الرئيسيةمقالات

التقنية المالية والسلوكيات الجديدة .. مكاسب أم خسائر؟

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي

هناك من يعتقد أن التقنية المالية ستحسن حياتنا بشكل خرافي، وهناك من يراها فقاعة سرعان ما تتحول إلى أمور روتينية تكسب بها الشركات مزيدا من الربحية. يقصد بالتقنية المالية، أو الـFinTech كما يحلو لمتابعيها تسميتها، التقنيات الجديدة التي تسخر لتحسين وأتمتة تقديم الخدمات المالية، وهذه التقنيات تتطور منذ عقود بتطور التقنية نفسها، خصوصا التقنية الرقمية، إلا أنها تعيش موجة استثنائية في الأعوام الفائتة، ما جعلها مسارًا مستقلا يمكن تحديد ملامحه ومساراته الفرعية بدرجة مقبولة من الوضوح.
من أقرب الأمثلة التي نسمع عنها اليوم في التقنية المالية: تطبيقات بلوكتشين وأنظمة المدفوعات المبتكرة والمصرفية الجديدة وإدارة القرار الاستثماري وغير ذلك من الممارسات، والسؤال الذي يمكن طرحه هنا، هل ممارساتنا المالية ستستفيد أم ستتضرر من هذه التقنيات؟ والجواب بطبيعة الحال يحتاج إلى بعض التفصيل لأن هناك من سيستفيد ومن سيتضرر.

في البداية يمكننا تقسيم تطبيقات التقنية المالية الحديثة إلى مجموعتين. الأولى تشمل التحسينات التقنية التي تختص بإعداد وتشغيل ما تتطلبه الخدمات المالية، أي جوانب مرتبطة بمحرك العمل الـbackend أو غرفة العمليات. وتشمل هذه قائمة طويلة من أساليب الأتمتة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي ورفع الكفاءة التواصلية بالاعتماد على أحدث ما توصلت إليه العلوم التطبيقية. ولا خاسر هنا إلا مقدمو الخدمات المالية النائمون الذين يقبعون آخر الصف ولا يملكون من استراتيجيات البقاء ما يكفي للمحافظة على قيمة ما يقدمونه من خدمات.

أما المجموعة الثانية فهي ما يلامس الجانب الاستهلاكي الفردي بشكل مباشر، وهذه تختص بتطبيقات التواصل المالي والـfrontend وخدمات التجزئة التي تستفيد من التقنية المالية؛ المستهلك هنا هو المسؤول الأول عن تحديده مصيره بافتراض قدرته على امتلاك الوعي ومعرفته ما يجري وما يقدم له. يمكن للمستهلك ببعض المجهود أن يستفيد من هذه التطبيقات الجديدة، ويمكن ببعض التجاهل أن يصبح ضحية لها.

ولفهم التأثير في المستهلك والسلوك المالي الفردي لا بد من بعض التفصيل في تطبيقات التقنية المالية المرتبطة بذلك. هناك ثلاثة أشكال من هذه التطبيقات يمكن تقييمها بشكل مستقل، الأولى تطبيقات الدفع والخدمات المصرفية التي يسهل الوصول إليها بعد تحسين التقنيات المصاحبة لها، وتصبح تبعا لذلك تكلفة الوصول إليها أقل، وهذه إجمالا تساعد المستهلك على تنظيم سداده المستحقات وتقليل الرسوم وتفادي الغرامات والوصول إلى بعض الخدمات بشكل سهل. لكنها سيف ذو حدين، إذ تجعل عملية الشراء أسهل كذلك وتؤثر سلبا في عادات المستهلك الاستهلاكية، مثل أسلوب استخدامه للبطاقات الائتمانية. في دراسة حديثة، تم التوصل إلى أن الأجيال الجديدة تحسن استخدام البطاقات الائتمانية وتوفر المصروفات باستخدامها، بينما لا تستفيد الأجيال الأكبر عمرا بالشكل نفسه.

الشكل الثاني لتطبيقات التقنية المالية المؤثرة في السلوك يحتوي على ذلك التطور المالي الذي يستفيد من الابتكار التسويقي وتحسين تجربة العميل بطريقة تجعله يغير من سلوكياته بشكل لا يخدمه ماليا على المدى الطويل. وهنا نحن لا نتحدث عن نصب أو اختلاس لكن عن تغير مفهوم القيمة وفق طرق العرض والتقديم الجديدة ما يجعل المستهلك يعيد تعريفه للقيمة، ويستفيد من المنتج أو الخدمة الجديدة، ويغير سلوكه المالي. لكن عند تقييم هذا الواقع على المدى الطويل نجد أنه مجرد ضحية استهلاكية لموجة جديدة من المؤثرات المبتكرة القوية، يربح بعدها التاجر ويخسر المستهلك.

الشكل الثالث يرتبط بالوصول المالي إلى المنتجات الاستثمارية، كانت في السابق مشكلة الوصول المالي financial inclusion إلى الخدمات التمويلية أهم التحديات التي ينظر لها كمحفز للفقر، وكانت تقتصر على وجود الخدمات في مكان ما لكن يصعب الوصول إليها والاستفادة منها. اليوم يتم حل هذه المشكلة بشكل سريع جدا. من أمثلة ذلك، قدرتك على الاستثمار في السابق محدودة جدا إذا لم تجد رأس المال الكافي للدخول في الشبكات الاستثمارية المناسبة.

اليوم بإمكان أي شخص الدخول في عالم الاستثمار المنظم في قنوات متنوعة المخاطر (انظر إلى حلول التمويل الجماعي والمستشار الآلي) وبسبب الدخول السهل والمباشر قل عدد الوسطاء وقلت تكاليفهم، فأصبحت تكلفة الاستثمار أقل وزادت جدواه. إلا أن هذا الشكل من أشكال تطور التقنية المالية لا يزال خطيرا، إذ إن الوقوع في مشكلة التمركز العالي أو القيام بعمليات غير مناسبة لمستوى المخاطر الفردي المقبول أصبح واردا جدا خصوصا في غياب المستشار المالي الشخصي.

كانت التقنيات المالية في السابق مجرد وجه جانبي لمقدمي الخدمات المالية، بينما اليوم غيرت موجة الـFinTech العاتية من شكل صناعة الخدمات المالية، وهددت وجود المخضرمين منهم، وحركت المنظمين والمشرفين لتطوير أنفسهم وأسواقهم مواكبة لهذه الموجة.

لكن هذا لا يعني أن يركن الفرد إلى ما يحدث ويتجاوب معه بعفوية، فسلوكه سيتغير وسيحرص مقدمو الخدمات على استغلال هذا التغير لمصلحتهم وربحيتهم، ولا سلاح لتفادي ذلك إلا الوعي المالي الجيد الذي يشمل التقنيات الجديدة والسلوكيات الجديدة.

*الاقتصادية 

_

يمتلك مبيضين خبرة تقارب الـ 10 اعوام في مجال العمل الصحافي، ويعمل حاليا، سكرتير تحرير ميداني في صحيفة الغد اليومية، وصحافيا متخصصا في تغطية أخبار قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الملكية الفكرية، الريادة، والمسؤولية الإجتماعية. ويحمل مبيضين شهادة البكالوريوس من جامعة مؤتة – تخصّص ” إدارة الأعمال”، كما يعمل في تقديم إستشارات إعلامية حول أحداث وأخبار قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأردني. Tel: +962 79 6542307

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى