الرئيسيةمقالات

التجسس من عصر الراديو إلى الحاضر الرقمي

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي – فيليب ستيفنز

في عام 1982 رافق مسؤول شاب صاعد في الحكومة البريطانية وزير الدفاع جون نوت إلى اجتماع عقد على عجل مع رئيسة الوزراء مارجريت تاتشر. ديفيد أوماند، السكرتير الخاص لنوت، كان يحمل ملفا يحتوي على رسائل سرية للغاية تم التنصت عليها من قبل وكالة الاتصالات الحكومية، GCHQ. أظهرت الرسائل التي تم فك تشفيرها، والتي أرسلتها البحرية الأرجنتينية، أن المجلس العسكري بقيادة ليوبولدو جالتيري كان على وشك الاستيلاء على جزر فوكلاند، وهي أراض بريطانية في الأعماق الجنوبية للمحيط الأطلسي. سقطت العاصمة بورت ستانلي بعد بضعة أيام من ذلك.
أوماند، الذي حملته مسيرته المهنية في وقت لاحق إلى معظم الأماكن السرية في الدولة العميقة لبريطانيا، بما في ذلك منصب مدير GCHQ، يروي قصة فوكلاند في بداية كتابه المعنون “كيف يفكر عملاء الاستخبارات: عشرة دروس في الاستخبارات”. لكن هدفه ليس فقط الإعلان عن مهارات المتصنتين الإلكترونيين. جاء التحذير بعد فوات الأوان بالنسبة لحكومة المملكة المتحدة ولم تتمكن من تعزيز دفاعات جزر فوكلاند. تم تفسير المعلومات الاستخبارية السابقة حول الإشارات الأرجنتينية بشكل خاطئ، وفشلت تاتشر في فهم نيات جالتيري في وقت كان من الممكن فيه تجنب الحرب.
كانت لجنة الاستخبارات المشتركة، وهي مجموعة من عملاء المخابرات والخبراء الذين يقومون بفحص وتفسير المعلومات السرية، قد خلصت سابقا إلى أنه في حالة عدم وجود عمل استفزازي من الجانب البريطاني، فمن غير المرجح أن يخوض جالتيري الحرب لفرض مطالبة الأرجنتين طويلة الأمد بالسيادة على الجزر. سكنت الحكومة في شعور زائف بالأمن. وعلى حسب تعبير أوماند: “تعلمت من خلال التجربة الشخصية المؤلمة أن من الصعب الحصول على معلومات استخبارية، دائما ما تكون مجزأة وغير مكتملة، وأحيانا خاطئة”. عبارة الختم “سري للغاية” التي تبدو سحرية، هي شاهد على سبل الحصول على المعلومات وليس على اكتمالها.
يروي أوماند عددا من هذه القصص في هذا الكتيب المدروس حول أعمال الاستخبارات الحديثة – من شفط كميات هائلة من البيانات الرقمية بواسطة GCHQ وزميلتها الأمريكية “وكالة الأمن القومي” إلى جمع الأسرار بالطرق التقليدية من قبل ضباط وعملاء جهاز المخابرات MI6. وهو واضح فيما يتعلق بالهدف الأساسي لوكالتي الاستخبارات – لإعداد الحكومة فيما يتعلق بنيات الأعداء وتوفير ميزة مهمة في حالة الأعمال الحربية – وحول حدودهما.
انفجار المعلومات في العصر الرقمي، حيث الشبكات الاجتماعية توفر للخصوم قنوات معلومات تتقاطع وتتداخل مع معلومات المواطنين العاديين، جعلت مهمة الوكالات أكثر تعقيدا وحساسية من الناحية السياسية. متى يتطلب البحث عن العدو مراقبة الأبرياء؟
يجب الربط بين أجزاء المعلومات التي تصل إلى مكاتب الوزراء عبر عمليات اعتراض إلكترونية أو تمرير الرسائل عن طريق وضعها في أماكن سرية – ثم تفسيرها بعناية. النجاح لا ينتمي إلى أشخاص من نوع جيمس بوند أو إلى المختصين الذين يشغلون أجهزة كمبيوتر GCHQ الضخمة. بل يعتمد على التحليل المناسب للمعلومات التي يقدمونها.
على الرغم من جميع حالات الفشل العرضية، تتمتع بريطانيا بسمعة تستحقها لكونها جيدة في هذه الأشياء. الاستخبارات مجال، على حد تعبير وزير الخارجية الأسبق، دوجلاس هيرد، يتخطى فيه البلد ثقله في العالم. نال جهاز GCHQ الاحترام الجاد من وكالة الأمن القومي الأمريكية وشركائه في البلدان الثلاثة الأخرى – كندا وأستراليا ونيوزيلندا – والتي تشكل اتحادا استخباريا يعرف بـ”العيون الخمسة”.
لم يكن الأمر على هذه الحال دائما. لفترة من الوقت، كما يخبرنا جون فيريس في كتابه “ما وراء اللغز: التاريخ الرسمي لجهاز GCHQ، وكالة الاستخبارات السيبرتنية في بريطانيا”، أن التجسس كان يعد نوعا من السلوك الوقح. كما قال السياسي توماس ماكولي في النصف الأول من القرن الـ19، ما الفرق بين “فض ختم رسالة في مكتب البريد” و”استخدام جاسوس ليضع أذنه ليتنصت من خلال فتحة المفتاح؟”. كان هذا قبل أن يكتشف الإنجليز مقدار ما يمكن تعلمه من الركوع عند فتحات المفاتيح.
حكومة المملكة المتحدة الحالية في خضم عملية جرد وطنية للأصول، الاقتصادية والعسكرية، التي يمكنها نشرها لدعم النفوذ العالمي للأمة في أعقاب الخروج من الاتحاد الأوروبي. تمت طمأنة أجهزة GCHQ ووكالة الخدمة السرية MI6 ونظيرتها المحلية MI5 بأنها ستتلقى معاملة تفضيلية في استراتيجية الأمن القومي ومراجعة الدفاع الاستراتيجي. لم تعد بريطانيا قوة في الصف الأول، لكن وكالات المخابرات لديها لا تزال تعد نفسها من الطراز العالمي.
وهي أجهزة متمرسة في عملها. وكالة GCHQ، التي كان اسمها سابقا “المدرسة الحكومية للشفرات والرموز”، احتفلت أخيرا بالذكرى المئوية لتأسيسها. وتعود تاريخها في مجال التنصت إلى أيام برقية زيمرمان الشهيرة في عام 1917. كانت تلك هي رسالة وزير الخارجية الألماني التي دعا فيها المكسيك للوقوف مع برلين في حال دخلت أمريكا الحرب. البرقية المعترضة نفسها – تم التقاطها من كابل تحت البحر يمر عبر المحيط الأطلسي – تروي نصف القصة فقط. الخطوة الناجحة الحقيقية كانت تكمن في استخدام المعلومات. التسريب الحكيم لعرض زيمرمان أثار الغضب المناهض لألمانيا في واشنطن. في غضون شهر، انضمت الولايات المتحدة إلى الحرب تماما مثلما كانت تخشى برلين.
يوثق أوماند انتصارات أخرى – من بينها كنز الأسرار الذي قدمه أوليج جورديفسكي، عميل مزدوج في المخابرات السوفياتية KGB، خلال أوائل الثمانينيات. تضمنت هذه الأسرار أكثر بكثير من مجرد معلومات لا تقدر بثمن عن شبكات التجسس السوفياتية وتوزيع القوات العسكرية. زود جورديفسكي مسؤولي الاستخبارات في جهاز MI6 بنافذة على تفكير قيادة الكرملين. علم الغرب أن مخاوف موسكو من توجيه “ضربة أولى” من قبل الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، والمخاطر المصاحبة التي قد تسعى إلى استباقها، هي حقيقية بشكل خطير. تم حث تاتشر على تخفيف حدة خطابها المتشدد وبناء علاقة مع الزعيم السوفياتي ميخائيل جورباتشوف. وبتشجيع من المعلومات الاستخبارية نفسها، نجح الرئيس الأمريكي رونالد ريجان في الضغط على جورباتشوف للموافقة على تخفيضات الأسلحة النووية.
لكن أفضل تعبير عن دروس أوماند يظهر في الإخفاقات وأنصاف الإخفاقات – أسوأها هي أسلحة الدمار الشامل المفترضة لصدام حسين في الفترة التي سبقت حرب العراق الثانية. كان الخطأ الأول هو عدم الرغبة في النظر إلى العالم من خلال منظار صدام. قد يكون القيام بذلك قد كشف عن تظاهر صدام بالشجاعة وأخبرهم أنه يعتقد أن سلطته المحلية في العراق تقوم على الادعاء بأنه لا يزال يمتلك أسلحة دمار شامل.
الخطأ الثاني هو أن عملاء المخابرات ينجرفون بالتفكير الجماعي – التفكير بالإجماع الذي يختار أدلة جزئية فقط ويغلق الباب أمام التحدي الجاد. المعلومات الاستخباراتية من العالم العراقي الذي يحمل الاسم الرمزي Curveball في الأغلب ما كانت موضع تساؤل، لكنها لم تكن كافية قط لعكس الافتراض السائد بأن صدام استمر في تحدي الأمم المتحدة.
المؤرخ الكندي جون فيريس يتناول قصة أورمان عن جزر الفوكلاند في تاريخه الرسمي لوكالة GCHQ – ويواصل ليوضح كيف كانت عمليات الاعتراض اللاحقة التي قدمتها حاسمة في نجاح فرقة العمل البريطانية. كانت الحرب أقرب إلى كونها نزاعا بين قوتين متكافئتين مما كانت تصور في كثير من الأحيان، والمعلومات المستقاة من الإشارات والرادار الأرجنتيني أعطت القادة البريطانيين ميزة حيوية في المعارك البحرية التي جرت على بعد ثمانية آلاف ميل من قاعدتهم.
وفي حين يكتب أوماند عن استخدامات المعلومات الاستخبارية وإساءة استخدامها، يتعمق فيريس في أرشيفات وخوارزميات الإشارات واستخبارات الاتصالات. وهو يتتبع نمو GCHQ من مجموعة من العلماء المختصين في الغرفة 40 في مقر البحرية البريطانية الذين قاموا بحل شفرة برقية زيمرمان إلى جمع البيانات على نطاق صناعي والتنقيب عن البيانات التي تحدد دورها الحالي درعا ضد أعداء الأمة.
وهي حكاية رائعة، وإن كان يرويها فيريس أحيانا بتفاصيل فنية كثيفة للغاية. إنها حكاية تأخذنا مع المختصين بفك الشفرات – علماء الرياضيات واللغويين والمعلمين والفلاسفة وغريبي الأطوار – عبر عصور الراديو والبرقيات والهاتف والأقمار الصناعية إلى الحاضر الرقمي. على الرغم من كل اللمسات البراقة لمقرها على شكل كعكة دونات في شلتنهام الأنيقة، كانت وكالة GCHQ منذ فترة طويلة هي الوكالة الأكثر سرية والأسرع نموا بين أجهزة المخابرات البريطانية الثلاثة. النجاح الكبير لعملية بليتشلي بارك في فك شفرة آلة الشفرة الألمانية Enigma خلال الحرب العالمية الثانية والتألق الأكبر لعلماء الرياضيات وخبراء التشفير، مثل ألان تورينج، هي من القصص التي عرضها المؤلف بشكل ممتاز. بخلاف ذلك، حافظ المؤلف على التكتم على أعمال الوكالة.
لكن أي آمال متبقية بأن الوكالة يمكن أن تظل في الظل نسفت من قبل المخبر الأمريكي إدوارد سنودن. من بين المخبأ الهائل للملفات بالغة السرية التي أطلقها المقاول السابق في وكالة الأمن القومي، كانت هناك أعداد كبيرة من رسائل البريد الإلكتروني الخاصة والرسائل الرقمية الأخرى التي جمعها المشغلون في GCHQ.
علم الجمهور بشكل مباشر أن التطفل الإلكتروني في العصر الرقمي ينطوي على أكثر من مجرد التنصت على هواتف الخصوم المحتملين. في عصر الإرهاب الجهادي، وشبكات الجريمة الدولية، وسرقة الملكية الفكرية التي ترعاها الدول، والحروب الإلكترونية غير المعلنة، كانت GCHQ تجمع الاتصالات الخاصة للأبرياء من أجل تتبع رسائل الأعداء. في أذهان الكثيرين، أصبحت وكالة “لدولة المراقبة”.
الجدل الذي أعقب ذلك كشف عن خطأ من الجانبين. تهمة وجود مؤامرة بدولة مخابرات تحكم من خلال قمع المواطنين، سقطت من خلال الدليل على أن معظم البيانات لم يتم فحصها مطلقا. كانت مهمة GCHQ هي العثور على إبر في أكوام من القش ولكن كان عليها أولا جمع القش. من ناحية أخرى، فإن الإجراءات المتبعة لضمان أن تقتصر عمليات التفتيش التي تقوم بها الوكالة بشكل صارم على الذين قد يتسببون في الإساءة إلى الأمة كانت إجراءات متساهلة للغاية بشكل واضح.
الضجة دفعت GCHQ للانضمام إلى MI6 وMI5 في تكليف أحد المؤلفين لكتابة تاريخ رسمي معتمد. منح فيريس إمكانية الوصول إلى كثير من الملفات السرية – على الرغم من أنها ليست كلها – وروايته بالتأكيد تعطي صورة صادقة عن الدور الذي تلعبه الوكالة في حماية الأمن القومي.

فايننشال تايمز

صحيفة بريطانية دولية تتحدث عن الأعمال، يتم نشرها في لندن، تم تأسيسها في عام 1888 من قبل جيمس شيريدان وأخوه.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى