الرئيسيةمقالات

من أجل بناء اقتصاد أفضل

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي – د. يوسف منصور

تحدثت مؤخرا شاشة تلفزيون المملكة حول الخطة الاقتصادية لحكومة الدكتور الخصاونة، وكان محور ما قلته حول أننا لا نحتاج الى خطط النمو العادية والمعتادة كما في السابق، فقد مر الاقتصاد والمجتمع الأردني والنظام الصحي بأكمله بأزمةٍ خانقةٍ في العام الماضي، وهي لا زالت مستمرة وسيبقى أثرها حسب توقعات البنك الدولي وغيره للسنوات الخمس القادمة على الأقل. وأصريت في تلك المقابلة على أن ما نحتاجه هو التفكير والعمل على بناء اقتصاد أفضل بحيث يكون أكثر مرونة وأكثر قدرة على الاستمرار في ظل الأزمات الحالية والقادمة.

تحدث كبار الاقتصاديين في العالم في مبدأ خلق قدرات المرونة والمقاومة الاقتصادية ودور القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع المدني بحيث تضع الحكومة نصب عينيها بأن تعافي الأُسر (سواء من كان دخلها من السوق المنظم أو غير المنظم) والمجموعات السكانية هو الطريق إلى عودة النشاط الاقتصادي ورفع وتيرة النمو نحو التنمية ومعالجة أزمة الحكومة المالية المستمرة.

ويجب أن تدرك الحكومات، ومنها الحكومة في الاردن، أن على التعافي المطلوب أن يحقق العدالة في توزيع الدخل، ليس لأنه متطلب إنساني أو أخلاقي فحسب، بل من منطلق اقتصادي بحت أكدت عليه آلاف الدراسات العلمية وخاصة في العقود الثلاثة الماضية. فأي نمو يؤدي الى زيادة التباعد بين شرائح الدخل المختلفة سيؤدي حتما الى عدم الاستقرار وسيهدد استمرارية النمو على المدى البعيد، ويُبعد الاقتصاد عن التنمية بكافة مفاهيمها، فيقلص النمو غير المتوازن المكاسب من دخل الحكومة من الضرائب والرسوم على النشاط الاقتصادي. ومن هذا المنطلق، يجب العمل مع منظمات المجتمع المدني المحلي والمنظمات الدولية كالأمم المتحدة والبنك الدولي وغيرها من المؤسسات المحلية والدولية للحصول على معلوماتٍ جيدةٍ ودقيقةٍ ووضع النماذج القياسية والعمل على التخطيط لمرحلة التعافي الصحي والاجتماعي والاقتصادي. كما أنه، وفي ظل عدم وجود الإدارة والحوكمة والتنمية المحلية بفحواها المطلق في الاردن، فلابد من الاعتماد بشكل أكبر على المجتمع المدني.

وبادئا ذي بدء، يجب إيجاد الظروف اللازمة لإنجاح الأعمال ليس من منظور الكفاءة والإنتاجية فحسب لأن إعادة بناء الاقتصاد بشكل أفضل يتطلب أن نجعل المجتمعات أكثر أمناً من خلال تقليل المخاطر وزيادة مناعتها ومرونتها. فيتم مثلاً الإقراض بفوائد مُخفضةٍ أو إعادة جدولة الديون لكبار الشركات التي تأثرت بشكل أقل من تلك الشركات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة كما يحدث حين تصدر التعليمات غير المصحوبة بتعليمات مفصلة ورقابة دقيقة، بل بالتركيز على إقراض صغار المستثمرين لتمكينهم من تقليل مخاطر الإغلاق وتسريح العمالة والخروج من السوق بشكل نهائي، فالشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة الحجم تشكل 99.6% من الشركات في الاردن. كما يجب مراعاة الاقتصاد غير المنظم ومساعدته من خلال توجيه المعونة لأصحاب الأعمال أو للعاملين فيه فهو يشكل أكثر من 40% من الاقتصاد الوطني حسب دراسات منظمة العمل الدولية.

ولابد من العودة عن التفكير بأن دور الحكومة (في ظل وحسب برامج الإصلاح التي اعتمدتها مع صندوق النقد الدولي) لا يعدو أن تكون مراقب للاقتصاد ومنظم أبوي لأنشطة القطاع الخاص لا يُحفّز الريادة وبناء نشاط ومستقبل الأمة. فابتعاد الحكومة عن تكوين شراكة فاعلة مع القطاع الخاص فكر بالٍ قديم ومستهلك بل ومتخلف لا مكان له اليوم. الحكومة ليست مشاهد عن بعد أو مقرض الملاذ الأخير، بل هي المستثمر الاول ومدير الاقتصاد الذي يتوقع المصاعب والمآزق قبل أن تحدث وليس معالج لها بعد وقوعها وتفشيها.

المصدر
وجهة نظر اقتصادية أردنية

يوسف منصور

الدكتور يوسف منصور اقتصادي أردني، استشارات في السياسات الاقتصادية، استثمار، تنمية صناعية، تجارة دولية، منافسة، بناء قدرات المؤسسات، التنافسية، تخطيط استراتيجي. شغل عدة مناصب: رئيس مجلس إدارة بورصة عمان، وزير دولة للشؤون الاقتصادية، مستشار اقتصادي لرئيس الوزراء، نائب رئيس مجلس مفوضي سلطة العقبة الاقتصادية، مدير عام الهيئة الأردنية لتنمية الاقتصاد والاستثمار وقائم بأعمال مدير عام مؤسسة تشجيع الاستثمار، خبير في السياسات الصناعية والتنمية المؤسسية، إجادة/الاتحاد الأوروبي، مدير عام هيئة تنظيم قطاع الاتصالات، مستشار اقتصادي بوزارة التخطيط مدير 3 مديريات معا (التنافسية، تنسيق المساعدات، المساندة الفنية)، مستشار اقتصادي لوزير الاتصالات، أستاذ مساعد جامعة مؤتة، أستاذ مساعد جامعة تكساس آ أند إم، وجامعة أوكلاهوما، ومحاضر كلية أوكلاهوما، مستشار شؤون موظفين أرامكو.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى