الرئيسيةشبكات اجتماعية

أندية الثرثرة.. تنفيس أم أداة؟

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي

تصر تطورات التكنولوجيا المتلاحقة على تحويل ما يقدم، حتى عهد قريب، ضمن باب الخيال العلمي، إلى حقيقة واقعية، ولا سيما مع احتدام المنافسة بين عمالقة التكنولوجيا، ومن ورائهم الصراع الملتهب، بين الغريمين الكبيرين أمريكا والصين، حول من يظفر بريادة العالم الرقمي. يجد كل مستخدم لتطبيق كلوب هاوس “بيت النادي” نفسه أمام تجربة فريدة، تتيح إمكانية الاستماع بمعية آخرين إلى ثرثرة في بث حي، دون أن يستطيع أحدهم أن يرى الآخر. زيادة على إمكانية الانتقال إلى متحدث، مستفسرا أو محاورا، بمجرد رفع اليد لطلب الكلمة، ومنحك الإذن بالكلام من إدارة الغرفة، علاوة على إمكانية الخروج بهدوء مطلق، دون إثارة ضجيج أو لفت انتباه.
يطفئ التطبيق هذا الشهر شمعته الأولى، بعد انقضاء عام على إطلاقه، من قبل شركة Alpha Exploration، في ذروة انتشار وباء كورونا في العالم، فقد تبلورت فكرة إنشاء التطبيق في ذهن مؤسسيه “بول دافيسون” و”روهان سيث”، مع بداية تفشي جائحة كورونا، واتجاه كثيرين إلى العمل من المنزل، كأداة للثرثرة والتنفيس، من أجل الترويح عن المعزولين في بيوتهم، والتخفيف قدر الإمكان من وطأة الجائحة على النفوس.
يتميز كلوب هاوس عن بقية شبكات التواصل الاجتماعي بالاعتماد كليا على التواصل الصوتي، ما يسقط أي قلق بشأن لباس المتكلم أو مكان وجوده أو غير ذلك. فالتطبيق يحررك، مقارنة ببقية أقرانه، من مشكلة الكتابة أو الصورة “فيسبوك وتويتر وإنستجرام…”. إنه أقرب إلى شبكة تواصل صوتية، خاصة بالمدعوين إليها فقط، وهذه ميزة أخرى له، فالانضمام إليه يكون عبر تلبية دعوات حصرية للتسجيل، فمجرد التحميل لا يتيح إمكانية البدء بالتشغيل، ما لم تكن هناك دعوة من عضو يستخدم التطبيق.
تبقى النخبوية أهم ميزات “بيت النادي”، فلحظة الإطلاق لم يتجاوز عدد الأعضاء 1500 مستخدم، بقيمة حُددت في مائة مليون دولار. واعتمد أصحابه على استقطاب النخبة “الأغنياء والمشاهير…” للترويج له، وقد نجحوا في تحقيق هدفهم. فقد قفزت تلك الأرقام، في غضون عام واحد، إلى أزيد من ثمانية ملايين شخص مستخدم للتطبيق، فيما بلغت قيمته مليار دولار. يذكر أن هذه الحصيلة السنوية تحققت وإمكانية تشغيل تطبيق “كلوب هاوس” متاحة لمستعملي هواتف “آيفون” فقط، وهذا عنصر أساسي في الخطة التسويقية للتطبيق، علاوة على ارتكازهم على ما يعرف في أدبيات التسويق بتجزئة السوق، وذلك باستهداف عملاء بينهم خصائص وقواسم مشتركة “الاهتمامات، الموقع الاجتماعي، القدرة الشرائية…”. وهذا ما يفسر سر اشتراط الدعوات الحصرية، قصد البدء في استخدام التطبيق.
“كل ممنوع مرغوب”، يبدو أن دافيسون وسيث أخذا هذه المقولة في الحسبان عند إطلاق “كلوب هاوس”، فحصرية ونخبوية التطبيق تمنح مستخدميه شعورا بالتميز والاستحقاق والامتياز، ففكرة الدعوات ولدت فكرة اهتمام الأفراد، ممن ليست لديهم دعوات، وبالتالي تزيد الحصرية من فضولهم وتكالبهم على انتزاع دعوة للدخول، والاطلاع على ما جرى داخل غرف الدردشة المتخيلة ونيل “شرف” الالتحاق، على غرار ما يحدث في دعوات المهرجانات وتذاكر مباريات نهائيات كرة القدم. وبلغ الأمر في دول مثل الصين درجة بيع دعوات تمكن من دخول النادي الرقمي، بمبالغ تراوح بين 25 و60 دولارا.
جاءت فكرة الصوت بدل النص في التطبيق، بهدف “بناء تجربة اجتماعية تبدو أكثر إنسانية، حيث يمكنك بدلا من النشر، الاجتماع مع أشخاص آخرين والتحدث سويا”، كما يؤكد ذلك مؤسسا “كلوب هاوس”. وقد استطاعت تقنية أسلوب المحادثات الفورية المباشرة جذب كثير من المستخدمين، لأنها تعطي شعورا بالقرب والحميمية، وتقرب من أجواء الجلسات والسهرات التي توقفت بسبب كورونا، حتى بدا التطبيق البديل الأنسب للتعايش مع قيود الجائحة.
لكن هذا الرهان بقدر ما يفسح المجال أمام هوامش من الأمن والأمان، بشأن الخصوصية الشخصية، فالمحادثات التي تجرى لا تسجل في غرف الدردشة، علاوة على انعدام خط زمني أو حائط، يمكن الرجوع إليه لاسترجاع المحادثات السابقة. فقواعد الاستخدام أقرب ما تكون إلى محادثة هاتفية، تنقضي مع المكالمة، ولا سبيل إلى استرجاعها أو تسجيلها، ما لم يكن ذلك باستعمال برنامج تسجيل صوتي منفصل، حيث تحظر شروط خدمة “كلوب هاوس” تسجيل المحادثة.
بقدر ما يثار من أسئلة حول حدود القدرة على التعامل مع إساءة الاستخدام وعدم التقيد بالقواعد على التطبيق، خاصة مع الزيادة المتنامية في أعداد المستخدمين، فداخل غرفة الدردشة الواحدة قد يصل عدد المشاركين إلى 5 آلاف شخص، ما يجعل تحدي رقابة المحتوى محل إشكال كبير، ولا سيما أن أقران هذا التطبيق في وسائل التواصل الاجتماعي غير قادرين حتى اللحظة على حسم معركة ضبط النصوص والصور والفيديوهات، فكيف سيكون الأمر مع تسجيلات صوتية في مواضيع شتى وبلغات مختلفة!
صحيح أن فكرة التطبيق كانت نبيلة، حيث يعمل على إحياء التواصل بين الأفراد متخطيا حواجز كورونا، لكن الخشية أن ينقلب لاحقا إلى أداة للدعاية والحشد والتوجيه والتحريض حين يقع بين أيدي المتطرفين والأيديولوجيين والشموليين، خاصة مع قوة الصوت في توصيل المعنى، عبر بلورة اللفظي منه وغير اللفظي باستخدام النبرة، والطبقات الصوتية، والصمت وطريقة الكلام… فضلا عن احتمال توظيف معان مباشرة وغير مباشرة قابلة لتحديد التأويل، بأكثر من اللغة المكتوبة الفاترة المقيدة، بشكل الحرف وسياقه متعددة التأويلات.
بعيدا عن كل هذه المخاطر، تثار مسألة الوقت بشدة في التطبيق، فالاستخدام الطبيعي للتطبيق يعني توفير وقت قد يصل إلى عدة ساعات في الجلسة الواحدة، وحاصل الاستخدام اليومي إهدار كثير من الوقت. فالنقاش داخل الغرفة الواحدة قد يمتد ساعات عديدة، لدرجة أن مستخدما قد ينام ثم يعود لينضم إلى النقاش في الصباح، بعدما ظهرت غرف باسم “الغرفة الدائمة”، بتحدي البقاء أطول فترة ممكنة في الغرفة المفتوحة.
من أحدث طرائف التطبيق أن مسؤولا عن غرفة أعطى الكلمة لأحد الأعضاء للحديث، فاسترسل الرجل في الكلام لما يفوق ساعة من الزمن قبل أن يسكت، واستغرب الجميع من عدم إيقاف المشرف على الغرفة له طيلة هذه المدة، قبل أن يكتشفوا أن المعني بالأمر قد استغرق في نوم عميق وتركهم.
مهما يكن من أمر، يظهر أن التطبيق يحاول أن يصنع لنفسه مكانة تليق به، وسط منافسة قوية من إخوته الكبار، مستثمرا بالخصوص ما يتسم به من مميزات خاصة. لكن النجاح الظرفي بين النخبة الرقمية، لا يكفي دليلا للقطع بأن تطبيق الثرثرة فرض نفسه، فشعبية التطبيق لن تختبر حقيقة إلا بعد إتاحته للعموم.

المصدر
الاقتصادية

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى