الرئيسيةمقالات

كورونا وتغيير السلوك

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي

الغد – سائد كراجة

الفرقُ بينَ التعلمِ والعلمِ هو في تغييرِ السلوكِ، فحيثُ تحصلُ على معرفةٍ جديدةٍ لا تغيرُ سلوككَ الشخصيَ فأنت علمتَ، ولكنكَ لم تتعلم، نصفُ سلوكنا اليوميِ تقريباً هو عاداتٌ درجنا عليها، ويقالُ أنَ الإنسانَ يخطرُ في بالهِ من خمسينَ إلى ستينَ ألفَ فكرةٍ يومياً أغلبها أفكارٌ قديمةٌ متكررةٌ، أستحضرُ هذا، وأنا ألحظُ بمرارةٍ أن عودتنا للعملِ تؤشرُ على استمرارِ معظمنا بممارسةِ عادتهِ اليوميةِ في التواصلِ معَ الناسِ كالمعتادِ، وكأنّ كورونا لم تكن، وهنا يقومُ التحدي: ماذا نحتاجُ لكي يتجاوبَ الناسُ مع متطلباتِ المرحلةِ القادمةِ؟ وكيفَ نساعدُهم على تغييرِ سلوكهم اليوميِ؟ خاصةً وأن الفيروس سيبقى بيننا لفترةٍ ليست بقصيرةٍ.

نحتاجُ إلى استمرارِ عملياتِ التوعيةِ والوعيِ بضرورةِ التباعدِ الاجتماعيِ، وإجراءاتِ السلامةِ، فالمتابعُ لجميعِ وسائلِ الإعلامِ والإعلانِ، يشهدُ أنها تعطي حيزاً قليلاً وقليلاً جداً، للتوعيةِ بالفيروسِ وخطورة انتشارهِ، إن الكلامَ العاطفيَ مهمٌ، ومطلوبٌ في موجزِ الحكومةِ اليوميِ، ولكن هذا لا يغني عن أن يتخللَ الرسائلَ اليوميةَ بعدٌ علميٌ طبي، يذكرنا بالحقائقِ العلميةِ العمليةِ على الأرضِ، ويقدمُ قراءاتٍ استقرائية للواقعِ الوبائيِ، فالثمنُ الذي دفعناهُ وندفعهُ في مكافحةِ انتشارِ الفيروسِ باهظٌ جداً، ولا يجوزُ أن نسمحَ بأن يذهبَ هدراً، لجهلٍ أو تهاونٍ من البعضِ أو عدمِ حذرٍ أو تحوطٍ من الحكومةِ.

كما يجبُ الابتعادُ عن تنميطِ المجتمعاتِ، كالقولِ بأنَ جزءاً من عمان ملتزم وآخر غيرَ ملتزم، فالتعميمُ خطأٌ منطقي، كما أنهُ يخلقُ حالةَ انقسامٍ بينَ فريقٍ يتبنى إجراءاتِ التباعدِ والسلامة، وآخر لا تمثلهُ هذهِ الإجراءاتُ ويعتبرها غريبةً عليهِ، فيعمدُ إلى التقليلِ من شأنها والاستهزاءِ بها، كما أن علينا أن نراعي في الرسائل الإعلامية والإعلانية بيئةَ المواطنينَ المختلفةَ، ولنتذكر مثلاً أن بيوتَ أغلبنا ليست غرفاً متباعدةً، وليسَ لها حدائقَ وشرفات.

علينا أن نحاسبَ بالقانونِ المؤسساتِ والأفرادِ المخالفين حساباً صارماً دون تمييزٍ أو تساهلٍ؛ فإن سيادةَ القانونِ أكثرُ عناصرِ تغيرِ السلوكِ فعاليةً، وهي رسالةٌ مهمةٌ لالتفافِ أكثرِ الناسِ حولَ إجراءاتِ الدولةِ، فهي تعطي المواطنَ الملتزمَ شعوراً بالرضى، وتحمسهُ على استمرارِ الالتزامِ، وتردعُ المخالفَ وتعزلهُ عن الجماعةِ.

كما ويجبُ أن نحولَ الإجراءاتِ المطلوبةِ إلى خطواتٍ صغيرةٍ واضحةٍ، فلا يكفي في الإعلامِ أن تقولَ تباعدوا؛ بل يجب شرحُ كيفيةِ تطبيقِ التباعدِ عملياً في مواقفِ الحياةِ اليوميةِ، في الشارعِ، ومكانِ التسوقِ، وفي المكتبِ، ولقد أصدرت الجهاتُ الرسميةُ أدلةً تفصيليةً بهذا الصددِ، إلا أنها لم تسلط عليها الضوءَ بالشكلِ الكافي، التلفزيونُ الأردنيُ، وأيضاً بقيةُ المحطاتِ مطالبةٌ باستمرارِ التذكيرِ وشرحِ هذه الأدلةِ.

نعلمُ أن الظرفَ صعبٌ والحكومةَ والدولةَ تحت ضغطٍ مهولٍ، لكن الانضباطَ والتفكيرَ الهادي ضرورةٌ في هذه المرحلةِ، المراقبُ لأداءِ الأجهزةِ وخاصةً الجيش، يلمسُ الحرفيةَ التي تأتي من التركيزِ والانضباطِ العالي في التنفيذِ، وهذا سلوكٌ يجب أن نتعلمهُ، ونعلِمَهُ، وهو ضرورةٌ في مرحلةٍ لا يُحتملُ فيها الخطأ.

إنَ الاستعانة بالخبراءِ من خارجِ الحكومةِ إجراءٌ مهمٌ، ولكنَ الأهمَ تحويلُ تلكَ الاستشاراتِ إلى قناةٍ يمكنُ فيها تسريعُ الاستفادةِ من استشاراتهم، وليسَ تحويلها إلى لجانٍ تعيقُ العملَ.

يجب أن لا ننسى إدماجَ إجراءاتِ التباعدِ والسلامةِ العامةِ في حصصِ المدارسِ والجامعاتِ، وأدعو إلى حصةٍ أسبوعياً للحديثِ للطلبةِ عن الفيروسِ وخطورتهِ، وكيفيةِ التعاملِ معهُ بشكلٍ عمليٍ في واقعِ الحياةِ، وإن تدريبهم على مهاراتِ التعاملِ مع الفيروس، ستمكنُ الحكومةَ منَ الوصولِ لأهدافها بهذا الخصوصِ.

يقولُ علماءُ النفسِ إن تغييرَ السلوكِ واستحداث سلوكٍ جديدٍ عملٌ صعبٌ ومعقدٌ، ولكن أقربَ الطرقِ لتغيير السلوكِ هي تقسيمه إلى خطواتٍ صغيرةٍ، يلتزمُ بها الشخصُ تدريجياً، ويدعمُ عمليةَ التغييرِ ترويجُ الرضى والإشادةُ بمن يلتزمُ، فكلنا يعرفُ الآن من خالفَ التعليماتِ، ولكن لا نعرفُ عن قصصِ من التزمَ وراعى إجراءاتِ التباعدِ، علينا أن نشيدَ ونظهرَ ونعلنَ عن الملتزمين، ليسَ فقط بعباراتِ الشكرِ العامةِ التي تأتي على لسانِ وزيرِ الإعلامِ ــ الذي يقومُ بدورهِ بحرفيةِ وتواضعٍ مشهودٍ ــ ولكن في جميع وسائلِ الإعلامِ ووسائلِ التواصلِ الاجتماعيِ عموماً.

الحوادثُ والمصائبُ التي تحيقُ بالشعوبِ، كانت دوماً مصادرَ لتغيير السلوكِ، وتحقيقِ قيمٍ جديدةٍ للحياةِ والانطلاقِ من جديدٍ، ونحنُ في الأردنِ أمامَ فرصةٍ تاريخيةٍ لتحقيقِ ذلكَ، وتحويلِ تحدي كورونا لفرصٍ للنهوضِ الاقتصادي والاجتماعي، فهل نغتنمُ هذه الفرص جنابك؟!!.

_

يمتلك مبيضين خبرة تقارب الـ 10 اعوام في مجال العمل الصحافي، ويعمل حاليا، سكرتير تحرير ميداني في صحيفة الغد اليومية، وصحافيا متخصصا في تغطية أخبار قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الملكية الفكرية، الريادة، والمسؤولية الإجتماعية. ويحمل مبيضين شهادة البكالوريوس من جامعة مؤتة – تخصّص ” إدارة الأعمال”، كما يعمل في تقديم إستشارات إعلامية حول أحداث وأخبار قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأردني. Tel: +962 79 6542307

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى