الرئيسيةدولي

تحذير دولي.. الدول النامية تواجه خطر التخلف عن التكنولوجيا

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي

بين الأعوام 1700، وما قبلها، و1760، حيث ظهرت بدايات الثورة الصناعية، كان معظم سكان العالم فقراء بالقدر نفسه، وكانت الفجوات في متوسط دخل الفرد بين الدول أقل اتساعا إلى حد كبير. لكن مع كل موجة من موجات التغير التقني التي أعقبت ذلك، كبرت واتسعت الفجوات بين الأمم.
بدأت الفوارق في الدخول بين البشرية مع بداية الثورة الصناعية الأولى منذ أكثر من 250 عاما، لكنها أخذت تتسع تدريجيا في نهاية العقد الثاني من الثورة الصناعية (1780).
الفوارق بين البشرية هنا تتعلق بتقدم دول أوروبا الغربية والدول المتفرعة عنها – أي أستراليا، كندا، نيوزيلندا، والولايات المتحدة – إلى جانب اليابان التي لجأت إلى استخدام التقنيات. مقابل الطرف الآخر، الذي يضم معظم دول العالم الأخرى.
منذ ذلك الحين (1780)، أدت كل طفرة من التقدم إلى زيادة حدة عدم المساواة بين الدول. واصلت الفوارق مسيرتها هكذا ببطء، لكن بثبات لغاية 1820 حيث بداية عصر البخار والسكك الحديدية.
على الرغم من الدور الحاسم الذي لعبه عصر الثورة الصناعية في تقريب المسافات ونقل المعادن وموارد الثروات الطبيعية، ونشر التجارة، والتشغيل الواسع، إلا أن الفوارق في الدخول بين مختلف مناطق العالم، ظلت طفيفة، لغاية مرور قرن على الثورة الصناعية، حيث أثرت النتائج التي حققها جيل واحد في فرص الجيل التالي، ما أدى إلى انتقال أوجه عدم المساواة بين الأجيال بسرعة.
بين عامي 1820 و2002، ارتفعت مساهمة عدم المساواة بين الدول في عدم المساواة على الصعيد العالمي من 28 في المائة إلى 85 في المائة.
في 1860، بدأ عصر الفولاذ والكهرباء والصناعة الثقيلة، وهنا بدأت الفوارق تصبح أكثر وضوحا بين الأمم والشعوب من ناحية نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، لكن على الرغم من ذلك، بقيت الهوة ضيقة.
حصل الافتراق الحاسم بين الأمم والشعوب خلال الفترة بين 1900 و1960، حيث عصر النفط والسيارات والمعدات الثقيلة والإنتاج الضخم وتوسع التجارة.
خلال العقود الستة هذه، قفز متوسط دخل الأمم المستخدمة للتقنيات من نحو خمسة آلاف دولار إلى 20 ألف دولار. في المقابل، ارتفع دخل الدول الأخرى التي لم تستخدم التقنيات من نحو 800 دولار إلى 1200.
لكن في حقبة أخرى اتسمت بفترة أقصر لا تتجاوز أربعة عقود – بين 1960 و2000 – حيث بدأ عصر تقنية المعلومات والاتصالات، حصل تباعد جوهري كبير بين الأمم والشعوب، قفز خلاله نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من مجرد 20 ألف دولار في 1960 إلى 42 ألف دولار عام 2000.
خلال العقود الأربعة هذه، ارتفع نصيب الفرد في الدول النامية من الناتج المحلي الإجمالي من نحو 650 دولارا إلى 700 دولار، والرقم الأخير يمثل ذات الناتج المحلي الإجمالي الذي حققه الفرد عام 1800، أي في العقد الرابع من حقبة الثورة الصناعية.
في عصر الثورة الصناعية الرابعة التي بدأت بحلول الألفية الثالثة، بلغ متوسط الناتج المحلي الإجمالي للدول المتقدمة 48 ألف دولار، مقابل 9000 دولار للدول النامية، وهو رقم حققته الدول المتقدمة عام 1940.
هذه خلاصة لصفحات من تقرير “التقنية والابتكار لعام 2021” (170 صفحة) الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد”، ويركز فيه على التقنيات الجديدة والناشئة، واللحاق بركب موجات التقدم التقني.

التقنيات الجديدة وأوجه اللامساواة

تقول “أونكتاد”، إن كل موجة من موجات التغير التقني وما يسفر عنه من تقدم، يجلب عدم مساواة بأشكال جديدة وأحيانا قدر كبير من عدم المساواة الحاد بين الدول – مع اتساع أوجه التفاوت في الحصول على المنتجات والخدمات الاجتماعية والمنافع العامة – من التعليم إلى الصحة ومن البنى الأساسية لتقنية المعلومات والاتصالات إلى الكهرباء. مع ذلك، تمكنت بضع دول، لا سيما في شرق آسيا، من اللحاق بالركب عن طريق التعلم التقني والتقليد والابتكار.
تقول المنظمة إن التنمية البشرية قد ترافقت في العقود الأخيرة مع تغيرات سريعة في مجال التقنية وانتشار متزايد للأجهزة والخدمات الرقمية، من قبيل الذكاء الاصطناعي والتشغيل الآلي والتقنية الحيوية والنانوية. خلالها، شهد العالم ازدهارا متزايدا، إذ أصبح الناس يعيشون في المتوسط حياة أطول وبصحة أفضل. وأدى النمو الاقتصادي السريع في الاقتصادات الناشئة إلى بروز طبقة وسطى على النطاق العالمي.
مع ذلك، لا تزال ظاهرة الفقر قائمة، ويستمر اتساع نطاق عدم المساواة، وتتسم الثروة بتركز شديد، في ظل تفاوتات كبيرة في فرص كسب الدخل ومستويات التعليم والصحة. هذه الاختلالات، تقول المنظمة، تضع قيودا على النمو الاقتصادي والتنمية البشرية، في الوقت الذي تزيد فيه من قابلية تأثر الناس بالجوائح أو بالأزمات الاقتصادية أو بتغير المناخ على حد سواء، ومن شأنها أن تؤدي قريبا إلى زعزعة استقرار المجتمعات.
تقول إن جهود التعافي من كوفيد – 19 تتيح فرصة للحكومات والمجتمع الدولي لاستخدام التقنيات الجديدة والناشئة للحد من أوجه عدم المساواة التي أبرزها هذا الوباء.
التقنيات التي تستفيد من الرقمنة والاتصال – تشمل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والبيانات الضخمة، وسلسلة كتل المعلومات والجيل الخامس والطباعة ثلاثية الأبعاد والروبوتات والطائرات دون طيار وتحرير الجينات – تمثل هذه التقنيات سريعة التطور سوقا بقيمة 350 مليار دولار، التي يمكن أن تنمو بحلول 2025 إلى أكثر من 3.2 تريليون دولار.
في التقرير، تقول، إيزابيل دورانت، الأمينة العامة لـ”أونكتاد” بالإنابة إنه من الأهمية ألا تفوت الدول النامية موجة التقنيات المتقدمة، وإلا فإن ذلك سيزيد من تعميق أوجه عدم المساواة. ومن ثم، فإن المجتمعات والقطاعات الإنتاجية بحاجة إلى أن تكون مستعدة جيدا وأن تبنى المهارات المطلوبة”. قالت إن التقنيات المتقدمة حققت بالفعل فوائد هائلة، لكن يمكن أن يكون للتقدم السريع سلبيات خطيرة إذا تجاوزت قدرة المجتمعات على التكيف.
يقول التقرير إن المستوى الأكثر تقدما من البحوث التقنية تؤثر في أوجه عدم المساواة من خلال التفاوت في الحصول على فوائدها وعواقبها المحتملة غير المقصودة. لكن كيف ستؤثر الموجة التقنية الجديدة في أوجه عدم المساواة في الدول وفيما بينها؟ الأمر يعتمد على السياسات الوطنية، طبقا للتقرير.
يرى التقرير أن الدول الأكثر استعدادا لاستخدام هذه التقنيات واعتمادها وتكييفها على نحو منصف هي أساسا في أمريكا الشمالية وأوروبا، في حين أن أقل الدول استعدادا هي في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وغيرها من المناطق النامية.
وتقول لـ”الاقتصادية”، شاميكا سيريمان، مديرة شعبة التقنية والخدمات اللوجستية في “أونكتاد” إن الاقتصادات والمجتمعات بأكملها يجري إعادة تشكيلها من خلال التغير التقني السريع، و”على الرغم من أننا لا نعرف حتى الآن كيف ستبدو الصورة النهائية، فمن الأسلم القول إن التغييرات ستكون أبعد مدى مما نتصور”.
وأضافت، “ستحتاج الحكومات والجهات الفاعلة الإنمائية الأخرى إلى الاستعداد السريع. لا يمكن الدول النامية، ولا سيما أقل الدول نموا، أن تفوت هذه الموجة الجديدة من التغير التقني السريع”.
وتحذر “أونكتاد” من الآثار الخطيرة التي تترتب على الدول النامية في حالة غرق هذه المجتمعات والدول الفقيرة في هذه الموجة التقنية الجديدة أو التخلف عنها ببساطة. تقول، “إن التقدم التقني أمر أساسي للتنمية المستدامة، لكنه يمكن أيضا أن يديم أوجه عدم المساواة أو يوجد أوجه جديدة. وبالتالي فإن مهمة الحكومات هي تعظيم الفوائد المحتملة، مع تخفيف النتائج الضارة”.
وتقول المنظمة إن النجاح في القرن الـ21 سيتطلب نهجا متوازنا – بناء قاعدة صناعية قوية وتعزيز التقنيات المتقدمة التي يمكن أن تساعد في تنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030 ورؤيتها العالمية للمجتمعات التي تركز على الناس، والشاملة للجميع والمستدامة. يؤكد التقرير أيضا أن الحكومات لها دور حاسم في تمهيد الطريق أمام التقنيات، ولا سيما في إيجاد بيئة تمكينية وضمان تقاسم الجميع لفوائد هذه التقنيات.
وسيحتاج كل بلد إلى سياسات للعلم والتقنية والابتكار تتناسب مع مرحلة تنميته، لكن جميع الدول النامية ستعاني تأثير التقنيات المتقدمة وتحتاج إلى إعداد الناس والشركات لفترة من التغير السريع. تقول “أونكتاد” إن الدول النامية بحاجة إلى العمل من أجل توفير خدمات الإنترنت للجميع وضمان إتاحة الفرص لجميع مواطنيها لتعلم المهارات اللازمة للتقنيات المتقدمة.
كما تدعو الدول النامية إلى اعتماد التقنيات المتقدمة مع الاستمرار في تنويع قواعد إنتاجها عن طريق التعلم الجيد للتقنيات القائمة.

دول نامية تبالغ في أدائها للتقنيات

هناك عدد قليل من الدول النامية التي تبدي قدرات أقوى على استخدام واعتماد وتكييف التقنيات الحديثة ما يتمتع به نصيب الفرد من هذه التقنيات، لكن معظمها متخلف، وفقا لمؤشر 158 دولة في تقرير “أونكتاد” عن التقنيات والابتكار لعام 2021.
يقدم التقرير مؤشرا لمدى استعداد الدول على للتقنيات المتقدمة يقوم على خمس لبنات هي: نشر تقنية المعلومات والاتصالات، والمهارات، والبحث والتطوير، ونشاط الصناعة، والحصول على التمويل. كما يتضمن تقييما للتقدم الذي أحرزته الدول في استخدام التقنيات الحديثة، مع مراعاة قدراتها الوطنية المتصلة بالاستثمار المادي، ورأس المال البشري، والجهد التقني.

المصدر
الاقتصادية

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى