الرئيسيةمقالات

نحو غاية مشتركة لتعزيز التنمية والابتكار

شارك هذا الموضوع:
سيذكر التاريخ خواتيم القرن الـ20 وبدايات القرن الـ21 باعتبارهما عصرا فارقا في الحد من الفقر. ففي عام 1990، نشر البنك الدولي تقريرا عن التنمية في العالم، وكان محوره قضية الفقر. ومنذ ذلك العام، انخفضت أعداد من يعيشون في فقر مدقع بما يزيد على 1.1 مليار شخص، وذلك بفضل النمو الاقتصادي عريض القاعدة، واتباع الأساليب الاحتوائية لتحقيق التنمية. وقدر معدل الفقر في عام 2018 بنسبة 8.6 في المائة ـ وهو أدنى مستوى له في التاريخ.

وعلى الرغم مما تحقق من تقدم إلا أنه ما زالت أمامنا تحديات ملحة علينا مواجهتها؛ فلا يزال هناك أكثر من 700 مليون شخص حول العالم يعيشون في فقر مدقع ـ بمعدل شخص واحد من كل 12 شخصا على قيد الحياة. وفي منطقة إفريقيا جنوب الصحراء، فإن أعداد من يعيشون في فقر مدقع آخذة في التزايد، وهناك حاجة إلى 15 مليون فرصة عمل جديدة كل عام لمواكبة النمو السكاني. ولن تكفي معدلات نمو الدخل الحالية لتحقيق الرخاء المشترك ولا تمكين الناس من بلوغ أقصى حدود إمكاناتهم. فهناك أعداد هائلة لا تشهد أي ارتقاء في مستويات معيشتها، أو مهاراتها، أو قدرتها على مواجهة الكوارث الطبيعية.

وتعمل مجموعة البنك الدولي على مواجهة هذه التحديات، وعلى مدى الـ75 عاما الأخيرة، نمت المؤسسة، وتطورت، وساندت الابتكار. وبحلول عام 2019، أصبحت مجموعة البنك الدولي تمتلك قدرا كبيرا غير مسبوق من الأدوات والنهج، وتركز في أعمالها على البرامج القوية التي تدفع النمو، وتزيد متوسط الدخول، وتحدث تقدما من شأنه تحسين معيشة الفئات الأشد فقرا ومعاناة وضعفا.

وقد تأسست هذه الجهود على الأفكار والمثل التي جرت مناقشتها، وصياغتها، والاتفاق عليها في تجمع غير مسبوق عقد في إحدى البلدات الصغيرة الواقعة عند سفح جبال نيوهامبشاير، منذ ثلاثة أرباع قرن مضى.

في مساء الأول من تموز (يوليو) عام 1944، وقف هنري مورجنثو وزير الخزانة الأمريكي أمام وفود من 44 بلدا بفندق ماونت واشنطن، في حين كانت قوات الحلفاء، على الجانب الآخر من الأطلنطي، تشق طريقها عبر نورماندي، وكانت المعارك مستعرة في كل من أوروبا والمحيط الهادئ، ولم يتأكد بعد الطرف الذي سينتصر في أكبر وأشرس حرب عرفها التاريخ.

ومن قبل أن تتضح نتيجة الحرب بوقت كبير، بدأت البلدان المتحالفة في استشراف مستقبل العالم بعد الحرب. وعلم فرانكلين روزفلت الرئيس الأمريكي آنذاك أنه لن تكفي صياغة نظام ما بعد الحرب، فتصور بناء نظام جديد بالكلية، لا يحول دون وقوع حرب عالمية جديدة فحسب، بل يكفل سلاما دائما كذلك.

تعلم روزفلت درسا مهما مما حدث في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حين صرح رئيس أمريكي آخر، هو وودرو ويلسون، بأن السلام يجب أن يستند إلى “مبدأ العدالة لجميع الشعوب والجنسيات، وحقها في العيش المتكافئ في حرية وأمان بعضها مع بعض ـ القوي منها والضعيف على حد سواء”.

لم تنجح معاهدة فرساي عام 1919، وكان من بين أسباب فشلها الأزمات الاقتصادية التي ساعدت على هيمنة الأيديولوجية النازية، ودفع العالم إلى أتون الحرب مجددا. وبحلول عام 1944، تبين أن السلام يجب ألا يستند إلى الحرية والأمان وحدهما، بل إلى الفرص والرخاء كذلك.

وهكذا انتهى الحال بهذه الوفود إلى الاجتماع في ذلك الفندق الضخم العتيق القابع في سفح جبل واشنطن، بقرية بريتون وودز في ولاية نيوهامبشاير. وكان الغرض من مؤتمر الأمم المتحدة النقدي والمالي بناء نظام مالي عالمي جديد يثبت أسعار الصرف، ويرأب الخلل في ميزان المدفوعات، ويعيد إعمار البلدان المتضررة من الحرب، ويعزز التنمية في البقاع الأكثر فقرا في العالم. وفي كلمته الافتتاحية قال مورجنثو، الذي كان يرأس المؤتمر، إن الهدف هو “إنشاء اقتصاد عالمي ديناميكي، تتمكن فيه شعوب كل البلدان من تحقيق إمكاناتها في سلام.. وأن ترفع من مستوى معيشتها، وأن تتمتع أكثر فأكثر بثمار تقدم ملموس”.

وعلى مدى الأسابيع الثلاثة التالية، تجمعت الوفود على طاولات المؤتمر؛ وتناقشوا على موائد الطعام، وأثناء الجلسات الفنية التي كانت تعقد في ساعات متأخرة من الليل. وقبل أن ينصرم الشهر، أنشأوا نظاما ماليا عالميا جديدا ومؤسستين جديدتين: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير ـ الذي عرف فيما بعد بالبنك الدولي.

وتضمن النظام المالي الجديد أفكارا رئيسة ناقشتها الوفود. وقام المؤتمر ذاته على قناعة مفادها عدم وجود حدود ثابتة للرخاء ـ فبإمكان جميع الأمم أن تجني ثمار النمو والتنمية. وكان النظام الذي أسفر عنه هذا المؤتمر يهدف إلى معالجة التحديات التي لا تستطيع البلدان التعامل معها منفردة. وأخيرا، كان الأساس الذي بني عليه هذا الجهد برمته هو استحقاق الكل للحصول على الفرصة. وكما قال مورجنثو: “حرية الحصول على الفرصة هي أساس جميع الحريات الأخرى”.

الاقتصادية

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق