الرئيسيةغير مصنف

كيف تستمتع بـ “فن الاسترخاء” وتتمرد على روتين الحياة؟

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي

في العام الماضي، أنجزت كريستين سبروت، طالبة التصميم في مدينة روتردام، عملا تركيبيا بعنوان “مساحة للاستمتاع باللحظة”، وطلبت من الزوار الاستلقاء على مرتبة سوداء عريضة، وأن يضعوا سماعات للاستماع إلى أصوات الطبيعة، ولا يحركون ساكنا.

وفي الوقت نفسه، عرضت على الجدار عبارة “أشعر أنني لم أفعل شيئا اليوم”، للتشجيع على اللامبالاة والكسل.

وتقول سبروت عن ذلك: “استلهمت فكرة الاستمتاع باللحظة من الأبحاث عن الشعور بالقلق الدائم وعدم الاستقرار، والرغبة الملحة في الإنتاج واستغلال الوقت في أمور نافعة، التي يبدو أنها تسيطر على حياة الكثيرين، ولا سيما أبناء جيلي”.

لكن هذا قد يدعونا للتساؤل: هل أصبحت الراحة عملا فنيا يعرض في أحد المعارض، كأنها ذكرى من الماضي السعيد؟ وهل أصبحنا لا نسترخي إلا إذا دعينا إلى ذلك في حدث فني؟.

تقول كلوديا هاموند، مقدمة برنامج “داخل العقل البشري” على إذاعة بي بي سي فور، ومؤلفة كتاب “فن الاسترخاء” إن “الانشغال الدائم أصبح مدعاة للفخر، وكأننا من المتوقع أن نكون دائما غارقين في المشاغل. ومع الأسف تشير الأدلة إلى أن الناس يعتقدون أن الانشغال أفضل من الفراغ”.

وقد أثرت هذه الطريقة في التفكير على صحتنا. فمن منا لا يشعر بالذنب عندما يأخذ قسطا من الراحة، ولهذا لا نستمتع بلحظات الراحة بما يكفي. ففي وقت مبكر من العام الحالي، أشارت دراسة إلى أن الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 45 عاما و65 عاما، أكثر عرضة اليوم للضغوط النفسية مقارنة بنظرائهم من نفس الشريحة العمرية في التسعينينات من القرن الماضي. وصنفت منظمة الصحة العالمية الضغط النفسي بأنه آفة القرن الحادي والعشرين.

وعندما تفشى وباء كورونا، تملكنا جميعا القلق والخوف، وأرغم الكثيرون على البقاء في المنازل، وحرمنا من الأنشطة التي كانت تساعد في تجديد الطاقة والحيوية.

ولعل حالات الطوارئ العالمية نبهتنا إلى أن أنماط حياتنا القديمة لم تعد تصلح للعصر الحالي، سواء لنا أو للآخرين أو لكوكب الأرض.

وربما أصبحنا الآن في أمس الحاجة لإعادة النظر في سلوكياتنا وفي مجتمعاتنا. وقد تكون أفضل الطرق لتحقيق ذلك هي أن نتوقف لالتقاط أنفاسنا.

وتقول هولي فريند، كبيرة المحللين بمؤسسة “مختبر المستقبل” للاستشارات: “لمسنا في الآونة الأخيرة نوعا من التمرد على تطوير الذات وتحسين الأداء، وأدرك الكثيرون أهمية الشعور بالملل والتأمل الذاتي وتفويت بعض الفرص”.

وترى أن المستهلكين عندما أجبروا على البقاء في المنازل وإعادة تقييم حياتهم، جربوا بأنفسهم إيقاع حياة جديد سيؤثر على عاداتهم اليومية لسنوات. وتقول: “ساعدتنا هذه الفترة في الاعتياد على تضييع الفرص وتفويت المتع، وأن نستمتع بالفراغ، وقد كنا في الماضي نشعر بالتقصير ووخز الضمير إذا ضيعنا الفرص أو خصصنا وقتا للاسترخاء”.

وأشار استطلاع للرأي في عام 2019 شمل 2200 شخص في المملكة المتحدة إلى أن 78 في المئة من أبناء جيل الألفية أصبحوا يستمتعون بتفويت الفرص، (على النقيض من الخوف من تفويت الفرص)، فأصبح البعض يتعمد إلغاء حفلات أو تأجيلها لأجل غير مسمى.

وصاغ كاميرون سيباه، الطبيب النفسي في كاليفورنيا مفهوم “الصوم عن الدوبامين” (الهرمون المرتبط بالسعادة والمكافأة)، ليشجع الناس على رفض صخب الحياة المعاصرة. وشدد على أهمية إتاحة الفرصة لأنفسنا للشعور بالملل أو الاختلاء بالنفس، أو الاستمتاع بأداء الأنشطة البسيطة والبطيئة والطبيعية. وهذا سيساعدنا في التخلص من السلوكيات القهرية، التي لا تجلب لنا السعادة، على عكس ما نعتقد.

وقد استند كتاب “فن الاسترخاء” إلى استطلاع للرأي طلب فيه الباحثون من أكثر من 18 ألف مشارك إعداد قائمة تضم 10 أنشطة تساعدهم على الاسترخاء. وقد حلّ في المرتبة السابعة الاستحمام. وتضمن كتاب هاموند بعض المعلومات المثيرة عن الحمام الساخن التي قد تحثنا على المواظبة على الجلوس في حوض الاستحمام.

وعلى غرار الاستحمام بالماء، هناك أيضا أنشطة أخرى تبعث على الاسترخاء، مثل جلسات العلاج بالصوت التي لاقت رواجا في الآونة الأخيرة.

وتستخدم في هذه الجلسات أجراس التبت، وهي طاسات معدنية موسيقية، يعتقد سكان التبت أن لها روابط روحانية عميقة بالكون. واستخدم سكان أستراليا الأصليون آلة الديدجريدو لأغراض مشابهة منذ أكثر من 40 ألف عام.

ويقول المعالجون بالصوت إن الذبذبات تساعد على تهدئة إيقاع الموجات الدماغية وتقليل سرعة ضربات القلب وتخفيف التوتر والألم والتخلص من القلق والمخاوف.

وتقول تامارا كلاين، ممارسة العلاج بالصوت: “أدركت أن جلسات العلاج بالصوت تساعدني في الوصول إلى نفس الحالة النفسية التي أصل إليها عادة بالأدوية، لكن بلا عناء وفي وقت أقل”.

وتصف كلاين إحساسها أثناء جلسات العلاج بالصوت بالقول: “يسري في بدنك إحساس فريد، كأن الجسم يعالج نفسه بنفسه”.

واقترحت العام الماضي مؤسسة “وودلاند تراست” الخيرية إضافة الاستشفاء بالغابات ضمن أساليب العلاج التي يصفها الأطباء للمرضى.

وطُور الاستشفاء بالغابات في اليابان في الثمانينيات من القرن الماضي، وعرف باسم حمامات الغابات. ويختلف الاستشفاء بالغابات عن المشي بين أشجار الغابات. ويصفه غاري إيفانز، مؤسس معهد الاستشفاء بالغابات بالقول: “هو الوقت الذي تخصصه للاستغراق الذهني تحت ظل شجرة لغرض تحسين صحتك وحالتك النفسية”.

التداوي بالطبيعة

وصنفت هاموند قضاء وقت في أحضان الطبيعة في المرتبة الثانية بعد القراءة في قائمة الأنشطة التي تساعد على الاسترخاء. وتقول هاموند: “إن المشي بين أحضان الطبيعة يساعدنا في وضع الأمور في نصابها الصحيح، فندرك أننا مجرد أجزاء صغيرة من العالم الشاسع”.

وأجرت حوارا مع ريتشارد مابي، الكاتب المتخصص في شؤون الطبيعة والذي عانى من الاكتئاب واستمد الدعم النفسي من الطبيعة، والذي يقول: “إذا تأملت مستنقعا ملحيا لمدة 10 دقائق، ستلاحظ أنه يختلف في نهاية جلسة التأمل عنه في بدايتها. وقد أثر ذلك في حالتي النفسية، حين أدركت أننا جزء من نظام حي”.

لكن ربما غابت عن أذهاننا الفوائد التي نجنيها من الاسترخاء.

وتقول فريند: “الاسترخاء يساعدنا على تصفية الذهن والتركيز بعد أن أصبح ذهننا مشتتا دائما في السنوات الأخيرة. فقد انشغلنا بالسعي المستميت وراء تطوير الذات وتحقيق الكمال إلى حد أننا لم نلتفت إلى فوائد الاسترخاء والمتعة وحتى الملل، رغم أن هذه الحالات ثبت أنها تسهم في تحسين أدائنا”.

وتقول سوزان مات، الباحثة في تاريخ تطور العواطف: “إن لحظات الفراغ التي لا نجد فيها ما يشغلنا، أو التي نكون فيها بمفردنا، هي التي تقدح شرارة الإبداع”.

وحاولت أدريان ماري براون، الناشطة في حقوق المرأة في كتابها “النضال الممتع”، تصوير الحراك الاجتماعي والسياسي بأنه نوع من التحرر الشخصي.

وتخيل ساندي غرانت، الباحث في الفلسفة الوجودية بجامعة كامبريدج، نموذجا اقتصاديا يشجع الناس على التخلي عن المتع لتحقيق السعادة، ويقول: “بدلا من الاستمتاع بالسيارات التي لا يملك الآخرون المال الكافي لشرائها أو الرحلات الفاخرة التي لا يستطيع الآخرون توفير نفقاتها، ماذا لو تخلينا عن المتع التي تجرح مشاعر الآخرين أو تستغلهم؟”.

ولهذا يصور الخبراء الاسترخاء على أنه نوع من التمرد، أو وسيلة للتحرر من دوامة العمل والانشغال الدائم، سواء من خلال الاستحمام أو جلسات التأمل أو الاستغراق الذهني. وطلبت جورجيانا جونسون في كتباها “الإيقاع البطئ لإنقاذ العقول” من القراء التفكير في التكاليف الحقيقة لإيقاع الحياة والعمل المتسارع.

وتقول فريند: “إن الاستمتاع باللحظة والاسترخاء أصبحا وسيلتين للتمرد على آليات النظم الحديثة. ففي العقد الماضي، كان وقت الفراغ والراحة يرتبط بالشعور بالذنب ووخز الضمير. ففي ظل انتشار إدمان العمل، بات من البديهي أن يُستغل وقت الفراغ في تطوير الذات بدنيا وفكريا”.

وتقول بريدجيت لوف، مرشدة التأمل: “إن التمهل الذي يساعد في تغيير نظرتنا للأمور، يقف على النقيض من قيم ومتطلبات المجتمعات الغربية”.

وترى لوف أن القيلولة والتأمل والابتعاد عن الأجهزة الإلكترونية، ومغريات الشراء وقراءة القصص والأقوال المأثورة، كلها تتيج لنا العيش في الواقع. وتقول: “إن الاسترخاء هو نوع من التمرد الصامت الذي يساعد في تغيير نظرتنا للعالم”.

وتنصح فريند بأهمية الانسحاب لفترة والتوقف وإعادة تقييم مسببات الضغط النفسي في حياتنا حتى نكتسب المهارات التي نحتاجها الآن أكثر من أي وقت مضى، مثل الصمود في وجه المصاعب.

وربما أدركنا في هذا العام الذي توالت فيه علينا الكوارث والأزمات، أهمية التحسب للأزمات والتكيف معها وإعادة ترتيب أولوياتنا، وأننا لن نتمكن من التعامل مع هذه الظروف القاسية إلا بالتحلي بالهدوء وتمالك الأعصاب والتركيز.

المصدر
بي بي سي

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى