اتصالات

العراقيون يدفعون 176 ضعف ما يدفعه الأردنيون لفاتورة الخليوي

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي- محمد الربيعي وغزوان عباس

قد تبدو الأرقام التي يوردها هذا التحقيق صادمة، لكن النتائج التي توثقها البيانات وعروض شركات الاتصالات العاملة في كل من العراق والأردن، تثبت أن (24 دولاراً) فقط تتقاضاها شركات الاتصالات في الأردن، تعادل (4230 دولاراً) تتقاضاها شركات الاتصالات في العراق مقابل العدد نفسه من دقائق الاتصال، فيما يعادل كل 70 سنتاً يدفعها الأردني ثمناً لـ (1) غيغابايت من الإنترنت، 7 دولارات يدفعها العراقي للحصول على السعة نفسها.

كما يثبت هذا التحقيق، عبر خبراء، أن الفارق بين أسعار الشركات العراقية والأردنية سيرتفع أكثر إذا ما أصرت الحكومة العراقية على قرارها استيفاء ضريبة مبيعات مقدارها 20 في المئة على أسعار بطاقات «الموبايل»، إذ سيدفع المواطن العراقي هذه الضريبة مرتين، الأولى لمصـــلحة خزينة الدولة، والثانية إلى الشـــركات التي ستـــحرص على تعويض خسائرها من تراجع المبيعات بأكثر من طريقة.

تحليل البيانات

يعتمد هذا التحقيق الذي أنجز وفق صحافة البيانات، في شكل أساس، على تحليل الأرقام والمعلومات الواردة في بيانات شـــركات الاتــصال العاملة في العراق (زين العراق، آسيا سيل، كورك تليـكوم)، والأردن (زين الأردن، أورانج الأردن، أمنية) وعروضها المقدمة في مكاتبها في العاصمتين، العراقية بغداد، والأردنية عمان، إضافة إلى البيانات والعروض المقدمة في مواقعها الإلكترونية على شبكة الإنترنت.

28400 = 5076000

هذه المعادلة صحيحة تماماً، وفقاً لما تثبته عروض شركات أورانج الأردن، وأمنية، وزين والأردن، وزين العراق، وآسيا سيل، وكورك تليكوم، وبواقع ثلاثة عروض لكل شركة.

فوفقاً لهذه العروض، يدفع المواطن الأردني أقل من 29 ألف دينار عراقي (17 دينار أردني = 24 دولاراً) للحصول على 47 ألف دقيقة اتصال، موزعة بواقع (30 ألف دقيقة) من شركة أورانج بسعر 8.4 دولار، و (12 ألف دقيقة) بسعر 8.4 دولار من شركة زين الأردن، و (5 آلاف دقيقة) بسعر (7) دولارات من شركة أمنية.

فيما يدفع المواطن العراقي 5.02 مليون دينار عراقي (4230 دولاراً) لشركات آسيا سيل، زين العراق وكورك تليكوم، للحصول على العدد نفسه من الدقائق، وفقاً لنظام التعريفة مقابل الدقيقة، وهو الخيار الوحيد المتاح أمام المشتركين في العراق.

لا معالجات

يؤكد خبراء اقتصاد وقانونيون، أن السبب الرئيسي في هذا الفرق الشاسع في الأسعار بين الشركات العراقية ونظيرتها الأردنية، يكمن في جملة عوامل من المرجح أنها ستستمر لوقت ليس بالقصير، وأبرز هذه العومل: انعدام المنافسة بين الشركات العراقية بسبب احتكارها لقطاع الاتصالات وفقاً للعقد الاحتكاري الذي وقعته هذه الشركات مع الحكومة العراقية عام 2007، وسيظل نافذاً حتى 2022، غياب الرقابة الفاعلة على عمل الشركات، عجز الحكومة عن ضمان حق المستهلك العراقي، عدم وجود شركة وطنية للاتصالات يمكن أن تنافس شركات الاتصالات من خلال تقديم أسعار أرخص، فضلاً عن توقف خدمة الهاتف الأرضي منذ عام 2003.

ففي الأردن، كما يقول الخبير الاقتصادي الأردني جواد عباسي، هناك رقابة فاعلة من جانب هيئة الاتصالات الأردنية تضمن حقوق المستهلك الأردني وحقوق الدولة الأردنية في الوقت ذاته، وهو ما يساهم في نشوء منافسة حقيقية لتقديم خدمات أفضل، تساعد الشركات في الحصول على أرباح تناسب وضعها في السوق الأردنية.

كما يعتقد عباسي، أن وجود شركة لخطوط الهاتف الأرضي في الأردن يجبر الشركات على خفض أسعارها لضمان المنافسة معها، فمن المعروف أنه كلما زادت قدرة الخطوط الأرضية والشبكات الوطنية ذات الأسعار المنخفضة، خفضت شركات الاتصالات أسعارها أكثر.

في المقابل، يعتقد عباسي أن الاستقرار الذي يشهده الأردن مقابل سوء الأوضاع الأمنية في العراق منذ سنوات، يساهم في رفع الكلف التشغيلية والاستهلاكية داخل العراق أكثر من نظيرتها في الأردن، ففي ظل بيئة غير آمنة، كما يقول عباسي، يكون عمل الشركات أكثر صعوبة وأعلى في التكاليف.

وفي حين يقلل عباسي من تأثير طول مدة التراخيص على أسعار الشركات، يعتقد الخبير الاقتصادي العراقي الدكتور سعد جميل أن عقود التراخيص الطويلة الأمد وذات الصيغة الاحتكارية، تساعد الشركات على الاستحواذ في شكل كبير على قطاع الاتصالات في حال عدم وجود جهاز رقابي وتنظيمي حقيقي ومؤثر، كما في الحال العراقية.

ويعتقد جميل أن احتكار العمل من جانب شركتين أو ثلاث، يتيح لها التحكم بالأسعار من خلال بروتوكولات تفاهم بينية، وهو ما يظهر جلياً من خلال التقارب والتطابق أحياناً في سعر التعرفة داخل العراق، خصوصاً أسعار شركتي زين العراق وآسيا سيل اللتين تستحوذان على ما نسبته 86 في المئة من المشتركين وبمجموع 27.5 مليون مشترك تقريباً.

ويتفق الخبير الاقتصادي العراقي باسم أنطوان مع جميل، فهو يعتقد أن لدى شركتي آسيا وزين العراق بروتوكول تفاهم ينص على تحديد الأسعار بالاتفاق، وهو أمر شائع بين الشركات التي تحتكر قطاعاً معيناً وتفضل عدم الدخول في منافسة شرسة في ما بينها قد تضر بأرباحها لمصلحة المستهلكين.

ويؤكد أنطوان أن عملية التحكم بالأسعار ستظل قائمة ما دامت الأجهزة الرقابية والتنظيمية عاجزة عن التأثير في طريقة إدارة الشركات لملف الاتصالات وتحديد الأسعار، خصوصاً في ظل تلكؤ الحكومة في تأسيس شركة وطنية للهاتف النقال يمكنها تقديم خدمات هاتفية بأسعار أقل من الشركات الاحتكارية، وعدم وجود الخطوط الأرضية التي دمرت بنيتها التحتية بعد عام 2003، وما زالت على حالها منذ ذلك الوقت.

يتوقع أنطوان أيضاً، أن ضريبة المبيعات التي فرضتها الحكومة على أسعار بطاقات «الموبايل» ضمن المادة 33 من موازنة عام 2015، ستساهم في ارتفاع أسعار الاتصالات خلال الفترة المقبلة، لأن الضريبة البالغة 20 في المئة ستذهب إلى خزينة الدولة مباشرة وليس إلى الشركات كما هو الاعتقاد الخاطئ السائد حالياً في الأوساط العراقية، وهو ما يعني أن الشركات ستحاول تعويض خسائرها الناتجة من تراجع المبيعات بطرق جديدة لاستيفاء الأجور التي لا تقتصر فقط على رفع الأسعار.

يتفق أنطوان وجميل، على أن على الحكومة التراجع عن فرض ضريبة المبيعات لأن التوقيت «خاطئ تماماً»، ففي ظل ضعف الرقابة على عمل الشركات وعدم قيام الحكومة بحماية المستهلك وسوء إدارة عملية تحصيل المستحقات الحكومية من الشركات طوال السنوات الثماني الماضية، سيدفع المواطن ضريبة المبيعات مرتين، مرة للحكومة، ومرة أخرى من خلال الطرق التي ستبتكرها الشركات لتعويض الخسائر.

يؤكد الخبير القانوني علي التميمي أن وفق القاعدة القانونية التي تنص على أن العقد هو شريعة المتعاقدين، وفي ظل عدم وجود بند ينص على حق الحكومة العراقية في فسخ العقد من طرف واحد، ستبقى هذه الشركات متحكمة بقطاع الاتصالات في العراق بالطريقة التي تخدم مصالحها، إذ لا يمكن الحكومة إلغاء هذه العقود مهما أوغلت الشركات في غبن حق المواطن، لأن هذا سيعرضها للمساءلة والمطالبة بالتعويض من جانب الشركات.

لهذا، كما يرى التميمي، ليس أمام الحكومة لحماية المواطن العراقي من الشركات سوى تفعيل بند فرض الغرامات على سوء الخدمة، والعمل على فرض غرامات كبيرة ترهق كاهل هذه الشركات، والتشدد عليها في عملية استحصال الغرامات في مواعيدها، كوسيلة أخيرة لإجبارها على تحسين الخدمة وخفض الأسعار وصيانة حق المستهلك العراقي، أو التقدم بطلب لفسخ العقود الاحتكارية.

لكن التقرير الذي قدمته اللجنة البرلمانية التحقيقية في واقع شركات الهاتف النقال عام 2011، يشير إلى عكس ما يتوقعه التميمي وبقية الخبراء، إذ يكشف التقرير مجموعة من الحقائق المرتبطة بطريقة إدارة ملف شركات الاتصالات في العراق، وأبرزها:

– أصدر مجلس الوزراء خمسة قرارات منذ العام 2008 حتى 2010، تنص على تقسيط دفع المبالغ المتبقية من عقود التراخيص (1.875 مليار دولار) والتي كان من المفترض أن تدفعها الشركات في 9 – 10 – 2007، وآخرها كان القرار الرقم 89 لسنة 2010 بتاريخ 23 – 10 – 2010.

– أكدت اللجنة التحقيقية أن هناك التفافاً من الشركات على مجلس الوزراء للحصول على الموافقات بتقسيط المبالغ المتبقية عليها، وعدم التزامها مواعيد التسديد المثبتة بالعقد.

– احتسبت اللجنة مقدار المبالغ المستحقة على الشركات لمصلحة الدولة العراقية، بمبلغ 2.852 بليون دولار، تتضمن المبالغ المتبقية من عقود التراخيص، والفوائد والغرامات المالية، ومن ضمنها غرامة على شركة زين لتوزيعها 5 ملايين شريحة هاتف من دون الاستحصال على موافقات.

– أثبت التحقيق، إهمال هيئة الإعلام والاتصالات لعدم قيامها بمحاسبة الشركات عن ســوء الخدمة، وعدم مراقبة ومتابعة قضية تسديد المبالغ المتبقية عليها مع الفوائد والغرامات وتحسين الخدمة، وتقصيرها لكونها لم تراقب وتتابع نسبة المشاركة من خلال السجلات الإلكترونية وأنظمة الفواتير، ولم تطالب الشركات باعتماد هذه السجلات، والتهاون والتراخي مع الشـــركات إذ فســـحت في المجال للشركات لعدم تســـديد المستحقات الحقيقية الواجب تــسديدها للدولة، والبالغة 18 في المئة و15 في المئة ضرائب ونسبة مشاركة.

المصدر: الحياة

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى