الرئيسيةمقالات

الملكية الفكرية والتجارة الذكية في القرن الـ21

شارك هذا الموضوع:

كذلك على ساحة الملكية الفكرية، وسعت خدمات الموسيقى الرقمية الدولية الكبيرة، آي تيونز وسبوتيفاي وديزر، وجودها العالمي خلال العامين الماضيين من نحو 20 بلدا إلى أكثر من 100 بلد. وفي عام 2012، ارتفعت إيرادات الأقسام الرقمية لشركات التسجيلات إلى أكثر من ثلث مجموع إيرادات صناعة الموسيقى، أي بزيادة مقدارها 9 في المائة مقارنة بالعام السابق. وفي ذلك العام، احتشد آلاف المتظاهرين في دول أوروبا للاحتجاج على اتفاق دولي لمكافحة القرصنة “اتفاق مكافحة التزييف التجاري”، خشية أن تشجع مراقبة الإنترنت على تقييد حريتهم في تنزيل الأفلام والموسيقى مجانا.

وتصور هذه الأمثلة وجهين لظاهرة واحدة، وهي أن الأفكار والمعلومات والمعارف أصول قابلة للتداول بصورة متزايدة، تتخذ أشكالا كثيرة في إنشائها ونشرها وحركتها عبر الحدود. وهي الآن في قلب الاقتصاد العالمي للقرن الـ21. وبالفعل، تكمن معظم القيمة المنشأة في الأدوية الجديدة والمنتجات ذات التكنولوجيا المتقدمة في مقدار الابتكار والبحث والاختبار الذي يسبق طرح هذه المنتجات في الأسواق لتؤتي ثمارها. وعلى المنوال نفسه تمثل الأفلام والتسجيلات الموسيقية والكتب وبرمجيات الكمبيوتر أصولا متداولة بالأساس ومستهلكة بسبب ما تحتويه من معلومات وإبداع. حتى المنتجات المعيارية، من سلع مصنعة وأولية، مثل الملابس والنباتات، يمكن أن تدخل في قيمتها الآن نسبة مرتفعة من الابتكار والتصميم. ونمت التدفقات التجارية الدولية للمنتجات كثيفة الاستخدام للمعرفة بصورة مطردة منذ عام 1997، إلا أن تجارة هذه السلع غير موزعة بالتساوي بين دول العالم، ومن الواضح أن بعض الدول يقوم في الأغلب بتصدير منتجات مصنعة بمكون تكنولوجي متقدم ومتوسط إلى متقدم بكميات أكبر من غيرها.

وتسلط الأمثلة السابقة الضوء أيضا على الطريقة التي يؤدي بها نشر المعرفة من خلال المعاملات الدولية، سواء كانت شحنات سلع تقليدية أو مواد رقمية يتم تنزيلها من الإنترنت، إلى توليد توترات خطيرة بين الدول والأشخاص. فمسألة أن منتجي المعرفة لديهم الحق في منع الآخرين من استخدام اختراعاتهم وتصاميمهم وإبداعاتهم وبإمكانهم التفاوض بشأن المدفوعات التي يحصلون عليها من الآخرين مقابل استخدام إنتاجهم موضوعا للجدل المحتدم والتوتر بين الحكومات والشركات ومنظمات المجتمع المدني. وما يسمى حقوق الملكية الفكرية يتخذ أشكالا عديدة: حقوق التأليف والنشر بالنسبة للأعمال الإبداعية والثقافية، وبراءات الاختراع بالنسبة للمنتجات المصنعة المبتكرة، والعلامات التجارية للبنود المصممة والأزياء. وتتفاوت شرعية ومدى حماية تلك الحقوق بصورة كبيرة من بلد إلى آخر وتدخل فيها اعتبارات اجتماعية وثقافية وإنسانية وسياسية. وسنركز في هذا المقال على البعد الاقتصادي للمشكلة، وهو الدور الذي تضطلع به حقوق الملكية الفكرية في التجارة الدولية والاقتصاد العالمي، وتأثيرها في التنمية والرفاهية العالمية، وسبل الحد من التوترات التي تولدها بين دول العالم.

تستند الملكية الفكرية إلى المعلومات والمعرفة اللتين تتسمان بخاصتين اقتصاديتين محددتين. فأولا، لا يؤدي استخدام شخص ما للمعلومات أو المعرفة إلى إنقاص استخدام شخص آخر لها. ولنأخذ على سبيل المثال أي أغنية أو برنامج كمبيوتر أو تصميم أزياء: كل منها يمكن أن يستخدمه أو يتمتع به عدة أشخاص في الوقت نفسه أو في أوقات متتابعة. فعلى عكس سلع أخرى مثل التفاح أو السيارات، تمثل المعلومات سلعة غير تنافسية؛ أي يمكن لأكثر من شخص أن يستهلك المنتج في الوقت نفسه. ولذلك، فبمجرد خروج هذه الأعمال إلى الوجود، يمكن نشرها بصورة كبيرة من خلال إتاحتها لقطاعات واسعة من الناس.

ثانيا، من الصعب عموما منع الآخرين من استخدام المعلومات أو تقليدها أو استهلاكها دون إذن. وبالتالي يتعذر منع استخدام الملكية الفكرية بإجراءات خاصة فردية. فعندما يكون إنتاج المعلومات مكلفا، يفضل الأشخاص انتظار أن يقوم آخرون بإنتاجها ثم التمتع بمنافعها مجانا. وتؤدي مشكلة “السلوك الطفيلي” هذا بدورها إلى قتل الحافز على استثمار الموارد والجهد المبذول في الإبداع والابتكار، وهو ما يردع النمو والتنمية. ويمكن علاج هذه المشكلة بتعريف وتنفيذ هياكل ملكية بشأن حق استخدام المعلومات واستهلاكها.

وغالبا ما يحدث هذا العلاج من خلال التدخل العام الذي يعكس مفاضلات جوهرية. فمن ناحية تتطلب الكفاءة الاقتصادية نشر المعلومات على نطاق كبير من خلال إتاحة الملكية الفكرية على نطاق واسع. ومن ناحية أخرى تتطلب الكفاءة وجود حوافز -بتوفير حماية قوية لحقوق الملكية الفكرية- على إنشاء معلومات جديدة تتجاوز قيمتها تكلفتها بالنسبة للمجتمع… يتبع.

زداد تعقيد المشكلة بالنظر إلى أن إيجاد المعرفة عملية تتابعية تبني على نفسها؛ ذلك أن المعلومات تشكل مدخلا أساسيا لإنتاج مزيد من المعلومات. وتحل هذه المفاضلات من خلال نظام براءات الاختراع وحقوق التأليف والنشر: فمقابل الإفصاح عن جميع معلومات الاختراع، تعطي الحكومة للمخترعين حقوقا حصرية واحتكارا قانونيا لفترة زمنية محدودة.

وفي سياق دولي، تنشأ مفاضلات إضافية من عدم المساواة في التوزيع الجغرافي لإيجاد المعرفة ونشرها. فمعظم الاختراعات التي تتضمن إمكانات تجارية تأتي من شركات كائنة في اقتصادات متقدمة وعدد قليل من اقتصادات الأسواق الصاعدة. إلا أن منطق التجارة الدولية والاستثمار الأجنبي المباشر يعني ضمنا أن المعرفة غالبا ما تنتشر وتستخدم حيثما تكون تكاليف الإنتاج منخفضة أي في الدول منخفضة الدخل. وتقدم النظرية الاقتصادية رؤية متبصرة عن هذه المفاضلات والدور الذي تقوم به حقوق الملكية الفكرية في الاقتصاد العالمي.

بالنسبة للاقتصادات المتقدمة المبتكرة، يؤدي توفير حماية قوية لحقوق الملكية الفكرية إلى الحد من التقليد ويتيح للمبتكرين الحصول على حصة أكبر من المنافع التي تثمرها أنشطتهم الإبداعية. ويؤدي ذلك إلى تشجيع الابتكار وزيادة نمو الإنتاجية. لكن مع التجارة الدولية، تؤثر حقوق الملكية الفكرية في نشر المعرفة ومن ثم في موقع الإنتاج بين المبتكرين في الدول التي ترتفع فيها التكلفة ومستخدمي المعرفة في المناطق التي تنخفض فيها التكلفة. ويشير المنطق الاقتصادي إذن إلى أن وجود آثار غير مباشرة أخرى يمكن أن يوازن الآثار الإيجابية التي تقدم ذكرها: فتوفير حماية أفضل لحقوق الملكية الفكرية يتيح إنتاج سلع أطول عمرا في الاقتصادات المتقدمة المبتكرة. وعلى المدى البعيد، يعني ذلك ضمنا ضرورة نقل موارد مثل العمالة الماهرة والمهندسين والموارد المالية إلى الإنتاج المادي وبعيدا عن أنشطة البحث والتطوير في المنطقة المتقدمة المبتكرة. ويمكن أن يسفر ذلك عن إبطاء كل من الابتكار والنمو في الاقتصاد العالمي.

وبالنسبة لمعظم الدول منخفضة الدخل، ترتبط حقوق الملكية الفكرية بصورة وثيقة بمسألة نقل التكنولوجيا ونشرها، وهي عملية تحدث من خلال عدد من القنوات في الاقتصاد العالمي. وتمثل التجارة الدولية في السلع والخدمات -وعلى وجه التحديد واردات السلع الرأسمالية والوسيطة- قناة مهمة لنقل التكنولوجيا. ويحدث ذلك من خلال الهندسة المعكوسة -أي اكتشاف التكنولوجيا وراء جسم ما بتفكيكه- وإن كان يحدث أيضا من خلال تعلم طرق الإنتاج عبر الحدود، وكذلك تصميم المنتجات والتصميم التنظيمي. وثمة قناة ذات صلة هي الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث تقوم الشركات متعددة الجنسيات بإتاحة التكنولوجيا الخاصة بها للشركات التابعة لها، التي تقوم بعد ذلك بنشرها في الاقتصاد المحلي. وأخيرا، يمكن أيضا أن تنتشر التكنولوجيا من خلال التراخيص الدولية، وهو ما يقتضي شراء حقوق الإنتاج والتوزيع فضلا عن المعرفة اللازمة للاستفادة من هذه الحقوق بفعالية.

وفيما يتعلق بالابتكار، تشير النظرية الاقتصادية إلى أن تأثير توفير حماية أكبر لحقوق الملكية الفكرية في انتشار التكنولوجيا ليس محسوما وغالبا ما يعتمد على خصائص البلد المعني. فتوفير حماية أكبر لحقوق الملكية الفكرية يقيد انتشار التكنولوجيا نظرا لأن براءات الاختراع تمنع الآخرين من استخدام المعرفة المملوكة للغير. ويؤدي تزايد قوى السوق لأصحاب حقوق الملكية الفكرية الأجانب إلى تحويل الأرباح إلى الشركات الاحتكارية الأجنبية وبعيدا عن الشركات المحلية والمستهلكين المحليين، ما يتسبب في رفع الأسعار وزيادة تكاليف الواردات وخفض الناتج المحلي، وهو ما يمكن أن يعوق نشر المعرفة. إلا أن من الممكن أيضا أن تسهم حقوق الملكية الفكرية بدور إيجابي في نشر المعرفة، نظرا لأن المعلومات المتاحة في مطالبات براءات الاختراع تتاح بالضرورة للمخترعين المحتملين الآخرين في الدولة ولا يتم إبقاؤها في الخفاء بصورة استراتيجية من جانب المبتكر. وعلاوة على ذلك، يمكن أن يؤدي توفير حماية قوية لحقوق الملكية إلى حفز نقل التكنولوجيا إلى الدول منخفضة الدخل من خلال التجارة في السلع والخدمات والاستثمار الأجنبي المباشر وتراخيص التكنولوجيا. وبالفعل، عندما تحظى الابتكارات بحماية أفضل من التقليد والتزوير، يمكن أن يرجح بدرجة أكبر أن يقوم المبتكرون بتصدير إنتاجهم من التكنولوجيا والتصميمات واستثماره وترخيصه عبر الحدود. ويمكن في نهاية المطاف أن تسفر تلك الزيادة في تدفقات المعاملات في البنود كثيفة الاستخدام للمعرفة عن آثار انتشارية مفيدة مع انتشار المعلومات في الاقتصادات المستخدمة للمعرفة.

وفي حين توجد افتراضات نظرية جيدة مؤداها أن توفير حماية أكبر لحقوق الملكية الفكرية يفيد الدول المبتكرة، فإن النتيجة أقل وضوحا بكثير بالنسبة للدول النامية، التي يكون فيها الابتكار محدودا أو منعدما. وبتحديد أكبر يتوقع أن تؤدي حماية حقوق الملكية الفكرية إلى زيادة النمو في الدول التي تتجه نحو التجارة الحرة وتمتلك ميزة تنافسية في الأنشطة المبتكرة كثيفة الاستخدام للتكنولوجيا. وبالنسبة للدول التي لا تملك تلك المزايا، تعني تلك الحماية ببساطة إحكام القبضة الاحتكارية للشركات الأجنبية وتراجع الرفاهية المحلية تحديدا في الدول التي تكون فيها القدرات الابتكارية محدودة أو منعدمة التي يمكن لو كانت الظروف مختلفة أن تستمتع بالاستفادة المجانية من الابتكارات الأجنبية.

وبالنظر إلى أوجه الغموض النظرية المتصلة بحقوق الملكية الفكرية في الاقتصاد العالمي يتعين اللجوء إلى أدلة تجريبية… 

تناول دراسة أعدتها منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية “اليونيدو” دور حقوق الملكية الفكرية في الابتكار والنمو ونقل التكنولوجيا. وتنتهي الدراسة إلى أن آثار حقوق الملكية الفكرية تختلف باختلاف الدول. وتبين الدراسة أن زيادة الحماية تؤدي إلى تشجيع الابتكار المحلي والنمو في الدول التي تتوافر لها قدرات محلية كبيرة على الابتكار “مقيسة بنصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي أو مخزون رأس المال البشري” وزيادة الانفتاح على التدفقات التجارية الدولية. وفي المقابل، يكون أثرها محدودا في الابتكار في الدول منخفضة الدخل التي تكون قدراتها الابتكارية أقل.

وبالمثل، يتوقف أثر حقوق الملكية الفكرية على انتشار التكنولوجيا من خلال التجارة الدولية والاستثمار الأجنبي المباشر ومنح التراخيص على خصائص البلد المعني. وتشير الأدلة إلى أن هذه القنوات مصادر مهمة لنشر التكنولوجيا لكن فقط في الدول التي بلغت مستوى معينا من القدرة على تطويع المعرفة التي نشأت في الخارج أو استخدامها أو البناء عليها.

وفي تلك الحالات، يسهم توفير حماية أكبر لحقوق الملكية الفكرية في انتشار التكنولوجيا عن طريق حفز التدفقات التجارية، وإن لم يكن بالضرورة في السلع والقطاعات التي تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة أو تستخدم فيها المعرفة بدرجة كثيفة. ويدل ذلك ببساطة على أنه بالنسبة لعدد كبير من الصناعات ذات التكنولوجيا المتقدمة، مثل الإلكترونيات والاتصالات السلكية وغير السلكية، والفضاء الجوي، والطاقة النووية، لا تمثل حماية حقوق الملكية الفكرية أهمية للقدرة التنافسية. فالمنتجات في تلك الصناعات غالبا ما تكون أعقد من أن تقلد في الدول منخفضة الدخل. ويمكن أن يطبق بعض الشركات استراتيجيات مثل سرية الصناعة لاستغلال ابتكارها. وتوجد أيضا أهمية لزيادة الحماية بالنسبة لنقل التكنولوجيا من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر، لكن أيضا في صناعات محددة فحسب، غالبا الكيماويات والمستحضرات الصيدلانية. وتكون لهذه الحماية أهمية أكبر لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في بعض مراحل الإنتاج -تصنيع العناصر، والإنتاج النهائي، والبحث والتطوير- التي تكون أكثر حساسية لحماية المعرفة من نقاط أخرى على خط الإنتاج العالمي.

والاستنتاج العام الذي يخلص إليه البحث هو أن دور حقوق الملكية الفكرية في النمو والرفاهية في الاقتصاد العالمي المتكامل يختلف بشدة باختلاف الدول والقطاعات. فالحماية تشجع الابتكار المحلي والنمو في الدول التي تملك قدرات محلية كبيرة على الابتكار، وتشجع نشر التكنولوجيا لكن فقط في الدول التي يتمتع سكانها بقدر كاف من التعليم ولديها بنية تحتية فكرية يمكن أن تستخدم التكنولوجيات الجديدة وتطوعها بصورة إنتاجية. وعلاوة على ذلك، يرجح بدرجة أكبر أن تؤول منافع تلك الحماية إلى الاقتصادات الأكثر انفتاحا على التجارة الدولية والأكثر تقدما التي تولي أسواقها الأكبر قوة أقل للشركات الأجنبية.

بالنظر إلى الفروق القوية بين الدول والقطاعات لا يستغرب أن تكون حقوق الملكية الفكرية مصدرا للمناقشات الساخنة والجدل المحتدم والتوترات بين الشركات والحكومات والجماعات المؤيدة. فعلى المستوى متعدد الأطراف، يمثل الاتفاق المتعلق بحقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة “اتفاق تريبس” أهم محاولة لتضييق الفجوات في طريقة حماية حقوق الملكية الفكرية بين الدول.

_

يمتلك مبيضين خبرة تقارب الـ 10 اعوام في مجال العمل الصحافي، ويعمل حاليا، سكرتير تحرير ميداني في صحيفة الغد اليومية، وصحافيا متخصصا في تغطية أخبار قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الملكية الفكرية، الريادة، والمسؤولية الإجتماعية. ويحمل مبيضين شهادة البكالوريوس من جامعة مؤتة – تخصّص ” إدارة الأعمال”، كما يعمل في تقديم إستشارات إعلامية حول أحداث وأخبار قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأردني. Tel: +962 79 6542307

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى