الرئيسيةمقالات

ما بعد كورونا.. كيف نستفيد من الثورة الرقمية؟

ما بعد الجائحة: تسخير الثورة الرقمية لتحسين مسار الأنظمة الغذائية

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي – جوليان لامبييتي، وغادة العابد، وكاترينا شرودر

من بين الصور الصارخة لجائحة فيروس كورونا ذلك التناقض بين المزارعين الذين يسكبون الحليب ويسحقون البيض ويحرثون الخضروات مرة أخرى في التربة وبين المستهلكين الذين لا يجدون أمامهم سوى أرفف المتاجر الفارغة والوقوف في طوابير طويلة في مراكز توزيع الغذاء. 

ترى هذه المقالة ضرورة تصحيح أوجه التضارب الهائل في المعلومات وتكلفة المعاملات على مستوى نظام غذائي هائل الاتساع (الشكل 1) للانتقال إلى نموذج أكثر احتواء ومرونة واستدامة. ورغم أن الإنتاج الصناعي واسع النطاق للمواد الغذائية المصحوب بسلاسل توريد محكمة التوقيت قد حقق العديد من المكاسب، فإن المخاطر المترتبة على هذا النظام أصبحت واضحة للعيان على نحو متزايد. وتتيح الثورة الرقمية إمكانية تحقيق توازن بديل، تزدهر فيه الأنظمة المؤسسية والإنتاجية الصغيرة المرنة وتتمكن من الخوض بسلاسة في بيئة تشغيل متغيرة. وربما كان خلاصنا في الأشياء الصغيرة المترابطة:  حيث يتبادر إلى الذهن المئات من السفن قليلة الغاطس التي أنقذت الموقف في دونكيرك أثناء الحرب العالمية الثانية، عندما علقت القوات على الساحل ولم تعد ناقلات الأفراد الضخمة صالحة للإبحار.

Image

وها هو تعداد سكان العالم البالغ 7. 7 مليار نسمة مستمر في الزيادة، ويتشارك في النظام الغذائي بطريقة أو بأخرى. فنحن نتخذ القرارات بشأن المواد الغذائية التي نستهلكها، والملابس التي نرتديها، والمنتجات التي نستخدمها – والتي يأتي الكثير منها أصلاً من الزراعة. وتُنتج السلع الزراعية في 570 مليون مزرعة وهي في معظمها صغيرة وتديرها أسر وتقع في البلدان النامية. والأنظمة الغذائية محلية، وهي سمة أساسية في المجتمعات المحلية، ولكنها ذات طابع عالمي أيضًا وترتبط من خلال التجارة والأسواق المالية وأسواق التأمين المتطورة.

الشكل 1: النظام الغذائي يعاني من تضارب المعلومات وتكلفة المعاملات

Image

المصدر:  البنك الدولي

وفي حين أن النظام الغذائي يتيح الغذاء لسكان العالم الذين تضاعف عددهم بما يزيد على المثلين على مدى السنوات الخمسين الماضية، فقد ابتعد بشدة عن المسار الذي من شأنه أن يساعدنا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة المرتبطة بالجوع والفقر والصحة واستخدام الأراضي وتغير المناخ. ورغم أننا ننتج الكثير من الغذاء على مستوى العالم، فإن عدد من يعانون نقص التغذية آخذ في الارتفاع منذ عام 2014 (الشكل 2). فثمة طفل واحد من كل خمسة أطفال دون سن الخامسة يعاني من التقزم على نحو يخلف عواقب سلبية على إنتاجيته تلازمه طيلة حياته. وهناك حوالي ملياري شخص يعانون من زيادة الوزن أو البدانة، الأمر الذي يؤدي إلى الإصابة بأمراض غير معدية، ذات أصل غذائي، تهدد القدرة على مقاومة الأمراض الجديدة مثل فيروس كورونا. تسهم الزراعة بنسبة 24% من انبعاثات غازات الدفيئة، وتستهلك 70% من المياه العذبة، وقد تسببت في فقدان 60% من التنوع البيولوجي الفقاري منذ سبعينيات القرن الماضي. وتبلغ تكلفة هذه العوامل الخارجية السلبية 12 تريليون دولار وفقًا لتحالف الغذاء واستخدام الأراضي، وهو ما يتجاوز قيمة السوق التي تبلغ 10 تريليونات دولار.

 ويوجد الآن 100 مليون آخرون مهددون بالسقوط في براثن الفقر بسبب التأثيرات الاقتصادية للجائحة، وفقًا لتقرير الآفاق الاقتصادية العالمية الصادر في يونيو/حزيران 2020، الأمر الذي يبعدننا عن أهدافنا من خلال تقليص الدخول وخلق صعوبات في الحصول على الغذاء والتغذية ربما أفضت إلى مجاعة واسعة النطاق حسبما ذكر برنامج الغذاء العالمي.

الشكل 2: النظام الغذائي لا يمضي على مساره نحو القضاء على الجوع

Image

المصدر:  قاعدة البيانات الإحصائية لدى الفاو  FAOSTAT (2020).

فكيف لنا أن نحدد مسارًا جديدًا للنظام الغذائي، مسار يعمل على الحد من الجوع ويتيح أفرادًا أصحاء واقتصادًا قويًا وكوكبًا سليمًا؟

لنتخيل معًا نظام الكوكب الذي يعتمد عليه النظام الغذائي كقارب يحمل حمولة أكبر من استطاعته ’يميل’ أكثر فأكثر مع كل شحنة إضافية تحمّل عليه:  نمو السكان، وتغير المناخ، وفقد التنوع البيولوجي، والتلوث، وتدهور التربة، وما إلى ذلك. ومع وقوع أزمتيّن للأمن الغذائي في غضون عشر سنوات فقط،[i] وإن اختلف أصلهما تمامًا، فإننا نتأرجح ونقترب من النقطة الحرجة. ولن يتسنى حل هذه المشكلة بإلقاء آخر قطعة من الحمولة ــ فيروس كورونا. فهناك عوامل عدة يجب التصدي لها. ومن حسن الحظ أن الطبيعة تتسم بمرونة مذهلة، تمكنها، إلى جانب الإبداع البشري، من التعافي من الأزمة الحالية، كما حدث في أزمات سابقة. فدعونا نغتنم الفرصة لتحويل مسار النظام الغذائي.

واليوم تبشر سرعة التطوير والنشر للتقنيات والشبكات الرقمية بالتعجيل بإحداث تحول في النظام الغذائي من خلال التغلب على قصور الأسواق والسياسات القائم منذ مدة بعيدة. وقد أدت التحولات السابقة في المسار التي طرأت على الزراعة والصناعات الغذائية وتميزت بالعديد من الثورات الزراعية، إلى زيادة الإنتاجية الزراعية والإمدادات الغذائية، وانخفاض أسعار الغذاء الحقيقية، وساعدت في إتاحة العمالة والموارد الرأسمالية للاستثمار في قطاعات أخرى، ومهدت الطريق أمام توسع المدن والثورة الصناعية، وأدت إلى تحويل المنشآت الزراعية إلى شركات. وخلافًا للثورات السابقة التي نشأت من ابتكارات بالمزارع قبل أن تمتد إلى المجتمعات الريفية، ثم تترسخ أعلى سلسلة القيمة وأسفلها (تأمل في استخدام الجرافة المصنوعة من الحديد الزهر أثناء الثورة الزراعية في بريطانيا؛ أو تحسين البذور والأسمدة أثناء الثورة الخضراء)، تعمل الإبداعات الرقمية الحالية على تعزيز الكفاءة على نقاط متعددة على طول سلسلة القيمة الغذائية.

فالتكنولوجيا الرقمية تدفع التغيير على جبهات متعددة بمعدلات متسارعة من خلال جمع واستخدام وتحليل كميات هائلة من البيانات التي يمكن للآلات قراءتها عن كل جانب من جوانب النظام الغذائي تقريبًا وبتكلفة حدية تكاد تكون صفرًا. وتؤدي المنصات الرقمية من علي بابا إلى يوتيوب إلى إحداث تغييرات جذرية في نماذج الأعمال التقليدية على مستوى النظام، وكذلك ضخت شركات رأس المال المخاطر 2.8 مليار دولار في الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الزراعية حول العالم في عام 2019.

ولكن الإبداع الرقمي لا يصلح إلا للغرض المقصود منه. ولتحقيق نتائج إيجابية، يتعين على السياسات العامة أن تعمل على تعزيز البنية التحتية التكميلية والقدرات البشرية، ومعالجة الفوارق بين الجنسين في إمكانية الوصول إلى الموارد، وإيلاء اهتمام وثيق بالمنافع البيئية ــ وجميعها من القضايا البارزة التي سيتطرق إليها تقريرنا القادم بعنوان ”التعجيل الرقمي للتحول الزراعي” المقرر نشره في أواخر عام 2020. غير أننا نركز في هذه المقالة على ثلاث توصيات فقط للتعجيل بالتحول نحو مستقبل غذائي أكثر استدامة. ويتعين على السياسات العامة أن تسعى إلى تحقيق ثلاثة أمور، هي كالتالي: إلغاء تركيز الأسواق وسلاسل التوريد، لا مركزية التتبع، ونشر البيانات.

 التوصية الأولى: القضاء على تركيز الأسواق وسلاسل التوريد

التناقض بين الفائض الغذائي في المزارع ونقص الغذاء في أسواق التجزئة أثناء عمليات الإغلاق الناجمة عن جائحة كورونا يسلط الضوء على ما يعانيه النظام الغذائي منذ فترة طويلة من ارتفاع تكلفة المعاملات وتضارب المعلومات. وتعمل الأسواق وسلاسل التوريد المركزة والمُقسمة إلى قطاعات على توليد مكاسب هائلة في الكفاءة لكنها تجعل من الصعب والمكلف على كل من البائعين والمشترين التوصل بعضهم إلى بعض والتعامل فيما بينهم. وقد يتخذ التركيز أشكالًا وأنماطًا عديدة ــ من الأسواق المادية المركزة إلى الحصص السوقية المركزة. وكل منهما محفوف بالمخاطر، وخاصة في أوقات الأزمات. كانت سفينة تايتانيك أكبر وأفخم سفينة ركاب حديثة عندما أبحرت في رحلتها الأولى. وتصور الجميع أنها ”أكبر من أن تغرق“، وكلنا يعلم ما انتهى إليه حالها.

وفي بيرو، أظهرت الفحوص إصابة 80% من التجار في سوق الفاكهة المركزية الكبرى في ليما بفيروس كورونا. ورغم أن السلطات اعتبرتها مركزًا للعدوى، فقد وجدت أنها لا تستطيع تحمل كلفة إغلاق السوق حتى لا يتسبب في نقص كبير في المواد الغذائية. وفي الولايات المتحدة، يتركز قطاع الأغذية بالتجزئة بشكل متزايد في عدد صغير من الشركات الضخمة (الشكل 3) التي تنقصها الخفة في سرعة التكيف مع التغيرات في أنماط الاستهلاك، وتتسم بقدرة أقل على مجابهة صدمات الطلب. وفي الولايات المتحدة أيضًا، أبرز تأثير فيروس كورونا على العاملين في مجال تعبئة اللحوم حجم عمليات قطاع اللحوم والتركيز السوقي الشديد في سوق صناعة اللحوم، فتسبب إغلاق مصانع تعبئة اللحوم في إلينوي في تأثيرات انتشرت في سلاسل التوريد من أعلاها إلى أسفلها. وهذه المشكلات مرشحة للتفاقم مع تضخم الاتجاهات نحو التركيز والتقسيم القطاعي بفعل العوامل الجغرافية والسياسات التجارية، الأمر الذي يسهم في ظهور حالات الفوائض والعجز الفريدة التي أحدثها فيروس كورونا حاليًا.

الشكل 3: انكماش أسوق بيع الأغذية بالتجزئة في الولايات المتحدة

Image

المصدر: دائرة البحوث الاقتصادية بوزارة الزراعة الأمريكية، حسابات من مسح تجارة التجزئة الشهري لمكتب الإحصاء الأمريكي، تقارير القطاع؛ محدثة ومستقاة من Steve Wood, Revisiting the US food retail consolidation wave: regulation, market power and spatial outcomes, Journal of Economic Geography, Volume 13, Issue 2, March 2013, Pages 299–326,

ومن الممكن أن تساعد المنصات الرقمية في إلغاء التركيز وزيادة عدد الأسواق أعلى النظام الغذائي وأسفله على نحو يؤدي إلى نتائج أفضل في طرفي سلسلة التوريد. ففي دراسة قارنت بين بيانات المعاملات من منصة رقمية تجرى مزادات على السلع المادية أسبوعيًا، والأسعار على بوابات المزارع في مناطق إنتاج البن بالهند، وجد أن المنتجين حصلوا على أسعار أعلى كثيرًا حين باعوا السلعة من خلال المنصة الرقمية وليس عند بوابة المزرعة عن طريق السماسرة. وتمثل منصة التسويق تاوباو التابعة لعلي بابا على الإنترنت، التي وُصفت في مدونة نشرت مؤخرًا للمعهد الدولي لبحوث سياسات الغذاء حالة أخرى في هذا الصدد: فقد شهدت مقاطعة شويانغ، حيث تقع 86 قرية من أصل 4310 قرى  بالصين يقع بها تاوباو، ”تحولًا هائلًا من واحدة من أفقر مقاطعات إقليم جانجسو إلى معلم سياحي بارز للتجارة الإلكترونية الزراعية في الصين“. وبفضل صناعة البساتين المزدهرة المدعومة بالتجارة الإلكترونية، تجاوز الناتج المحلي الإجمالي للمقاطعة 11 مليار دولار عام 2018، وانتشل 41,000 شخص من براثن الفقر.

 وفي أعقاب هذه الجائحة، قام العديد من السلطات المحلية وشركات التشغيل الخاصة بتعجيل وتيرة الانتقال إلى المنصات الرقمية لربط المنتجين والمستهلكين المكبلين بالإغلاق الاقتصادي: ففي ولاية كانساس الأمريكية، ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي في الربط بين مربّي الماشية والمستهلكين الذين يبحثون عن لحم بقري عالي الجودة بعد أن أفرغ فيروس كورونا أرفف المتاجر المحلية من اللحوم. وفي الهند، شرعت جمعية أوديشا للتنمية الريفية والتسويق في إنشاء نظام تسليم الخضراوات حتى عتبة الباب من قِبَل جمعيات المنتجين، باستخدام آلات الدفع الرقمي، وآلات الوزن الإلكترونية. ومن خلال العمل في شراكة مع أوديشا لايفلي هوودز ميشن وميشن شاكتي في أوديشا، وبعثة شاكتي، والمنظمات غير الحكومية الشريكة ومسؤولين محليين ، بادرت الجمعية بوضع نموذج للتوصيل، واستصدرت تصاريح مرور من الشرطة لنقل الخضروات، الأمر الذي منح المزيد من الناس إمكانية الحصول على الخضروات الطازجة وحماية موارد الرزق للمزارعين في الوقت ذاته. وفي كينيا، أعطت الجائحة دفعة قوية للشركات التي كانت قد سلكت بالفعل طريق التحول إلى التكنولوجيا الرقمية. فعلى سبيل المثال، أطلقت في عام 2014، تويغا للمواد الغذائية، منصة للتجارة الرقمية بين الشركات تعتمد على الهاتف المحمول وتعمل على التوفيق بين العرض والطلب على الفواكه والخضراوات على نطاق صغير، لتخفض بذلك مستويات من الوسطاء، وبالتالي تقضي على الفاقد وتخفض أسعار المواد الغذائية على المستهلك النهائي في السوق. وتستخدم الشركة، وهي من الجهات المتعاملة مع مؤسسة التمويل الدولية، نفس التكنولوجيا لتسهيل حصول المستهلكين على المواد الغذائية أثناء الجائحة.

ورغم أن هذه الحلول الرقمية تعطي بصيصًا من الأمل وسط قصص انهيار سلاسل التوريد أثناء جائحة كورونا، فما مدى قوة نموذجها على المدى الطويل؟

 من المهم عند استشراف المستقبل الحرص بشدة على مراعاة تحقيق التوازن بين المصالح الخاصة والعامة عند إلغاء تركيز المنصات في النظام الغذائي. وهذا ليس بالقضية الجديدة – ولنتأمل في هذا الصدد الأسواق التقليدية للمزارعين أو للمواد الغذائية بالجملة. فكلاهما يوفر منصات مادية يتعامل فيها المنتجون والمستهلكون. فما الذي سيتطلبه توسيع نطاق ذلك وتحويل العملية برمتها إلى عملية افتراضية؟ سيزيد عدد الأسواق، مما يتيح أمام المنتجين والمستهلكين خيارات أكثر، وكذلك الكفاءة من خلال خفض التكلفة. ولننظر إلى مزادات الماشية، حيث يستعاض عن المبادلات المادية التقليدية بكاميرات مثبتة في المزارع وشاشات داخلية لتيسير زيادة المشاركة في السوق وتوفير التكلفة اللوجستية والخاصة بالرعاية الصحية البيطرية. وفي الوقت نفسه، من شأن زيادة تدفق المعلومات عن كل عملية وعميل على طول سلسلة القيمة الغذائية الزراعية، مدعومًا بإمكانية التحقق الرقمي، أن ييسر التصديق على مدى جدارة الوكيل الاقتصادي بالثقة، وتعزيز الثقة في المعاملات. ولن يحتاج توسيع نطاق النظام الغذائي من خلال المنصات الرقمية إلى كثير من الجهد ما دام هناك دراسة متأنية للتأثير الاقتصادي والمجتمعي.

يتلخص دور السياسات العامة في منع تراكم النفوذ السوقي من خلال المنصات الرقمية. ومن غير الواضح حاليًا ما إذا كانت المنصات الرقمية تعمل على خلق أوجه نفوذ سوقي جديدة شديدة التركيز لصالح الشركات القائمة أم أن المنافسة الشفافة تتيح التوزيع العادل للقيمة.

 فمن ناحية، هناك عوامل عديدة تسهم في زيادة تركيز أسواق المنصات الرقمية مثل وفورات الحجم وتكلفة التحوّل وآثار الشبكات.[ii] ولنتأمل هنا شركتي علي بابا أو أمازون، وهما شركتان حققتا نموًا مضطردًا في العقد الماضي، وتخلقان سوقًا يتعامل فيها المستهلكون والمنتجون في جميع أنحاء العالم. ومن ناحية أخرى، تؤكد الخبيرة الاقتصادية باربرا إنغلز أن المنصات الرقمية تدعم المنافسة.[iii] وتقول إن نطاقات المنتجات (مثل بيع أصناف التفاح من قبل منتجين مختلفين) تتيح ظروفًا تنافسية وأن ظروف سوق المنصات تتعرض للتغيير الجذري بشكل منتظم بفعل الابتكارات (فالأصناف الجديدة من التفاح تحل محل الأنواع القائمة مع توسع انتشار السوق) وبالتالي فهي أقل عُرضة لتراكم نفوذ السوق مثل آليات المبادلة التقليدية. ولم يثبت ذلك بالنسبة لسلسلة القيمة الغذائية، وهو ما يعطي مبررًا لإجراء المزيد من الأبحاث في هذا الشأن.[iv]

التوصية الثانية: اللامركزية في قابلية التعقب

كما هي الحال مع الأمراض الحيوانية السابقة مثل الإيدز، وفيروس غرب النيل، كان فيروس كورونا المستجد سببًا في إبراز الروابط القوية بين صحة الحيوان وصحة الإنسان وصحة كوكب الأرض، والدور المهم الذي تلعبه الأنشطة البشرية عندما تجعل البشر على اتصال وثيق بالحياة البرية. وكان سوء إدارة الماشية، ومناولة الأغذية بطريقة غير مأمونة، وتدهور النظم الإيكولوجية، والتعدي على موائل الحياة البرية، سببًا وراء تزايد عدد الأمراض والمرضى.

 ومن شأن تتبع المواد الغذائية على طول سلسلة التوريد، بطريقة لامركزية أن يخلق فرصًا للحصول على غذاء أكثر أمانًا واستدامة. ومن المهم الاستعانة بمصادر أكثر أمنًا للغذاء، حيث يقع نحو 600 مليون شخص فريسة للمرض من جراء تناول الطعام الملوث في كل عام، الأمر الذي يكلف البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط 110 مليارات دولار من الخسائر في الإنتاجية والنفقات الطبية سنويًا. وتتيح معرفة مصدر الغذاء وكيفية إنتاجه للمستهلكين اتخاذ قرارات أكثر استنارة بشأن تأثير الغذاء الذي يستهلكونه على صحتهم وصحة الكوكب. كما إن المواد الغذائية المستمدة من مصادر أكثر استدامة تحقق زيادة سعرية، يدفعها المستهلكون المتمتعون بوعي بيئي وصحي ولديهم القدرة على تحمل تكاليفها. وهذه المؤشرات السعرية، إذا ما انتقلت إلى مختلف الأطراف على طول سلسلة القيمة، من الممكن أن تحفز بدورها على اتباع ممارسات الإنتاج المستدامة.

Imageفي أوروجواي، تعين رموز لتعريف الأبقار وتتبعها عبر سلسلة التوريد. فلور دي برينيف/البنك الدولي

ولننظر في حالة أوروجواي، حيث ارتفع نمو صادرات لحوم الأبقار بمتوسط قدره 700% بين عامي 2001 و2018 (الشكل 4). وأدى ارتفاع الدخول والتغير في التفضيلات إلى إذكاء الطلب الشديد على لحوم الأبقار ذات المنشأ المعتمد الذي يعني تمتعها بجودة عالية. وقد تمكنت أوروجواي من إشباع هذا النهم للمنتجات الممتازة بفضل حكومة تتمتع ببصيرة مكنتها من الاستجابة لوباء مرض الحمى القلاعية في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من خلال تحسين ممارسات إدارة الثروة الحيوانية وإنشاء نظام معلومات رقمي لمعلومات الثروة الحيوانية مجاني لجميع المستخدمين.

 الشكل 4: صادرات لحوم الأبقار عالية الجودة القابلة للتتبع في ازدياد

Image

المصدر: قاعدة البيانات الإحصائية لتجارة السلع الأساسية 2020

والأمر بالغ الأهمية في نجاح هذا النظام على المدى الطويل هو التصميم اللامركزي للسجل العام الموزع، مما يعني أن أي شخص يتمكن من الوصول إلى النظام واستخدام البيانات، والحد من تضارب المعلومات، وزيادة المنافسة على مختلف المستويات، وزيادة القدرة على مواجهة الاحتيال وتزييف المعلومات. ويعين النظام المستخدم في أوروغواي بتعيين رمز تعريف لكل حيوان، مما يتيح لك معرفة كيفية معاملته وموقعه على سلسلة الإنتاج آنيًا. ويتم تعقب المعلومات عن الأبقار الفردية من المزرعة وحتى الشحن على متن السفينة، بما في ذلك رحلات سفرها وعلفها وأدويتها والزيادة في وزنها، من جملة مؤشرات أخرى. ويمكن للمستخدمين غير المسجلين في النظام مشاهدة خرائط للمشغلين المستخدمين للنظام وتحديد كل رأس من الماشية حسب القسم.

وبإمكان تقنيات السجلات العامة الموزعة المفتوحة للاطلاع تحقيق تحول في سلاسل التوريد الغذائية، وموقع أخذ بصمات الأصابع، ورفاهة الحيوان، والمدخلات البيئية والاجتماعية، والعقود، والتصنيع، والعديد من المجالات الرئيسية الأخرى. ونظرًا لتعقد النظام الغذائي، بالإضافة إلى المسائل التقنية المرتبطة بقابلية التوسع والخصوصية وبنية البيانات، فلا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال ضمان قابلة التشغيل البيني الكامل لإمكانية التتبع (أي إمكانية تواصل مختلف الأجزاء بعضها مع بعض) وأن يكون هناك نظام إدارة يمنع التسابق نحو تركيز النفوذ السوقي. ومن شأن لامركزية إمكانية التتبع على طول سلسلة التوريد أن يحسن من محفزات إنتاج الغذاء واستهلاكه على نحو آمن عالي الجودة مع الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية والبيئية. 

التوصية الثالثة: نشر البيانات المفتوحة

فكر في تأثير نشر التسلسل الجيني لفيروس كورونا، حيث يقوم القطاع العام والخاص حاليًا بتطوير أكثر من 150 لقاحًا محتملًا ، ويستخدم البعض تقنيات تقليدية ويستخدم البعض الآخر تقنيات غير مؤكدة. ويعد نشر البيانات المفتوحة على مستوى النظام الغذائي المعقد ضروريًا أيضًا لمعالجة تضارب المعلومات، وتشجيع الابتكار، وزيادة كفاءة الإنفاق العام.

 فقد بدأت كينيا، على سبيل المثال، تشهد طفرة في التطبيقات التي تستفيد من البيانات المفتوحة التي يجري تشجيعها في إطار مبادرة كينيا للبيانات المفتوحة. وفي ظل الانشغال الزائد بالزراعة باعتبارها ركيزة للاقتصاد والأمن الغذائي، قررت الحكومة في عام 2011 إتاحة البيانات الأساسية التنموية والديموغرافية والإحصائية والمتعلقة بالنفقات في شكل رقمي يفيد الباحثين والشركات الخاصة وجهات تطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والجمهور العام. ويقدم الموقع الإلكتروني opendata.go.ke للجمهور ما يقرب من 942 مجموعة بيانات. واليوم، تقود كينيا أفريقيا في ميدان التكنولوجيا الزراعية، بفضل نظام رقمي هو الأعلى تصنيفًا، فضلًا عن 30% من التقنيات الزراعية المغيرة لقواعد اللعبة في هذه القارة. ويعد تأثير التكنولوجيا الإبداعية مثل نظام تحديد المواقع العالمي الذي طورته وزارة الدفاع الأمريكية لمساعدة القوات العسكرية، ويوزع الآن مجانًا، مثالًا آخر للبيانات المفتوحة التي تحقق تأثيرات إيجابية كبيرة في كل شيء من الزراعة الدقيقة التي تسمح للمزارعين بأن يضعوا الكميات المناسبة المحددة من السماد في الموضع المناسب، إلى المراجعات النقدية التي تسمح للسائحين ومحبي الطعام بتحديد مواقع المطاعم في غضون دقائق.

Imageشخص يستخدم جهاز استشعار مدعوم بنظام تحديد المواقع العالمي لتتبع أداء الآلات في حقل أرز بباكستان. فلور دي برينيف/البنك الدولي

كما تَعِد البيانات المفتوحة بتعزيز كفاءة دعم القطاع العام للنظام الغذائي، في وقت يستثمر فيه نصف تريليون دولار سنويًا في بلدان تتبعها منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي. وتتيح البيانات المفتوحة تقاسم البيانات بين مختلف الوكالات العامة، وتحسين أداء العمليات العامة وزيادة كفاءة الخدمات العامة. وفي عام 2020، من المتوقع أن يوفر الاتحاد الأوروبي 1.7 مليار يورو من تكاليف الإدارة العامة بفضل استخدام البيانات المفتوحة. وتشجع البيانات المفتوحة على تقديم الخدمات بطريقة مبتكرة، حيث يمكن للمنظمات غير الحكومية والوكالات العامة استخدام البيانات المفتوحة في إعداد تطبيقات جديدة للهاتف المحمول لخدمة السكان بشكل أفضل. وتساعد البيانات الواردة من المزارعين على تتبع تنفيذ مختلف التدابير مثل خطط الإنتاج المستدام واستخدام الأراضي.  ومن الممكن أن تساعد البيانات التي يبلغ عنها المستهلك السلطات في تحديد قضايا سلامة الغذاء في وقت أقرب إلى الآني.

تنص العديد من السياسات القائمة، وخاصة في أوروبا منذ عام 2003، على أن بيانات القطاع العام ــ أو البيانات ذات النفع العام ــ يجب أن تكون مفتوحة وقابلة لإعادة الاستخدام. ولكن العديد من المخاطر المرتبطة بالبيانات قد تمنع التقنيات الرقمية من أن تفي بوعدها: عدم اليقين بشأن حماية البيانات والملكية والأمن وإمكانية الوصول والرقابة ومسائل الشفافية والمصادقة والمسؤولية والاختلال في سلاسل القيمة. ومن الممكن أن تعمل السياسات العامة على تحسين حماية البيانات وتوضيح ملكية البيانات، ومعالجة ممارسات البيانات غير العادلة في السياسات الزراعية، والحد من اختلالات سلسلة القيمة وما يتصل بها من تضارب المعلومات. ويمكنها أيضا أن تعزز تبادل البيانات من جانب القطاع الخاص عندما تكون مهمة للصالح العام، وترصد وتزيد من أثر البيانات العامة، وتحسن حوكمة تبادل البيانات.[v]

لقد ضربت جائحة فيروس كورونا أغلب بلدان العالم في أوائل عام 2020، في وقت كان فيه النظام الغذائي متأخرًا بالفعل عن تصحيح رئيسي في مساره لتحسين النتائج الغذائية والبيئية، والإسراع بالحد من الفقر. ومن خلال التعجيل بالتحول إلى التقنيات الرقمية، فإن إجراءات الإغلاق قد تنتج عوامل مواتية على نحو غير متوقع وتجلب تغييرًا مرحبًا به. وهذه دعوة إلى جميع الأطراف المعنية الآن للتأكد من أن بيئة السياسات العامة تفضي إلى حلول رقمية تقربنا من تحقيق أهداف التنمية المستدامة عن طريق تفضيل القضاء على التركيز، واللامركزية في قابلية التعقب، ونشر البيانات المفتوحة.  وإذا نجحنا، فسوف نتمكن من الاستفادة من الطاقة الإبداعية والابتكار والاحتياجات اليومية لنحو من 7.7 مليار نسمة، من المزارعين ورجال الأعمال والمستهلكين الذين يشكلون النظام الغذائي العالمي، في تحويل المسار نحو مستقبل أكثر استدامة.

المصدر
البنك الدولي

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى