الرئيسيةدولي

البيتكوين .. “زنبق رقمي” أم فئة أصول جديدة؟

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي – روبن ويجلزويرث وإيفا سزالاي

إيلون ماسك ليس مثل معظم أصحاب المليارات. أول تلميح غير مباشر إلى أن الرئيس التنفيذي لشركة تسلا غريب الأطوار كان التفكير في خطوة جريئة أخرى هزت السوق جاءت عبر رسالة Yuletide على وسائل التواصل الاجتماعي.
في 20 كانون الأول (ديسمبر) غرد ماسك صورة كرتونية تصور نفسه على أنه راهب يحاول أن يعيش “حياة إنتاجية طبيعية”، وألصقت مع الصورة كلمة “بيتكوين”.
أصبح معنى التغريدة أكثر وضوحا الأسبوع الماضي. الاثنين أعلنت تسلا أنها أنفقت 1.5 مليار دولار من احتياطياتها النقدية لشراء البيتكوين، وستبدأ قريبا في قبول الدفع مقابل سياراتها الكهربائية بالعملة الرقمية. أرسل الإعلان موجة من الإثارة عبر عالم العملات المشفرة.
ما زاد من الجنون، أن بي إن واي ميلون – أقدم بنك في أمريكا – قال الخميس إنه سيبدأ الاحتفاظ بالعملات المشفرة ونقلها لعملاء إدارة الأصول، بينما أعلنت ماستركارد أنها ستدعم قريبا “عملات مشفرة محددة” على شبكتها، ما يسمح لمزيد من المتاجر بقبولها. حتى رئيس بلدية ميامي أعلن عن خطط لجعل المدينة تشتري البيتكوين.
أدت موجة الإعلانات إلى ارتفاع سعر عملة البيتكوين – التي اخترعها عالم تشفير غير معروف في 2008 – إلى مستوى جديد بلغ 48277 دولارا الخميس. على الرغم من انخفاضها الجمعة، إلا أن هذا يرفع مكاسب العملة على مدار 12 شهرا إلى 358 في المائة ويعني أن 18.6 مليون بيتكوين “يتم تعدينها” حاليا من خلال شبكة كثيفة الاستهلاك للطاقة من أجهزة الكمبيوتر في جميع أنحاء العالم تبلغ قيمتها الإجمالية حاليا 877 مليار دولار. هذا ضعف قيمة جيه بي مورجان، البنك الأكثر قيمة في أمريكا، وأكبر من ثمانية بنوك بحجم جولدمان ساكس، أو نحو ثلث مؤشر فاينانشيال تايمز 100 بأكمله.
يقول محللون ومستثمرون إن الدافع الرئيس لارتفاع البيتكوين المحموم أخيرا هو المخاوف من أن تحفيز البنوك المركزية لتثبيط الضرر الاقتصادي لفيروس كوفيد – 19 سيؤدي في النهاية إلى إشعال التضخم. لكن يأمل مؤيدوها أن تساعد سلسلة التأييد المباشر والضمني من المؤسسات والشركات المالية الأصيلة الآن في جر العملة المشفرة المتقلبة إلى التيار الرئيس.
يقول دنكان ماكينيس، مدير صناديق في “روفر”، وهي مجموعة استثمارية تقليدية ومحافظة في المملكة المتحدة أثارت الدهشة عندما وضعت رهانا بقيمة 600 مليون دولار على البيتكوين العام الماضي: “من المحتمل أننا نشهد ولادة فئة أصول جديدة. البيتكوين تنبثق من الظل، حيث يتم احتواؤها من قبل المؤسسات العريقة (…) وتصبح أصلا بديلا شرعيا لمحافظ الاستثمار”.
مع ذلك، الانبهار الخامل، واللامبالاة، والارتياب، والتعب، والسخرية تظل هي الاستجابات الأساسية لصناعة التمويل السائدة، حيث يشك كثيرون في أن البيتكوين ستلعب حتى دورا ثانويا. لم تسفر العملات المشفرة والشبكات الداعمة لها حتى الآن عن أي استخدامات هادفة وملموسة – على الرغم من الآمال الكبيرة والتمويل الوافر في الأعوام الأخيرة. تمتعت عملة البيتكوين بارتفاع مماثل في 2017، إلا أنها انخفضت بعد ذلك بنسبة 80 في المائة من ذروتها.
يعتقد كثيرون أن تكرار ذلك قيد الإعداد الآن. يشير أحدث استطلاع أجراه بانك أوف أمريكا لمديري الصناديق إلى أن عملة البيتكوين تعد الآن التداول الأكثر ازدحاما في الأسواق، وقد بدأ بعض المسؤولين الحكوميين وصناع السياسات في التحذير مما يعدونه مثالا خالصا ومختصرا للهوس.
قال تيم لين، نائب رئيس بنك كندا، في خطاب ألقاه هذا الأسبوع: “الارتفاع الأخير في أسعارها لا يبدو اتجاها بقدر ما هو هوس المضاربة – جو تكون فيه تغريدة واحدة رفيعة المستوى كافية لإحداث قفزة مفاجئة في الأسعار”.

حلم الذهب الجديد

قلة هي انقسامات الرأي الصاخبة في صناعة التمويل مثل البيتكوين. من المرجح أن تثير انفعالات شديدة وصداقات محطمة أكثر من السياسة أو الرياضة أو حتى مكافآت نهاية العام.
يقول المؤيدون إن عملة البيتكوين هي أصل رقمي متطور وآمن ولا مركزي وخال تماما من سيطرة الحكومة، مع إمداد محدود – تم تصميمه بطريقة تجعل من الممكن وجود 21 مليون بيتكوين فقط – وهذا يضمن أن ذلك يعطيها حماية قوية من تدهور العملة أو الاستبداد.
في الواقع، يجادل كثير من المؤيدين بأن البيتكوين ستلعب الدور الذي لعبه الذهب في العصور السابقة، باعتبارها العملة الاحتياطية المركزية المهيمنة في نظام بيئي أوسع من الأصول الرقمية. يفترض سكوت مينيرد، كبير مسؤولي الاستثمار العالمي في جوجنهايم بارتنرز، أنه بالنظر إلى القيمة السوقية لجميع الذهب على مستوى العالم، يمكن أن تصل قيمة كل عملة بيتكوين في النهاية إلى 400 ألف دولار.
في غضون ذلك يسخر المنتقدون من تنبؤات الأسعار التي تزداد ارتفاعا مبالغا فيه بشكل تدريجي، التي يروج لها على مر السنين مؤيدو البيتكوين. فهم يرون أن العملة المشفرة ليست أكثر من مجرد “زنبق رقمي”، في إشارة إلى جنون الزنبق الهولندي سيئ السمعة في القرن الـ17.
بالنسبة لهم، تعد عملة البيتكوين هي في أفضل الأحوال قمة جبل جليدي من المضاربات التي أطلقها انخفاض أسعار الفائدة. في أسوأ الأحوال، يعدون أنها مخطط مدمر بيئيا وشبه هرمي من دون فائدة حقيقية باستثناء تمويل النشاط غير القانوني. أو كما وصف شخص مرح ذات مرة البيتكوين بشكل لاذع: “تخيل أنك لو تركت سيارتك في وضع التشغيل وهي واقفة على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع ثم أنتجت مجموعة محلولة من ألعاب الأرقام التي يمكنك مقايضتها بالهيروين”.
بالنسبة إلى المتشككين، فإن تأييد عدد من المشاهير – الممثلة ليندسي لوهان التي غردت هذا الأسبوع: “البيتكوين إلى القمر” بجوار رمز تعبيري لسفينة صاروخية – يضيف فقط إلى تصور البيتكوين والعملات المشفرة الأخرى على أنها فارغة من حيث الأساسيات، ويهيمن عليها مروجون ليس لديهم إحساس بالمسؤولية وليسوا خبراء مال جادين.
مع ذلك، الإحساس المتزايد بالإثارة الشديدة التي تولدها عملة البيتكوين الآن حتى في بعض القلاع التقليدية للتمويل السائد لا يمكن إنكاره. حتى الآن، جاء معظم الاهتمام من مستثمرين مثل الشركات العائلية وصناديق التحوط، لكن الناس في الصناعة يقولون إن الفضول آخذ في الانتشار.
كريس زولكه، شريك في DRW، وهي شركة تداول ضخمة في شيكاغو، والرئيس العالمي لذراع كامبرلاند التابعة للشركة والمختصة بالعملات المشفرة، يقول: “كان أحد أكثر التطورات إثارة للاهتمام في السوق هو النغمة التي تسمعها عندما تتحدث المؤسسات عن العملات المشفرة. في غضون ثلاثة أعوام فقط، تحولت عملة البيتكوين من أشخاص يسألون ’ما هي؟‘ إلى ’كيف أتداول بها؟‘”.
يقول محللون إن الدافع الأكبر وراء ازدياد اهتمام المستثمرين أخيرا هو بيئة الاقتصاد الكلي غير المؤكدة بعد الوباء. التزمت البنوك المركزية بالحفاظ على أسعار الفائدة منخفضة حتى لو ارتفع التضخم بالفعل، في حين تضخم الاقتراض الحكومي. في غضون ذلك وصلت أسواق الأسهم إلى مستويات قياسية.
يثير هذا أسئلة شائكة بالنسبة لمحافظ الاستثمار المؤسسي التي تعتمد في الغالب على مزيج حكيم من الأسهم والسندات لتوليد عوائد متنوعة ومتوازنة بمرور الوقت. كان الذهب مستفيدا كبيرا وواضحا، لكن بعض المحللين والمستثمرين يعتقدون الآن أن عملة البيتكوين لها دور تلعبه جنبا إلى جنب مع مخزن القيمة الذي يعود إلى آلاف السنين.
إنيجو فريزر جنكينز، وهو محلل في بيرنشتاين، دار الأبحاث المعروفة في وول ستريت، يجادل قائلا: “توجد هذه البيئة حاجة كبيرة إلى أمرين: أصول لديها حجة معقولة لتقديم عوائد إيجابية وحقيقية، وأصول تظل تقدم التنويع”. وقد سبق أن أعلن أن العملات المشفرة مثل البيتكوين ليس لها أي دور تلعبه في محافظ المستثمرين المؤسسيين، لكن في أواخر العام الماضي غير رأيه، ويرى الآن أنها يجب أن تؤخذ على محمل الجد.
وفي حين يقر فريزر جنكينز بأنه يستطيع أن يحسب على يد واحدة عدد العملاء الذين بدأوا يجربون حظهم في عملة البيتكوين، إلا أنه واثق بأن “اتجاه السفر هو نحو المزيد من التبني المؤسسي”.

القدرة على الاستمرار

بالنسبة إلى ماكينيس، في روفر، فإن النضج السريع لصناعة العملات الرقمية لعب أيضا دورا رئيسا في تغيير رأيه. بدلا من مجموعة غريبة من “الإخوة” و”خبراء الكمبيوتر”، اكتشف أن أنصارها الآن مجموعة بارزة من خريجي البنوك الاستثمارية وصناديق التحوط ودور الاستشارات، مع وجود كثير من شركات التشفير المهنية والمنظمة رسميا. يقول ماكينيس: “لقد كبرت”.
صرفت روفر بعض أرباحها من البيتكوين هذا العام، حيث باعت ما قيمته 650 مليون دولار، لكنها لا تزال تحتفظ بنحو 900 مليون دولار من العملة المشفرة. يجادل ماكينيس قائلا: “ماذا كانت البيتكوين في الماضي، وما هي البيتكوين اليوم، هذان أمران مختلفان عن الوضع الذي نعتقد أن البيتكوين لديها القدرة على أن تكونه في المستقبل. نعتقد أننا في سفوح هذا الاتجاه الطويل للتمويل والتبني المؤسسي”.
يعترف ماكينيس بأن هناك خطرا في تطبيق لوائح أو ضوابط أكثر تشددا أو حتى حظرا تاما، لكنه يحذر من تضييق نافذة الحكومات لاتخاذ إجراءات دون نتائج كارثية، نظرا للنمو السريع للصناعة. “هناك موجة مدية هائلة من التبني المؤسسي. إذا أرادت الحكومات أن تقف في طريق هذا، فلا بد أن يكون ذلك قريبا، وإلا فسيكون قد فات الأوان، لأننا سنكون (…) في عمق كبير فوق الحد”.
لكن على الرغم من موجة الإعلانات الأخيرة، هناك القليل من الدلائل على أن عملة البيتكوين أصبحت عملة قابلة للحياة – إما كوسيلة للتبادل وإما كمخزن حقيقي للقيمة، وهما تقليديا ركيزتان أساسيتان.
بانيجيرتز أوغلو، وهو محلل في جيه بي مورجان، يقول على الرغم من ارتفاع المدفوعات باستخدام العملة المشفرة منذ 2018، إلا أن الحجم الإجمالي لا يزال صغيرا للغاية. التكاليف مرتفعة بشكل عنيد، حيث تبلغ نحو 25 دولارا لكل معاملة، كما أن التقلب الشديد لعملة البيتكوين يصد المشترين والبائعين. تشاماث باليهابيتيا، وهو مستثمر بارز في رأس المال المغامر، كشف أخيرا بأسف أنه استخدم عملة البيتكوين لشراء عقار بقيمة 1.6 مليون دولار في ليك تاهو في 2016 – المبلغ نفسه من البيتكوين اليوم سيكون بقيمة 128 مليون دولار.
هذه الأنواع من التقلبات تعني أنه “سؤال مفتوح” حول ما إذا كان المزيد من التجار أو أمناء الخزانة في الشركات سيتبعون خطى تسلا على الإطلاق، كما يشير بريان روتليدج، الأستاذ المشارك في المالية في كلية تيبر للأعمال في جامعة كارنيجي ميلون.
كان سعر البيتكوين متفجرا على مدار العام الماضي، لكن التقلبات تظل مزعجة، الأمر الذي سيعمل على تنفير كثير من المستثمرين الجادين وجميع أمناء الخزانة في الشركات تقريبا خارج تسلا، كما يلاحظ تنفيذيون في الصناعة، مشيرين إلى صعوبة الادعاء أن البيتكوين مخزن للقيمة عندما يمكن أن تتحرك الأسعار في كثير من الأحيان بنسبة 5-10 في المائة في اليوم.
حتى خبراء المال الذين لديهم عقل متفتح بشأن مزايا عملة البيتكوين يقولون إنهم متشككون في أنها ستقود دورا في محافظ صناعة الاستثمار في أي وقت قريب. يكافح كريشنا ميماني، كبير الإداريين الاستثماريين في قسم الأوقاف في كلية لافاييت، ليفهم كيف ستتبنى أي مجموعات استثمارية رئيسة عملة البيتكوين إلى أي درجة كبيرة في الوقت الحالي. يقول: “لا أعتقد أننا وصلنا إلى هناك حتى الآن ومن غير المرجح أن نكون هناك في أي وقت قريب”.
ربما يكون أفضل تفسير لأجزاء من اهتمام صناعة الاستثمار الحالي بعملة البيتكوين – وإشارة إلى مدى مرونتها في نهاية المطاف – هو الذي قدمه مدير صندوق التحوط الأسطوري، جورج سوروس، منذ نحو عقد من الزمن.
اعترف في خطاب ألقاه في 2009: “عندما أرى فقاعة تتشكل، أهرع للشراء، وأضيف الوقود إلى النار”. كما يعلم عملاق صندوق التحوط، فإن ركوب هوس السوق يمكن أن يكون مربحا للغاية – بشرط أن يخرج المرء قبل ساعة الحساب.

فايننشال تايمز

صحيفة بريطانية دولية تتحدث عن الأعمال، يتم نشرها في لندن، تم تأسيسها في عام 1888 من قبل جيمس شيريدان وأخوه.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى