تطبيقات ذكيةشبكات اجتماعية

«الطوفان الرقمي» يسحق الخصوصيّة

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي

«إذا جرى تحويل الأشياء كلها إلى ملفّات رقميّة، وهو ما يسمّى «رقمنة» Digitization، فسوف يعني ذلك ببساطة أنه يمكن الوصول إلى كل شيء». الأرجح أن تلك الكلمات تستطيع أن تكون خلاصة كتاب «الطوفان الرقمي» Blown to Bits، الذي ترجم حديثاً إلى العربية، ونشرته «دار هنداوي» ورقيّاً في القاهرة. وسبق للدار نفسها أن أصدرت الكتاب في نسخة رقميّة، ووضعتها مجاناً على موقعها «هنداوي. أورغ» Hindawi.org.
يقع الكتاب في 427 صفحة من القطع الكبير، وهو من تأليف كين ليدن، وهال أبلسون وهاري لويس، وترجمة الزميل أشرف عامر.
في المقدمة، يحذّر الكتاب من الإغراق في التفاصيل الصغيرة على حساب الصورة الكبيرة والواسعة للأشياء. ومثلاً، من شأن الانشغال الدائم بمواقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات والتحديثات، أن يصرف الأذهان عن أثر المواقع في الحياة الاجتماعيّة والتوازن النفسي للأفراد وحالتهم الصحيّة بصورة عامة.
وفي مستهل الكتاب، يلفت المؤلفون قراءهم إلى حقيقة أنه أصبح من الممكن مبدئيّاً تسجيل كل شيء يصدر عن البشر (نصوص، أقوال، غناء، رسم، صور، أشرطة…) على هيئة ملفّات رقميّة، مع مراكمة كميّات هائلة من المعلومات والبيانات الرقميّة، بل جبالاً من النفايات المعلوماتيّة التي لا تستطيع العين البشرية ملاحظتها، ولا تراها سوى أجهزة الكومبيوتر.
وفي المقابل، تزداد قدرة تلك الأجهزة على استخلاص المعاني من تلك الكميّات المتراكمة كلها، بل أن تلك القدرة تتعاظم يوميّاً. بمعنى آخر، كل ما ينظر إليه بوصفه تفصيلاً صغيراً مهملاً، يمكن أن يقود الآخرين إلى معرفة معلومات وأسرار مهما اعتقد أصحابها أنها في مأمن.

تناثر الحياة اليوميّة
بطريقة واقعيّة تماماً، يشير كتاب «الطوفان الرقمي» إلى أن تفجّر ثورة المعلوماتيّة والاتصالات المتطوّرة بعثر تفاصيل الحياة اليوميّة في كل مكان. ولا تكتفي شركات الخليوي بمعرفة أرقام اتصالات الأفراد، بل تعرف تماماً الموقع الذي أجري منه كل اتّصال. وعلى غرارها، تعرف شركات بطاقات الائتمان مقدار ما يملكه الفرد من أموال وما أنفقه منها، بل التفاصيل الكاملة لما اشتراه مقابل نقوده.
وتملك المصارف سجلاّت إلكترونيّة فيها تفاصيل المعاملات الماليّة اليوميّة، ما يكفل ضبط السحوبات والإيداعات والأرصدة، إضافة إلى قدرتها على إخطار الحكومة في كل مرّة «ترتأي» فيها أن مستخدماً ما تجاوز المبالغ التي تعوّد على التعامل بها!
بمعنى آخر، أصبح الإنسان مجرد مجموعة من السجلات الرقميّة. ثمة ملفّات إلكترونيّة عما يرتديه كل فرد من ملابس، والصابون المستخدم في حمام بيته، والطرقات التي سلكها، والسيارات التي قادها، والأمكنة التي قصدها. وبقول آخر، حيثما يكون الإنسان، فإنّه يخلّف وراءه «بصمة» إلكترونيّة لا تقلّ وزناً وإثباتاً عن بصمة إصبعه.
ويورد المؤلفون أمثلة عن ضخامة ما تملكه الشركات والحكومات والمؤسّسات من معلومات عن الجمهور، تأتي من حوادث تسرّب المعلومات، وهي تحدث بين حين وآخر. ومثلاً، تسبّبت مصادفة في إفشاء أسرار ملايين البريطانيين، في تشرين الأول (أكتوبر) 2007، عندما بعث موظف في مصلحة الضرائب البريطانيّة طرداً صغيراً إلى هيئة المحاسبة الحكوميّة بواسطة شركة للبريد السريع. لم يصل الطرد إلى وجهته أبداً، لكنه تكفّل بتفجير فضيحة هزّت بريطانيا بأسرها، وأجبرت رئيس وزراء بريطانيا على الاعتذار علناً من الشعب، كما أرغمت رئيس مصلحة الضرائب على الاستقالة.
إذ لم يكن ذلك الطرد سوى قرصين رقميّين مدمجين يتضمنان أسماء 25 مليون مواطن بريطاني (= قرابة 40 في المئة من البريطانيّين، بمن فيهم الأطفال)، مع عناوينهم وتواريخ ميلادهم وأرقامهم التأمينية وأرقام حساباتهم المصرفيّة! وتحتفظ مصلحة الضرائب ببيانات تفصيليّة عن الأطفال، لأن كل طفل بريطاني يتلقى مدفوعات أسبوعيّة من الحكومة البريطانية، إضافة إلى أن معظم العائلات تودع أموالها في حسابات مصرفيّة.
ويرى مؤلّفو كتاب «الطوفان الرقمي» أن الأسباب التي تجعل الخصوصيّة الفرديّة في موضع الخطر، تتمثّل في فقدان الأفراد السيطرة على المعلومات الشخصيّة بسبب أشياء يقومون بها هم أنفسهم، وأخرى يقوم بها آخرون. إذ كثيراً ما يقدم الأفراد على تقديم معلومات عن أنفسهم، من دون تبصّر كافٍ، إما لأنهم يريدون تسجيل سبق على أقرانهم، أو مجاراة الآخرين، أو تهرّباً من أعدائهم، أو ببساطة لأنهم لا يشعرون بمدى خطورة ما يفعلونه يوميّاً على الانترنت.
وفي سياق متّصل، يضرب الكتاب مثلاً على إمكان التسلّل إلى أسرار الآخرين في مقابل مبالغ زهيدة. ففي مقابل 175 دولاراً، من الممكن الاشتراك في موقع إلكتروني بهويّة زائفة، وادعاء وجود صاحب عمل يطلب موظّفين، ووضع استمارة لمن يرغب في التقدّم إلى تلك الوظائف الوهميّة. وبذا، يستطيع ذلك الشخص الحصول على بيانات تفصيليّة عن أولئك المتقدّمين لوظائف لا وجود لها، بما فيها السجلات الجنائيّة وبطاقات الائتمان، ووثائق السيارات الخاصة، إضافة إلى المؤهلات التعليميّة، والوظائف السابقة وسجل الانتربول وغيرها.

المصدر ” صحيفة الحياة اللبنانية

_

يمتلك مبيضين خبرة تقارب الـ 10 اعوام في مجال العمل الصحافي، ويعمل حاليا، سكرتير تحرير ميداني في صحيفة الغد اليومية، وصحافيا متخصصا في تغطية أخبار قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الملكية الفكرية، الريادة، والمسؤولية الإجتماعية. ويحمل مبيضين شهادة البكالوريوس من جامعة مؤتة – تخصّص ” إدارة الأعمال”، كما يعمل في تقديم إستشارات إعلامية حول أحداث وأخبار قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأردني. Tel: +962 79 6542307

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى