الرئيسيةمقالات

الصناعة أم الخدمات كمحرك للنمو؟

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي – د. يوسف منصور

هنالك حرب باردة في الأردن بين دعاة اعتماد الخدمات والتي تنتج 50% (بعد استثناء الخدمات الحكومية) من الناتج المحلي، وتوظف أكثر من نصف مليون عامل نظامي (وربما نصف مليون آخر غير منتظم)، ودعاة التوجه الى التركيز على الصناعة التي تنتج أقل من 20% من الناتج المحلي وتوظف حوالي مائتي ألف عامل منتظم.

لذا يستمر الحوار في الأردن حول ماهية الاقتصاد، وهل يجب أن يكون خدمي أم صناعي، وهو حوار تنموي هام، وله ما له من مدلولات على التوجهات التنموية للبلد، فالسعي لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام أو حتى التحاور فيه أصبح مؤخرا أكثر كثافة من أي وقت مضى، خاصة بالنسبة لبلد نامي مثل الأردن.

دعت الكثير من البلدان إلى تحويل استراتيجياتها الإنمائية من التصنيع إلى الخدمات كمحرك رئيسي للنمو في العقود الأخيرة، نظرًا لأن التقنيات الجديدة تسمح بشكل متزايد بإنتاج الخدمات والاتجار بها بشكل يضاهي أو يقارب التجارة بالسلع، كما أن بعض الاقتصاديون في العالم، ومنهم محليون، يقترحون أن الاقتصادات منخفضة الدخل يجب أن تتخطى كليا مرحلة التصنيع في رحلاتها التنموية كليا ً لتنتقل مباشرة من الزراعة التقليدية إلى “مُسارع النمو” الجديد وهو قطاع الخدمات.

وضع الخدمات كمصدر رئيسي للنمو في العديد من البلدان النامية يعكس بشكل أساسي إخفاقات استراتيجيات التصنيع في هذه البلدان

لكن هذا لا يغير حقيقة أن التصنيع لا يزال يمثل أهمية قصوى كمدخل في السعي لتحقيق الازدهار الاقتصادي، وتفتح الثورة الرقمية فرصًا جديدة لتسريع الابتكار وتعزيز محتوى القيمة المضافة لمخرجات التصنيع.  فلقد أظهر تقرير حديث صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية أن متوسط ​​نمو القيمة المضافة في التصنيع العالمي بلغ 3.1٪ سنويا بين عامي 1991 و 2018، وهو أعلى قليلاً من متوسط ​​معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي البالغ 2.8٪. ونتيجة لذلك، زادت مساهمة التصنيع في نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 15.2٪ في عام 1990 إلى 16.4٪ في عام 2018.

بالإضافة، فإن القيمة الحالية للتجارة العالمية في الخدمات لا تتعدى ثلث قيمة السلع المصنعة، على الرغم من أن الخدمات تمثل 75٪ من الناتج المحلي الإجمالي وتوظف 80٪ من العمالة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كما أن الميزة النسبية للبلدان النامية هي في وجود العمالة منخفضة التكلفة. ولا ينبغي لهذه الدول ومنها الأردن السعي لتقليد استراتيجية النمو التي تقودها الخدمات الرائجة في الاقتصادات المتقدمة دون امتلاك قاعدة المهارات اللازمة للحفاظ عليها.

 تمنع أنظمة ونتائج التعليم في معظم البلدان النامية الكثير من القوى العاملة من التنافس بنجاح في مجال الخدمات

والادعاء بأن التصنيع سيخلق فرص عمل أقل مما كان عليه في الماضي لأن الروبوتات تحل محل العمالة البشرية بشكل متزايد لا يزال تخمينًا. فعلى الرغم من أن الأتمتة ستلغي عددًا كبيرًا من الوظائف وخاصة في مجالات التصنيع، فمن المحتمل أيضًا أن يخلق دخول الروبوتات سوق العمل صناعات ووظائف جديدة في أنشطة أكثر مهارة. وبمجرد التفكير في التأثيرات غير المباشرة على سلسلة القيمة المضافة، فإن الزيادة في مخزون الروبوتات المستخدمة في التصنيع العالمي قد لا تدمر فرص العمل بل تخلق فرص عمل جديدة.

ولا بد من التذكير بأن وضع الخدمات كمصدر رئيسي للنمو في العديد من البلدان النامية يعكس بشكل أساسي إخفاقات استراتيجيات التصنيع في هذه البلدان التي لم تتماشى مع المزايا النسبية لهذه الاقتصادات، أو لم تكن مستقرة بشكل كاف لإيجاد صناعات متقدمة، أو أنها ركزت على الأنشطة التصنيعية التقليدية بدلا من تحفيز الابتكار والابداع، أو أن البيروقراطية فيها وكثافة التنظيم بدلا من التحفيز والدعم خنق ما كان يمكن أن يكون.

من المؤكد أن خدمات الأعمال التجارية القابلة للتداول (بما في ذلك خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والوساطة المالية والتأمين والخدمات المهنية والعلمية والتقنية والطبية) يمكن أن توفر فرصًا للتكامل العالمي القائم على الخدمات بسبب الاختلافات الكبيرة في الأجور بين البلدان. ولكن، لن يحدث هذا إلا عندما تقوم البلدان النامية بتحسين قاعدة رأس المال البشري لديها-وهي عملية طويلة الأجل وتتطلب جهود مؤسسية تنموية لا يستهان بها قد لا تكون متوفرة لبعض البلدان، وربما غالبيتها.

وإذا أراد الأردن مثلا التوجه مع ظهور تقنيات الإنتاج الرقمي المتقدمة بما في ذلك الروبوتات والذكاء الاصطناعي والتصنيع الإضافي وتحليلات البيانات التي تفتح إمكانيات جديدة في الخدمات مثل التطبيب عن بعد والروبوتات عن بعد، فلا بد من التذكير بأن هذه الأنشطة تتطلب أيضًا عمالًا ذوي مهارات عالية، ولسوء الحظ، تمنع أنظمة ونتائج التعليم في معظم البلدان النامية الكثير من القوى العاملة من التنافس بنجاح في مجال الخدمات. لذا، فإن الدعوة إلى أن الاقتصادات ذات رأس المال البشري الضعيف، خاصة تلك التي صدرت بدلا من أن تنمي وتوظف هذه الثروة هي وصفة لمزيد من اللامنهجية والفقر.

بالنسبة للبلدان الفقيرة، يظل التصنيع هو السبيل الرئيسي للتنمية الناجحة. باختصار، ينبغي للدول النامية أن تتجاهل التقارير التي تتحدث عن انقراض التصنيع كمفتاح للرخاء.

المصدر
مدونة الدكتور يوسف منصور

يوسف منصور

الدكتور يوسف منصور اقتصادي أردني، استشارات في السياسات الاقتصادية، استثمار، تنمية صناعية، تجارة دولية، منافسة، بناء قدرات المؤسسات، التنافسية، تخطيط استراتيجي. شغل عدة مناصب: رئيس مجلس إدارة بورصة عمان، وزير دولة للشؤون الاقتصادية، مستشار اقتصادي لرئيس الوزراء، نائب رئيس مجلس مفوضي سلطة العقبة الاقتصادية، مدير عام الهيئة الأردنية لتنمية الاقتصاد والاستثمار وقائم بأعمال مدير عام مؤسسة تشجيع الاستثمار، خبير في السياسات الصناعية والتنمية المؤسسية، إجادة/الاتحاد الأوروبي، مدير عام هيئة تنظيم قطاع الاتصالات، مستشار اقتصادي بوزارة التخطيط مدير 3 مديريات معا (التنافسية، تنسيق المساعدات، المساندة الفنية)، مستشار اقتصادي لوزير الاتصالات، أستاذ مساعد جامعة مؤتة، أستاذ مساعد جامعة تكساس آ أند إم، وجامعة أوكلاهوما، ومحاضر كلية أوكلاهوما، مستشار شؤون موظفين أرامكو.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى