسة تاريخية أوسع – وإلقاء نظرة خاطفة على أجزاء من الماضي، مثل بعض الأبحاث التي أجريت في ميكرونيزيا من قبل سكوت فيتزباتريك، عالم آثار في جامعة أوريجون، وستيفن ماكيون، أستاذ في كلية إدارة الأعمال في جامعة أوريجون. كان الثنائي يدرس نظام النقود الحجرية القديم الذي كان موجودا في السابق في جزيرة ياب في ميكرونيزيا، التي كانت تعامل فيها المجتمعات المحلية الأقراص الحجرية الكبيرة باعتبارها وسيلة للتبادل.
أشار الثنائي في بحث نشر في 2019 في مجلة الأنثروبولوجيا الاقتصادية، إلى أن مثل هذه الأقراص الحجرية، التي تسمى “راي” rai “كانت قيمة للغاية”. لكن هذه الأحجار كانت ضخمة جدا “ونظرا لحجمها ووزنها وهشاشتها النسبية، لا يتم نقلها عادة بعد وضعها في مكان محدد، وإذا تم إهداء راي أو تبادله، فإن المالك الجديد للقرص ربما لم يكون قد عاش بالقرب منه”.
قد يجعلها ذلك تبدو عديمة الفائدة بصفتها شكلا من أشكال المال. لكن المجتمع المحلي احتفظ بدفتر أستاذ شفوي فعال للغاية في تتبع من يمتلك القطع الحجرية الكبيرة غير القابلة للنقل، وخلص فيتزباتريك وماكيون إلى أن “الراي”، باعتباره سجل قيمة، كان “نظيرا أنموذجيا قديما للبلوكتشين” (التكنولوجيا التي تشغل البيتكوين).
أوجه التشابه بين الاثنين محدودة. لا يمكن تقسيم القطع الحجرية بسهولة مثل “بيتكوين”. ونظرا لأن دفاتر الأستاذ الخاصة بالبلوكتشين تستند إلى شفرة حاسوبية ثابتة (على ما يبدو)، فهي تبدو أكثر ديمومة من الذاكرة المجتمعية. من الواضح أن دائرة المشاركين في صفقات “بيتكوين” والبلوكتشين أكبر بشكل كبير مما كانت عليه مع “الراي”.
لكن هناك أوجه تشابه أخرى تثير التفكير بين الاثنين. أولا، “الراي” مثل “بيتكوين” كانت تحظى بقيمة بسبب الندرة الملحوظة مثلما يتطلب الأمر الآن قدرا هائلا من الجهد لتعدين “بيتكوين” (المصطلح الفني لإنشاء عملات معدنية جديدة)، كذلك كان شراء “الراي” أمرا صعبا. تم استخراج الأقراص الحجرية من بالاو، التي تبعد 400 كيلومتر عن جزيرة ياب، ونقلها بعد ذلك عبر البحار.
كان هذا هو الجزء الأكثر إثارة للإعجاب في لوجستيات النقل البحري التي شهدتها المنطقة حتى وصل المستكشفون الأوروبيون في القرن الـ 18، وكان صعبا بشكل محير للعقل في ذلك الوقت (رغم أن ضرره من الناحية البيئية أقل بشكل كبير من العملية القذرة لتعدين “بيتكوين” التي تتطلب استخدام كميات ضخمة من الكهرباء).
النقطة الثانية من أوجه التشابه هي أن “الراي” كانت تعمل عمل المال لأنه كانت هناك ثقة مجتمعية. على عكس النظام النقدي الحديث التقليدي، فإن “الثقة” التي يستند إليها “الراي” لم تعمل بطريقة رأسية أو هرمية – أي بسبب الثقة في قائد أو مؤسسة، بدلا من ذلك تم “توزيعها” أفقيا. كان على كل فرد في الحشد أن يثق في أن أي شخص آخر سيحترم دفتر الأستاذ الشفوي.
تعتمد “بيتكوين” أيضا على الثقة المنتشرة بين جمهرة من الناس. رغم الشفرة الحاسوبية قد تبدو غير شخصية وبعيدة عن التدخل البشري التعسفي، إلا أن النظام يعمل فقط إذا وثق الأشخاص في قدسية تلك الشفرة الحاسوبية. إذا تعطل ذلك النظام في أي وقت – مثلا بسبب اختراق إلكتروني أو تغيير في القواعد – فستحصل عملة بيتكوين على قيمة أقل حتى من قيمة “الراي” اليوم.
لا يوجد ما يشير إلى انهيار الثقة في البلوكتشين. في الواقع، تدعي الملاحظة الأخيرة الصادرة من “سيتي” عكس ذلك. تتمثل النقطة الأساسية في أن: أي شخص يراهن على العملة لا يعبر فقط عن ثقته في الخوارزميات، بل في نمط معين من الثقة أيضا (أي إن الشفرة الحاسوبية هذه تعني شيئا).
هذا لا يجعل “بيتكوين” غير صالحة أو أن البلوكتشين عديمة الفائدة. فقبل كل شيء، العملات الرئيسة التي تعتمد عليها حياتنا تعتمد أيضا على معايير اجتماعية ضعيفة في بعض الأحيان. إحدى الطرق لتأطير المنافسة بين “بيتكوين” والعملات الورقية هي معركة القواعد، والثقة المنتشرة مقابل الثقة الهرمية.
كما تظهر قصة “الراي”، عندما يتعلق الأمر بالاقتصادات البشرية، لا يوجد شيء جديد تماما. في الواقع، هناك شائعة تدور بشكل دوري حول عالم التشفير وهي أن هذا هو المكان الذي استوحى منه أسلاف “بيتكوين” الغامضون (وهذا هو السبب في أن بعض مدونات “بيتكوين” تحتوي على عناوين تتضمن كلمة “ياب”). ربما ينبغي أن تكون رحلة ماسك التالية إلى ميكرونيزيا، حيث لا تزال تلك الأقراص الحجرية عديمة الفائدة الآن تتناثر في المناظر الطبيعية باعتبارها علامة على ما يحدث عندما تتغير معايير الثقة وأنماطها.

المصدر
الاقتصادية

فايننشال تايمز

صحيفة بريطانية دولية تتحدث عن الأعمال، يتم نشرها في لندن منذ تأسيسها في عام 1888 من قبل جيمس شيريدان وأخوه. هناك اتفاق خاص بين فايننشال تايمز وصحيفة الاقتصادية السعودية يتم بموجبها ترجمة لأهم مقالاتها يوميا

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى