الرئيسيةمقالات

توجه العالم إلى الاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية

الاقتصادية

لقد كانت أهم مزايا التجارة الإلكترونية حتى الآن تلك المساحة الواسعة جدا من الحرية وانخفاض القيود عند الدخول والخروج والعمل والابتكار مع غياب الرقابة إلى حد لم تصل إليه أي تجارة تقليدية في التاريخ، وهذا قاد التجارة الإلكترونية إلى توسع سريع جدا وليبلغ حجمها في أقرب التقديرات أكثر من 25 تريليون دولار. ومنذ عام 2010 أصبح لهذه “الجنة” التجارية عملات إلكترونية، ثم توسعت العملات الحكومية رقميا حتى تتمكن من الدخول إلى هذا العالم، وأصبح الناس في كل وقت ومن أي مكان قادرين على الشراء والبيع من شرق الأرض إلى غربها. ولكن هذه “الجنة” التجارية لم تسلم من عبث الاحتيال والتلاعب وغسل الأموال والتجارة المحرمة، وهي تتنامى بشكل مخيف جدا، وتزداد سرعتها كلما تزايدت سرعات الإنترنت، تزايدا بلغ حد القلق مع قرب استقبال الجيل الخامس الذي من المتوقع أن يقود التجارة الإلكترونية إلى عالم لم يخطر على قلب بشر. في هذه الأجواء القلقة بدأت الدول والحكومات والمنظمات حول العالم ترغب في التدخل منذ أن أطلق وزراء 75 دولة في منظمة التجارة العالمية، وذلك على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي “دافوس” مطلع هذه العام، محادثات لتنظيم التجارة الإلكترونية لكي تصبح أكثر قابلية للتنبؤ، وأكثر فاعلية وأمنا. ولأن التجارة الإلكترونية بدأت كبيع منتجات على المواقع الإلكترونية للشركات العالمية حتى أصبحت أسواقا ضخمة اليوم، ثم اكتشفت عملاتها الرقمية، وأصبح النموذج البنكي مختلفا مع تنامي ظواهر تنفيذ التبادل التجاري من خلال الجوالات الرقمية دون الاستناد إلى حسابات بنكية تحت إشراف حكومي، فإننا أمام اقتصاد جديد تماما، اقتصاد تمت تسميته رسميا الاقتصاد الرقمي مع إصدار «إعلان أوساكا حول الاقتصاد الرقمي».

اليوم نشهد حدثا تاريخيا مهما، مع عقد قادة ورؤساء وفود دول مجموعة العشرين في أوساكا اليابانية، جلسة مصاحبة لأعمال القمة بعنوان “الاقتصاد الرقمي”. شارك في الجلسة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع رئيس وفد المملكة المشارك في أعمال القمة. وليس من باب المصادفة حضور الأمير محمد بن سلمان هذه الجلسة المصاحبة، فقد كان اهتمامه بهذا الجانب بارزا منذ إطلاق مشروع مدينة نيوم كمشروع عالمي يهتم بما أصبح يسمى الآن “الاقتصاد الرقمي”، الذي أكدت دول مجموعة العشرين أهميته بوصفه مصدرا للنمو الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية في كل البلدان، وضرورة النقاش المحلي والعالمي حول تسخير كل إمكانات البيانات المتاحة والاقتصاد الرقمي لتعزيز الابتكار حتى تتمكن الدول والمجتمعات من مواكبة وتيرة التطور في الاقتصاد الرقمي سريع النمو وتعظيم فوائد التقنية الرقمية الناشئة. وبهذا نجد الأمير محمد بن سلمان مرة أخرى يسابق العالم إلى قضايا المستقبل، فقد أسهمت المملكة بأكثر من 45 مليار دولار في الصندوق الاستثماري “رؤية سوفت بنك”، الذي يضع الاستثمار في الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي أساس “الرؤية” ومحرك الاستثمار.

لكن الأمور في الاقتصاد الرقمي ليست بسهولة المحادثات في جلسة مصاحبة، فإطلاق “مسار أوساكا” للتجارة الإلكترونية هو إعلان التزام بمناقشة السياسات دوليا، ووضع القواعد المتعلقة بالتجارة الإلكترونية في منظمة التجارة العالمية. وهنا نقف أمام الصراع الدائر الآن بين الولايات المتحدة والصين بشأن الجيل الخامس، وهو قلب الاقتصاد الرقمي في المستقبل، ولهذا سيكون أمام العالم مفاوضات صعبة بشأن حد التدفق الحر للبيانات الذي أشار إليه الرئيس الأمريكي والخصوصية وحماية الملكية الفكرية. وليس من المتوقع أن يتم الوصول إلى قواعد ملزمة في ظل هذه الصراعات القائمة على سيادة الاقتصاد الرقمي وأسواقه الإلكترونية وأدواته اليوم، فقد أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في كلمة ألقاها ضمن فعاليات قمة العشرين في أوساكا، إلى أن التوسع في مجال التجارة الرقمية قائم على ضمان أمن وقوة شبكات الجيل الخامس. وهذه الرسالة واضحة المعالم بشأن الصراع الدائر اليوم بين كافة الأطراف، وتأتي الإجابة من ميركل، على هامش القمة بقولها، “هذه إشارة مهمة إلى حاجتنا إلى قواعد دولية للرقمنة، وهذه القواعد يتعين تطبيقها عبر منظمة التجارة العالمية”. لكن منظمة التجارة العالمية لم تنجح اليوم نجاحا كافيا ومقنعا في صنع تجارة تقليدية نزيهة وحرة، فكيف يمكنها أن تصنع ذلك في العالم الرقمي. ولعله من المهم التفكير في مؤسسة أكثر قوة من منظمة التجارة العالمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى