مقالات

إنترنت الأشياء: فرص واعدة

شارك هذا الموضوع:

بقلم المهندس: بلال خالد الحفناوي*

إنترنت الأشياء ((Internet of things مصطلح أصبح مألوفا كثيرا بالسنوات الأخيرة، نظرا لكونه واحدا من أهم أعمدة التحول الرقمي، وجزء أساسيا من المنظومة التقنية للثورة الصناعية الرابعة التي يتوقع أن يزداد نطاق تأثيرها على الحياة البشرية في المستقبل القريب.

ولا شك أن إنترنت الأشياء يعد أحد المفاهيم الثورية في عالمنا المعاصر، إذ إنه يتضمن أبعادا كبيرة تعكس مستوى اعتماد وارتكاز الحياة البشرية على التكنولوجيا، كما يتوقع أن يتضاعف عدد التطبيقات والبرامج التي تعتمد عليه والتي بدأت في الدخول إلى تفاصيل حياتنا اليومية.

وكنت قد أشرت في مقالي السابق “التحول الرقمي الشامل بعد كورونا” إلى التحولات الكبيرة القادمة ومن ضمنها إنترنت الأشياء، وسأتناول في هذا المقال على نحو أكثر تفصيلا نبذه مختصرة عن مفهومه، ومكوناته، ومجالات تطبيقاته والفرص الاستثمارية الواعدة التي يوفرها.

بدأ مفهوم “إنترنت الأشياء” بالظهور في عام 1999 حيث تم ذكره ضمن محتويات عرض تقديمي استعرضه المؤسس المشارك في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا “كيفن أشتون” خلال بحثه بهذا المجال، ومن ثم انتشر الاسم وأصبح متعارفا عليه بين مراكز البحوث والشركات. ويطلق مفهوم إنترنت الأشياء (IoT) على الشبكة التي يتم التواصل فيها بين مجموعة من “الأشياء” عبر الإنترنت من دون تدخل الإنسان، والتي تتعدد استخداماتها في كافة مناحي الحياة.

ويشتمل نظام إنترنت الأشياء على مستشعرات مختلفة ((Sensors، حيث تقوم هذه المستشعرات بإجراء قراءات أو قياسات أو مراقبة مؤشرات، ومن ثم ترتبط هذه المؤشرات عبر الإنترنت بمعالجات ذكية (Intelligent processors) والتي بدورها تقوم بتحليل البيانات (Data) الواردة من المؤشرات ومن ثم عمل الإجراءات اللازمة عن طريق محركات (Actuators)، وقد تكون هذه الإجراءات إيقاف عمل ما أو تشغيل آلة معينة أو إصدار رسالة محددة أو أي مهمة أخرى، والتي من شأنها أن تساهم في

رفع الإنتاجية وتوفير الوقت والمال والجهد، واكتشاف المشكلات بوقت مبكر قبل حصولها.
ويعد عالم إنترنت الأشياء من مصادر البيانات الضخمة (Big Data) والناتجة عن المستشعرات المختلفة الموجودة فيه؛ إذ يتم عمل تحليل للبيانات (Data Analytics) للوصول إلى نتائج وقرارات مهمة من شأنها تغيير الاستراتيجيات وطرق العمل في كثير من المؤسسات، وحسب تقارير ودراسات شركة IDC العالمية التي نشرت بعام 2019 فإن من المتوقع بحلول عام 2025 أن يصل عدد أجهزة إنترنت الأشياء (IoT Devices) إلى 41.6 مليار جهاز وأن تنتج هذه “الأشياء” ما حجمه 79.4 زيتابايت (79.4 تريليون جيجابايت) من البيانات الضخمة، وبنفس التقرير تم توضيح أن معدل النمو السنوي الإجمالي (CAGR) لأجهزة إنترنت الأشياء هو 28.9% حتى عام 2025. كما وضحت شركة Gartner العالمية في تقريرها عام 2019 أن إجمالي الإيرادات من إنترنت الأشياء سيبلغ ما قدره 389 مليار دولار على مستوى العالم في عام 2020، وستتركز الإيرادات في ثلاث مناطق هي أمريكا الشمالية بما قيمته 120 مليار دولار، والصين بما قيمته 91 مليار دولار، وأوروبا الغربية بإجمالي 82 مليار دولار، حيث ستسيطر هذه المناطق الثلاث على75٪ من إجمالي إيرادات أنظمة إنترنت الأشياء عالميا.
وفضلا عما تقدم فإن إنترنت الأشياء يعد من المقومات الأساسية للتحول الرقمي وبناء المدن الذكية (Smart Cities)، ومن ذلك دعم البنى التحتية في مرافق المياه والكهرباء Smart Metering  والمراقبة والتصريف الذكي للنفايات (Smart Waste)، بالإضافة إلى بناء مواقف ذكية (Smart Parking) لتقليل العناء والازدحامات، وكاميرات المراقبة الذكية (Smart Monitoring)، وأجهزة الاستشعار البيئية (Smart Environment) والتي ستساهم في المحافظة على البيئة ومراقبة مستويات التلوث. كما يعد

إنترنت الأشياء أساسيا في إدارة محطات الطاقة ومراقبتها والتحكم بها بشكل ذكي (Smart Grid).
ومن الجدير بالذكر أن تقنية إنترنت الأشياء مرتبطة ارتباطا وثيقا بكثير من التقنيات الرقمية الأخرى مثل الحوسبة السحابية (Cloud Computing) بحيثية تخزين البيانات، وترتبط أيضا بالذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) وذلك في حيثيات استخدام تعلم الآلة (Machine Learning) في تحليل البيانات الضخمة، بالإضافة إلى ارتباطها بسلاسل الكتل (Blockchain) والتي تساعد في معالجة تحديات مشاكل الأمن والخصوصية (Security and Privacy) التي قد يتعرض لها النظام.

وخلال الأزمة التي يعيشها العالم اليوم بسبب جائحة كورونا، قادت تقنية (IoT) لقصص نجاح كثيرة، حيث أظهر تقرير شركة (Informa) العالمية أن تقنية إنترنت الأشياء لعبت دورا متزايدا في مساعدة السلطات على منع المزيد من انتشار COVID-19، و شهدت استخداما واسعا في مجموعة التطبيقات أثناء الأزمة، ومن ذلك استخدام البيانات التي تم جمعها من أكثر من مليون من موازين الحرارة المتصلة بالإنترنت سواء كانت بالمستشفيات أو الأماكن العامة لإنتاج خرائط يومية توضح المقاطعات الأمريكية التي تشهد زيادة في الحمى الشديدة، وهو ما يمكن أن يكون بمثابة إشارة إنذار مبكر لمجموعات جديدة من المرضى (وفقا لمنظمة الصحة العالمية، فإن الحمى المرتفعة هي أكثر الأعراض شيوعا لـ COVID-19). وفي الصين هناك قصة نجاح في المستشفى الميداني في ووهان، حيث كان المرضى والموظفون يرتدون أساور وخواتم مرتبطة مع منصة للذكاء الاصطناعي لتوفير مراقبة مستمرة للعلامات الحيوية، بما في ذلك درجة الحرارة ومعدل ضربات القلب والدم ومستويات الأكسجين، كما قامت الروبوتات (Robots) المتصلة بشبكة الجيل الخامس (5G) بتقديم الطعام والمشروبات والأدوية للمرضى، حيث قلل استخدام الروبوتات من مستوى مخالطة العاملين في مجال الرعاية الصحية للمرضى المصابين، كما استخدمت الروبوتات لتطهير المستشفيات وغيرها من المواقع المعرضة للخطر في الصين وإيطاليا والولايات المتحدة.

ومن جهة أخرى استخدمت حكومة هونغ كونغ أساور للمعصم لأغراض التتبع الإلكترونية لتنبيه السلطات عندما لا يلتزم الأفراد بالحجر الصحي الإجباري المنزلي. وأخيرا استخدمت طائرات بدون طيار (Drones) لنقل الإمدادات في الصين ولتوصيل عينات طبية وإمدادات من وإلى بؤر COVID-19 الساخنة، مما زاد من سرعة النقل بأكثر من 50 ٪ مقارنة بالنقل البري، كما تم استخدام الطائرات بدون طيار لرش المواد الكيميائية المطهرة في بعض الأماكن العامة وعلى المركبات التي تنتقل بين المناطق المتضررة.

وختاما، فإن هنالك كثيرا من الاستخدامات الواعدة لتقنيات إنترنت الأشياء على كافة المستويات وفي كافة القطاعات، ومما لا شك فيه أن استخدام هذه التقنية يتطلب تضافر كافة الجهود من المؤسسات العامة والشركات الخاصة للاستفادة منها، كما أن ذلك يتطلب توفير البنية التحتية المناسبة، وبناء القدرات وإعداد خطط عملية وشاملة للاستفادة من التقنية في كافة قطاعات الحياة.

 

*متخصص بقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات و التحول الرقمي

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى