الرئيسيةمقالات

إدارة الموارد البشرية في زمن كورونا

شارك هذا الموضوع:
هاشتاق عربي
النهار – د. ربيع تركية – رئيس جمعية الموارد البشرية في لبنان

لا يختلف اثنان عن أن ما يشهده العالم من انتشار لوباء فيروس كورونا المستجد Covid-19 والتدابير المتخذه في إدارة ازمته من ادارات الموارد البشرية في العالم اجمع، يجعل منه التحدي الأصعب، الأخطر، الأكبر والأكثر شمولية منذ نشأة ادارة الموارد البشرية وتطورها خلال ما يقارب العقد من الزمن.

لقد عانى مفهوم إدارة الافراد أولى هزاته بعد الحرب العالمية الاولى خلال أزمة الكساد الكبير عام 1929 والذي استمر عشر سنوات تقريباً، وأسفر عن خسارة هائلة في الدخل ومعدلات بطالة قياسية بلغت نسبة 25% في الولايات المتحدة الأميركية ونقص حاد في الإنتاج، بخاصة في الدول الصناعية، أما المفهوم الحديث لادارة الموارد البشرية، فقد تعرض بدوره لأزمات كبيرة كأزمة أسعار النفط عام 1973 التي أدت إلى حدوث تضخم مرتفع نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، وركود اقتصادي عالمي، وصولاً إلى الأزمة الآسيوية عام 1997، والازمة الاقتصادية “العقارية” سنة 2007.

إن هذه الازمات جميعاً فرضت تدخلات كبيرة من إدارات الموارد البشرية وقتها في مختلف البلدان وان لم تكن متشابهة، ولكن ما يميز أزمة كورونا اليوم، انها تأتي لتوحّد ملايين الاختصاصيين حول العالم لحل ازمات متشابهة للعاملين لديها ولفرض أسس جديدة للعمل بعد أزمة كورونا.

لم تكن مقولة “ان العالم كله أصبح في زمن العولمة قرية واحدة” معبّرة مثل أيامنا هذه، فقد انتشر فيروس كورونا من حي واحد وشمل الارض كلها في وقت قياسي، كأنه قطع طريقًا في هذه القرية الصغيرة. ليس هذا فحسب، بل أصبح للارض كلها هدف واحد: القضاء على الفيروس، واصبحت الدول كلها تحت مجهر تقييم الكفاءة، فهذه دولة نجحت في احتواء المرض وتلك فشلت مسجلة ارتفاعاً حاداً في الوفيات. كما نرى السباق الى استقطاب الاطباء الأكفياء إضافة الى مختلف العاملين في الجسم الطبي. وكأنك تطبق درساً من دروس ادارة الموارد البشرية على الارض كلها.

ورغم اختلاف الثقافات والمفاهيم والسياسات والاجراءات، فإن ادارات الموارد البشرية اعتمدت أساليب متشابهة نوعاً ما لمواجهة الأزمة، مثل العمل من بُعد (من البيت)، تخفيض ساعات العمل، تغيير شروط العمل، الاجتماعات عبر تقنيات الويب… اعتماد اساليب مغايرة لادارة القوى العاملة مما يضمن شروطاً ناجحة في الحفاظ على اليد العاملة المنتجة في هذه الفترة العصيبة.

وهنا يبرز دور المديرين والمسؤولين في مختلف انواع ادارات الموارد البشرية في اتباع نهج جديد يتماشى مع متطلبات الأزمة الحالية وذلك من خلال خمسة محاور:

أولاً: على مدير الموارد البشرية، لكونه شريكاً استراتيجياً في العمل، أن ينكب على دراسة تحليلية عميقة للواقع الحالي وتقييم جدي لآثار الأزمة على الشركة أو المؤسسة، تقديم المشورة للادارة العامة، وعرض خطة عمل تكون واضحة ومتكاملة، كل هذا بالشركة مع جميع المديرين وأصحاب القرار ومن خلال تخطيط فاعل وتنفيذ مُحكم.

ثانياً: ان التواصل الدائم مع جميع العاملين هو أكثر من ضروري في هذه المرحلة الدقيقة، والتواصل يفرض الحضور والتكلم شخصياً مع الجميع، فعلى مدير الموارد البشرية ان يكون مستمعاً، متعاطفاً، صريحاً وشفافاً في العمل، وعليه أن يفسّر خطوات الادارة لجميع العاملين، عارضاً الصورة الصحيحة للوضع الراهن، مظهراً الحقائق ومطلِعاً على أي جديد، مقدماً الادلة العلمية والبراهين ومتسلحاً بالارقام والوقائع.

ثالثاً: السهر على اتباع اجراءات وقائية تعزز بيئة سليمة في العمل من جهة وصحة نفسية لجميع العاملين من جهة اخرى، فهذه الخطوات هي ضمانة استمرار الانتاجية عند العاملين والهاماً لأداءٍ مرتفع. حتى في وقت الأزمات، يجب أن تبقى سعادة العاملين ورفاهيتهم وتحفيزهم من اولويات الادارة وذلك من خلال العمل بطرق مختلفة على مسارهم المهني، تقدير عملهم، مكافأتهم، اشراكهم في العمل الاجتماعي، الاهتمام بأحوالهم المالية وصحتهم البدنية…

رابعاً: تدريب العاملين على ما فرضته الأزمة من تغييرات جذرية في أحوال العمل. فالتدريب يجعل العامل اكثر تحضيراً ويرفع مستوى المسؤولية لديه في مواجهة المخاطر. والتدريب المستمر على الحماية الشخصية (والاجتماعية) يدرأ عنه الاصابة بأي عدوى تجعله بعيداً من مكان عمله أو نقلها عبره لمكان سكنه وأفراد عائلته.

خامساً: رغم قساوة الأزمة وارتفاع نسبة الوفيات والخسائر التي تكبدتها سائر القطاعات الاقتصادية وبخاصة القطاعات الخدماتية، على مدير الموارد البشرية ان يكون ايجابياً. فكلما كانت أفكارنا ومشاعرنا ايجابية، كانت لدينا فرص لخلق تجارب أكثر ايجابية في حياتنا. والايجابية لدى مديري القوى العاملة تنعكس بشكل كبير عمودياً وافقياً على سائر المسؤولين والعاملين.

إن توفير جو إيجابي في مكان العمل يساهم في بناء علاقاتٍ أفضل، تشجيع الإبداع وتعزيز الإنتاجية. والايجابية تدعو الى تشجيع الآخرين، تقديرهم وطمأنته ، فالكلمات لها وقعٌ كبير بخاصة اذا كانت صادرة من قائد لفريقه في العمل. على المسؤولين تشجيع زملائهم بإخبارهم أنهم يؤمنون بهم وبقدراتهم حتى قبل أن تبدأ.

ثمّة مساران يستطيع أي انسان اتخاذ أحدهما في وقت الشدة: إما الخوف والخضوع، أو الصمود والمواجهة. ومن اختار المواجهة عليه الانخراط في العمل بمهنية عالية لأن المسؤولية كبيرة ضمن أزمة غير اعتيادية، وما هو غير اعتيادي يتطلب تعديلاً في طريقة العمل بما يتلاءم مع الواقع المفروض.

عاجلاً ام آجلاً سوف يتغلب الإنسان على هذا الوباء القاتل وتنتصر البشرية جمعاء، وتعود الحياة الى الأرض كلها كما كانت، وسوف تخرج شركات ومؤسسات من هذه الأزمة خاسرة وهناك من سيخرج منتصراً، محافظاً على القوى العاملة لديه، رافعاً فيها أداءها وكفايتها، معلماً اياها سُبلاً جديدة في مواجهة المخاطر، كاشفاً فيها قدرتها الابداعية للتغلب على ما هو غير مألوف، مُرسياً أساليب قيادية أكثر فاعلية ومساهماً معها في تحسين النظام الصحي، المحلي والعالمي، فالفردية لا تنتصر، انما العمل الجماعي يبقى السبيل الوحيد حيث تتضافر جميع الجهود لتخطي الأزمة… الوقت وقت العمل… والكلُ يهُم…

_

يمتلك مبيضين خبرة تقارب الـ 10 اعوام في مجال العمل الصحافي، ويعمل حاليا، سكرتير تحرير ميداني في صحيفة الغد اليومية، وصحافيا متخصصا في تغطية أخبار قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الملكية الفكرية، الريادة، والمسؤولية الإجتماعية. ويحمل مبيضين شهادة البكالوريوس من جامعة مؤتة – تخصّص ” إدارة الأعمال”، كما يعمل في تقديم إستشارات إعلامية حول أحداث وأخبار قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأردني. Tel: +962 79 6542307

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى