الرئيسيةمقالات

الإنترنت في زمن الكورونا.. ضرورة أم أسلوب حياة عصري

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي – وصفي الصفدي

لقد كان استخدام الإنترنت في الماضي مقصور على الشركات وبعض المقتدرين وضمن مناطق جغرافية محدودة نظرا لارتفاع كلف التوصيل وارتفاع اسعارها في تلك الفترات ويمكن ملاحظة التطورات التي شهدتها صناعة الاتصالات على مدى العقود الماضية والتي نشاهد الكثير من هذه المتغيرات في هيمنة الصناعة على حياتنا في هذا العصر. الرسم البياني التالي يوضح نسبة انتشار الخلوي والانترنت في الأردن حسب احصائيات هيئة تنظيم قطاع الاتصالات. ما بين عام 2011 و عام 2015 كنا نشهد نسبة انتشار عالية نتيجة لتعداد الخطوط للشخص الواحد وتركيز الهيئة بعدها لإجراءات رقابية أكبر على الأسواق وللحفاظ على المصادر الوطنية بخطة الترقيم الوطني وإعادة تدوير الأرقام غير المستخدمة على شبكات المشغلين خلال مدة زمنية محددة مما نظم السوق والحصص السوقية للمشغلين كما اسهم ارتفاع الضرائب بتقليل نسب الانتشار للهاتف المحمول والاكتفاء بخط واحد بدل من اثنين او ثلاثة خطوط.

لقد تطور القطاع على مدى العقود والسنوات السابقة وشهدنا مؤخرا انتشار شبكات الجيل الثالث والرابع في الاردن، والخامس في بعض دول الجوار والتي أسهمت بشكل كبير في انتشار الإنترنت بالإضافة ل خدمةADSL,  والفايبر الذي بدء بالانتشار حديثا في عدة مناطق جغرافية داخل الأردن. كما تبنت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات سابقا والتي أصبحت مؤخرا وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة وهذا التغيير في التسمية جاء ليواكب التطور العصري الذي نعيشه اليوم ويساهم في انجاح التحول الرقمي الذي بات هاجس معظم الحكومات والدول على مستوعى جميع القطاعات وفي جميع دوائر ومؤسسات الدولة حتى القطاع الخاص الذي بادر مبكرا لتبني التحول الرقمي في عملياتهم التشغيلية لتحسين خدمة العملاء، وأتمتت الانظمة واعادة الهيكلة وادارة التغيير ليتناسب مع متغيرات الساعة ولتحقيق استراتيجيات التنمية المستدامة وتقليل الكلف التشغيلية بخضم زيادة المنافسة على مستوى جودة الخدمات المقدمة والتطور التكنولوجي والأسعار وتقديم منتجات مبتكرة تساهم بالاحتفاظ في الزبائن وتزويدهم بما هو جديد يسهم في تغيير نمط حياتهم للأفضل.

كما يعلم الجميع ان انماط الحياة تختلف من جيل لآخر وكان لابد من مواكبة احتياجات العملاء وتطوير شبكات الاتصالات وزيادة سرعات وسعات الإنترنت ليساهم ويساعد في إنجاح عمليات التحول في سلوك المستخدمين ومن هنا قامت الشركات في الاستعانة بالذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لفهم سلوكيات العملاء بأسلوب مبتكر لتطوير وتحسين نوعية الخدمات وتنوع المنتجات وتقسيم المشتركين او العملاء على شرائح مختلفة خاصة بالأشخاص او المجموعات، المهن، الشركات الكبيرة والصغيرة والمتوسطة، وغيرها بعيدا عن النمط التقليدي الديموغرافي المتعارف عليه سابقا وذلك بتطبيق انظمة تساهم في أتمتت عمليات البيع والتسويق واستدراج الزبائن لتجربة منتجاتهم الجديدة عن طريق التخصيص لشريحة/شرائح محددة من مشتركيهم بدلا من التعميم لاختلاف الحاجات والاهتمام بين كل شريحة وأخرى.

هذا التقسيم الجديد اعطى مجال جديد للشركات للخروج من تقديم خدمات اتصالات حديثة غير الخدمات الصوتية والرسائل ليتعدى ذلك لتقديم محتوى نوعي جديد مثل خدمات الاتصالات المرئية التي كانت معتمدة على المشغل لتتطور مع انترنت الاشياء اليوم، اضافة الى المحتوى الرياضي، الديني، الأغاني، مشاركة الفيديوهات وخدمات التلفاز والفيديو على الطلب، ومراكز البيانات، التخزين السحابية، والبيوت والعدادات الذكية، والمدن والمباني والشوارع الذكية واصبحت تكنولوجيا انترنت الاشياء تدخل في كل نمط من حياتنا اليومية وتزايد تطويره مع الانتشار السريع للهواتف الذكية التي تشكل اليوم ما يقارب ٦٥% من مجموع المستخدمين للهواتف في العالم ليبلغ ٣.٥ مليار مستخدم فتسابقت شركات التطبيقات لتصبح جزء لا يتجزأ من المنظومة الشمولية للاتصالات وتدخل في مجال منافستها على تقديم خدمات نوعية مستغلة بذلك البنية التحتّية لها وتساهم بشكل اخر في تطوير وزيادة استخدام الأنترنت وتمكين المستخدمين من الوصول للشبكات العنكبوتية والمعلومات.

اعتذر عن المقدمة الطويلة التي حاولت أن أخلص بها بشكل مبسط عميلة التحول في صناعة الاتصالات لتصبح نمط الحياة الذي يلبي احتياجاتنا اليوم وخاصة مع جائحة كورونا التي اجبرتنا جميعا كبار وصغار على الاعتماد على التكنولوجيا لتغيير أنماط الحياة التي اعتدنا عليها إلى أنماط جديدة لم يعهدها كبارنا سابقا أو لم يقوموا باستخدامها أما لعدم حاجتها أو لعدم معرفتهم بكيفية استخدامها وهنا لجئت الشركات الخاصة والتي كانت سباقة لإطلاق تطبيقات ذكية للتواصل مع مشتركيها وتمكينهم من استخدام منتجاتهم، أو التواصل معهم عبر وسائط الاتصال الجديدة بعيدا عن مراكز الاتصالات التقليدية ومن ثم وخلال الجائحة قامت الدولة بإطلاق عدة مبادرات لتسهيل الإجراءات على المواطنين معتمدين على الانتشار الواسع للهواتف والتطبيقات الذكية وتطور شبكات الاتصالات وسعاتها وسرعاتها بتقديم الحلول للمواطنين فكان منها منصات التعلم عن بعد، الدفع الإلكتروني، التصاريح الإلكترونية، برامج الضمان الإجتماعي التكافلية والإلكترونية ، المعونات الوطنية والدعم المادي، الفيديوهات التثقيفية والتوعوية، المسابقات الثقافية، الطلبات التموينية، منصات عودة المغتربين والعمالة الوافدة والاقامات وخدمات الاحوال المدنية، والسياحة، والتواصل عبر قنوات التواصل الإجتماعي وغيرها الكثير من الخدمات الإلكترونية. كل هذا أدى إلى الى تغيير أنماط استخدام التكنولوجيا لدى العديد من الشرائح المجتمعية وخاصة ممن هم دون وجود معيل لهم من كبار السن أو من تقطعت بهم السبل للحصول على أساسيات الحياة من اكل وشرب، فلم يكن أمامهم إلا استخدام هذه التطبيقات والخدمات لتيسير حياتهم اليومية فاصبحوا معتمدين على خدمات الطلب من المواقع التجارية الإلكترونية، الدفع من خلال المحافظ و/أو الدفع الإلكتروني، الاعتماد على شركات التوصيل لعدم قدرتهم على الخروج لعدم توفر وسائل المواصلات خلال فترة الحجر. ثم انطلقت من رحم هذه الجائحة خدمات الدعم و المعونة لعمال المياومة والمعونة الوطنية لوزارة التنمية الاجتماعية وشجعت فئة كبيرة من عمال المياومة على فتح محافظ إلكترونية ليتسنى لهم استلام الدعم على حساب محافظهم من ضمن مبادرات الدولة للحد والتقليل من اثر الجائحة عليهم وعلى عائلاتهم.

ولضمان استمرارية التعليم وعدم حرمان الطلاب من متابعة تحصيلهم التعليمي، كان للتعليم عن بعد دور كبير لإعطاء الدروس من خلال برامج مثل مايكروسوفت تيم، زووم، اجتماعات جوجل، منصة درسك، وغيرها من وسائل التواصل المرئية الداعمة لديمومة التعليم وقامت شركات الاتصالات بتوفير الإنترنت المجاني لجميع منصات التعليم عن بعد.

خلال الأزمة، ظهرت الاجتماعات المرئية على صعيد كبير بحيث أصبحت معظم الاجتماعات تدار عن بعد للتقليل من التواصل المباشر بين الأشخاص وتحقيق مبدئ التباعد الإجتماعي لضمان عدم انتشار الفايروس.

كما ساهمت برامج التواصل المرئي بتقريب الأهل بعد انقطاع الزيارات فلم يبقى لديهم غير هذه الوسائل للاطمئنان على الأهل والأقارب والاصدقاء وخاصة الموجودون خارج نفس المحافظة نتيجة الحظر الشامل وبعدها الحظر الجزئي أو للتواصل مع أهلهم المغتربين في بلدان أخرى نتيجة للقلق الكبير والخوف على احبابهم ومتابعة أخبارهم والاطمئنان الدائم عليهم خاصة في الدول التي سجلت أعلى إصابات في العالم. 

طبعا لا ننسى أن هذه الجائحة أعطت أفكار لمطوري التطبيقات أما لتطوير برامج جديدة مثل أمان، وتحديثات واتساب وماسنجر للسماح لعقد مكالمات مرئية لأكثر من جهة لتسهيل عملية تواصل الأهل والأقارب والأصدقاء مع بعضهم أو لعقد اجتماعات العمل عن بعد. ولقد لعبت شركات تقنية المعلومات بدور كبير في طرح  وتطوير منتجات جديدة ساهمت للحد من تأثير الجائحة على المجتمعات ومن تخفيف الاعباء الحياتية على المستخدمين.

اسهمت هذا الجائحة ايضا في خلق مبدئ العمل عن بعد فقامت معظم الشركات الخاصة ومؤسسات الدولة من خلال تمكين موظفيهم من ضمان سير العمل من منازلهم والتي يشهد لها الجميع الآن أن إنتاجية الموظف قد زادت نتيجة قيامه بالتركيز على المهام المنوطة له خلال فترة العمل المنزلي، وذلك نتيجة لعدم وجود أي مقاطعة له أثناء قيامه بالعمل من قبل زملائه الموظفين و/أو المراجعين وقلة الاجتماعات أو كفاءتها من خلال الاجتماعات المرئية والتي بالعادة تكون لمتابعة سير المهام والالتزام بالبرنامج الزمني لها. 

طبعا بعد هذا الحديث لتداعي جائحة كورونا على وطننا وشعبنا الكريم والمعطاء، يظهر كيف ساعدت تقنية المعلومات والاتصالات وانتشار الإنترنت بتسهيل حياتنا رغم كره البعض لها لما سببته من تباعد اجتماعي قبل الجائحة والتي أصبحت الآن الملاذ الأمن للجميع للبقاء على تواصل دائم مع احبابهم ومتابعة آخر أخبارهم فالطما كان في كل مصيبة فرص للتعرف على إيجابيات التكنولوجيا وكيف يمكن لنا الاستفادة منها بشكل يسهم بتغيير إيجابي علينا أو على بيئتنا بحيث قللت نسب التلوث في العالم لننعم ببيئة صحية ونظيفة كما أنها اسهمت في انتشار الوعي الثقافي للوقاية الوبائية التي عشناه جميعا لأول مرة في تاريخنا هذا.

هل لنا أن نتخيل كيف ستكون حالنا لولا وجود التكنولوجيا بحياتنا؟. 

وصفي الصفدي

خبير في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا، بخبرة تزيد عن عشرين عاما، وكان قد عمل في العديد من كبريات الشركات في الأردن والمنطقة العربية التي تعمل في هذا القطاع، في مناصب قيادية، مثل رئيس تنفيذي ومدير عام ونائب رئيس تنفيذي ونائب مسؤول التسويق. والصفدي له خبر واسعة في مجال تسويق العلامة التجارية، وإدارة الربح والخسارة، الإدارة العامة والتحفيز، التخطيط الاستراتيجي، الحملات التسويقية والترويجية، تصنيف الأسواق، العملاء، تطوير المنتجات، الموارد البشرية وتكنولوجيا المعلومات، إدارة الموردين، الخدمات اللوجستية، المبيعات وتطوير الأعمال، خدمة العملاء، تطوير ومراقبة مؤشرات الأداء الرئيسية، التحول الرقمي، والتجارة الإلكترونية، والدفع عبر الهاتف الخلوي، والمحافظ المالية، والهوية الرقمية.

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى