الرئيسيةريادة

لماذا التغاضي عن بعض الأفكار الرائعة؟

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي – تيم هارفورد

في 1928، بدأ كارل جانسكي، وهو مهندس راديو شاب في مختبرات بيل للهاتف، البحث في تداخل التشويش الذي قد يحجب الإرسال الصوتي. عقب خمسة أعوام، بعد بناء هوائي دوار كبير والتحقيق في كل احتمال يمكن أن يخطر بباله، نشر استنتاجه المذهل: بعض أجزاء التشويش آتية من مجرة درب التبانة.
كانت نظرية جانسكي لافتة للنظر بدرجة كافية ليتم نشرها في صحيفة نيويورك تايمز لكن العلماء لم يتأثروا. إشارات الراديو من الفضاء الخارجي؟ من المؤكد أنها كانت أضعف من أن تكتشف. تم تجاهل أفكار جانسكي إلى حد كبير لمدة عقد تقريبا. توفي عن عمر يناهز 44 عاما. لحسن الحظ، عاش طويلا بما يكفي لرؤية أفكاره تتفتح لتصبح تخصص علم الفلك الراديوي.
قصة جانسكي لا تزال تثير فينا مشاعر قوية: نحن جميعا نحب فكرة الباحث الذي يسبق وقته كثيرا لدرجة أن الأمر يستغرق أعوام إلى أن يتمكن بقية العالم من اللحاق بالركب. بحث جريجور مندل في علم الوراثة النباتية مثال مشهور – نشر في 1866، ولم يتم التحقق منه ويؤخذ على محمل الجد إلا في 1900.
حالة أكثر لفتا للانتباه هي قاعدة بايز، التي طورها توماس بايز في أربعينيات القرن الـ18 التي تم التخلي عنها حتى من قبل بايز على ما يبدو، ثم أعاد بيير سيمون لابلاس اكتشافها وصقلها في سبعينيات القرن الـ18. تشرح قاعدة بايز كيفية تحديث المعتقدات السابقة في ضوء المعلومات الجديدة. لا يوجد شيء مرفوض بشأن الرياضيات التي تقف وراءها ولكن ما أثار الجدل هو فكرة أنه يمكنك البدء بتخمين عشوائي، ثم تقوم بتحديثه بمرور الوقت مع ورود معلومات جديدة.
كما قالت شارون بيرتش ماكجراين في كتابها المعنون “النظرية التي ترفض أن تموت” The Theory That Would Not Die، فقد اعتبرها معظم الإحصائيين من الكلام الفارغ خلال جزء كبير من القرن الـ20: ما يقوم على باطل فهو باطل. لكنها الآن تحظى بالاحترام مرة أخرى.
في رأيي، هذا الإحياء يعود بالخير. كان من الممكن أن يتجاهل المتشددون الإحصائيون في المدرسة القديمة سؤالا مثل “ما احتمال أن يتسبب فيروس تنفسي في حدوث جائحة عالمية؟” قد يجادلون بأنه خطأ فئوي: يصف الاحتمال تسلسلات طويلة من الأحداث القابلة للتكرار، لذلك لا يوجد شيء يمكن قوله عن الأحداث الفريدة. تقدم قاعدة بايز بديلا عمليا: خذ تخمينا مستنيرا، ثم حدث ذلك التخمين في ضوء سارس وميرز والآن سارس كوف 2.
تحمل قصص جانسكي ومندل وبايز بعض الأمل لأي شخص يشعر أن العالم لم يواكب تألقه. حتى أن هناك اسما لمثل هذه الحالات، وضعه أنتوني فان ران، من جامعة لايدن: “الجمال النائم”، الذي يقصد به البحث العلمي الذي لا يستشهد به تقريبا لأعوام، قبل أن يحظى باهتمام واسع. (يجادل بعض العلماء بأن المصطلح متحيز ضد المرأة ويفضلون “الاعتراف المتأخر”).
هناك عدد من الأمثلة في علم الاقتصاد – مثلا، كان بحث توماس شيلينج في 1956 بعنوان “مقال حول المساومة” هو مناقشة أنيقة لدور التهديدات الموثوقة والوعود الملزمة في جميع أنواع المفاوضات. لكن لم يتم الاستشهاد به على نطاق واسع إلى أن فاز شيلينج بجائزة نوبل التذكارية في 2005، بعد أن تجاوز منتصف الثمانينات من عمره. كانت تلك الفجوة أطول من حياة كارل جانسكي بأكملها.
إذن، ما الذي يؤخر الاعتراف؟ أحد الآراء هو أن الأفكار الرائعة يتم التغاضي عنها عند تسليمها من قبل رسل غامضين. كان بايز وجانسكي ومندل منفصلين إلى حد ما عن التيار العلمي السائد، لكن بيير سيمون لابلاس لم يكن كذلك بالتأكيد. في 1970، نشر عالم الاجتماع ستيفن كول تحليلا يجادل بأن العقبة تميل إلى أن تكمن في محتوى الفكرة نفسها، بدلا من مكانة العالم الذي يقف وراءها. هناك أفكار ظلت نائمة لمائة عام لأنها كانت متطرفة أو مربكة أو كليهما.
من الصعب التأكد. جادل اثنان من الباحثين في هذا المجال، يوجين جارفيلد وفولفجانج جلانزل، بأن مثل هذه الأمثلة على التأخر في التعرف عليها نادرة جدا بحيث يصعب تحليلها. من خلال دراسة أبحاث منشورة في 1980 من وجهة نظر 2004، بحثوا عن المقالات التي بالكاد يتم الاستشهاد بها لمدة خمسة أعوام، ثم انطلقت بعد ذلك. وجدوا 60 مثالا فقط في 450 ألف حالة. هناك الكثير من الأمثلة البحثية التي بالكاد يتم الاستشهاد بها، الأمر النادر هو شعبيتها اللاحقة.
لماذا إذن هذه الأسطورة مقنعة إلى هذه الدرجة؟ أحد التفسيرات، بالطبع، هو أننا جميعا نحب قصة المستضعف الذي ينتصر على الصعاب. النجاح الفوري والمستمر ممل مثل الفشل الفوري والمستمر.
هناك تفسير آخر هو أن العلماء أنفسهم مغرمون بفكرة أن أفكارهم لا تحظى بالتقدير. في مقال عن الاعتراف المتأخر، يشير جارفيلد بشكل معتدل إلى أن مؤرخ العلوم، ديريك برايس، يعتقد أن أحد أبحاثه الخاصة يعاني الاعتراف المتأخر. من السهل أن تضحك، لكن من السهل أيضا التعاطف.
الاعتراف المتأخر نادر الحدوث. الأمر الأكثر شيوعا بكثير هو أن يصل الناس ببساطة إلى ذروة حياتهم في وقت متأخر من الحياة. ديفيد جالينسون اقتصادي يدرس الإنتاج الإبداعي للموسيقيين والفنانين والمخرجين وغيرهم. وجد جالينسون أن من الممكن تماما أن يبرز الشخص فنانا مفاهيميا شابا راديكاليا، إلا أن هناك كثيرا من الأمثلة على “أساتذة كبار السن” الذين حازت أعمالهم اللاحقة على إعجاب أكثر من أعمالهم التي أنشأوها في فترة الشباب.
نحتاج جميعا إلى التمسك بفكرة أن الأفضل لم يأت بعد. لكن من المغري للغاية أن نأمل في أن يتم التعرف على ما أنتجناه بالفعل في يوم من الأيام بسبب تألقه. الخيرات لا تأتي لمن ينتظر، إذا كان الانتظار هو كل ما يفعله. من الحكمة العودة إلى العمل وعمل شيء أفضل.

المصدر
الاقتصادية

فايننشال تايمز

صحيفة بريطانية دولية تتحدث عن الأعمال، يتم نشرها في لندن، تم تأسيسها في عام 1888 من قبل جيمس شيريدان وأخوه.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى